الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى التواب:
أيها الإخوة الأكارم؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم التواب، هذا الاسم ورد في القرآن الكريم في ستة مواضع معرفاً بأل كما في قوله تعالى:
﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)﴾
وقد ورد أيضاً في خمسة مواضع منوناً كما في قوله تعالى:
﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10)﴾
أيها الإخوة؛ الله عز وجل يقول:
﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27)﴾
وقد قال العلماء: ما أمرنا الله أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا، وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا، وما أمرنا أن نسأله إلا ليعطينا، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا.
أما في السنة فعند الترمذي وابن ماجه
(( من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول: ربِّ اغفر لي وتُبْ عليَّ إنك أنتَ التوابُ الغفورُ مئةَ مرةً. ))
أيها الإخوة؛ التواب في اللغة من صيغ المبالغة، وصيغ المبالغة إذا اتصلت بأسماء الله الحسنى فتعني الكم والنوع، أي يغفر جميع الذنوب كماً، ويغفر أكبر الذنوب نوعاً، توّاب، تائب وتوّاب، صيغة مبالغة، على وزن فعّال، يغفر كل الذنوب مهما كثُرت، ويغفر كل الذنوب مهما عظُمت، الفعل تاب، يتوب، توباً، وتوبةً، تاب: فعل ماض، يتوب: مضارع، توباً: مصدر، وتوبة.
1 ـ الرجوع عن الشيء إلى غيره:
أما تعريف التوبة اللغوي فهو الرجوع عن الشيء إلى غيره، رجع عن هذا العمل إلى عمل آخر، هذا معنى التوبة اللغوي، بل هو ترك الذنب على أجمل وجه، وهو أبلغ وجه من وجوه الاعتذار، أعلى مستوى من الاعتذار أن تتوب، الاعتذار على أوجه ثلاث، لا رابع لها، عملت عملاً، إما أن تقول: لم أفعل هذا، هذا اعتذار، الرواية التي بلغتك ليست صحيحة، لم أفعل هذا، من هنا قال الله عز وجل:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)﴾
تحقق، الله عز وجل يصِف لنا التحقيق، سيدنا سليمان:
﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)﴾
تحقق، فأول وجه من وجوه الاعتذار أن تقول: لم أفعل هذا، أو أن تقول: فعلته، ولكن كان قصدي شريفاً، لم أقصد المعنى الذي توهمته، هذا وجه آخر، والوجه الثالث تقول: فعلت، وأسأت، وقد أقلعت عن هذا الفعل، هذا هو الاعتذار الأكمل، هذه هي التوبة، أن تقول: فعلت، وأسأت، ولن أعود إلى هذا العمل.
2 ـ المذنب الذي يسأل ربه التوبة:
أيها الإخوة؛ في اللغة التائب هو المُذنب الذي يسأل ربه التوبة، والتائب هو الله الذي يقبل التوبة، نقول: هذا الإنسان المذنب تائب، وهذا الإله العظيم تائب، قَبِل التوبة.
3 ـ مخرج النجاة للإنسان حينما تحيط به خطيئاته:
والتوبة أيها الإخوة؛ مخرج النجاة للإنسان حينما تحيط به خطيئاته.
﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)﴾
مخرج النجاة الوحيد هو التوبة.
4 ـ صمام الأمان حينما تضغط على الإنسان سيئاته:
التوبة هي صمام الأمان حينما تضغط عليه سيئاته، بعض الأوعية البخارية لها صمام أمان، فإذا ارتفع الضغط كثيراً بدل أن تنفجر هذا الصمام يسيح، والبخار يخرج، فالتوبة هي صمام الأمان حينما تضغط على الإنسان سيئاته.
التوبة هي تصحيح المسار حينما تضله أهواؤه.
التوبة هي حبل الله المتين حينما تغرقه زلاته، مخرج النجاة للإنسان حينما تحيط به خطيئاته، وصمام الأمان للإنسان حينما تضغط عليه سيئاته، وتصحيح المسار للإنسان حينما تضله أهواؤه، وحبل الله المتين حينما تغرقه زلاته.
7 ـ الصراط المستقيم حينما تنحرف بالإنسان شهواته:
التوبة هي الصراط المستقيم حينما تنحرف به شهواته.
أيها الإخوة؛ ورد في الأثر القدسي:
(( وعزتي وجلالي إن أتاني عبدي ليلاً قبلته، وإن أتاني نهاراً قبلته، وإن تقرّب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، وإن تقرّب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، وإن مشى إلي هرولت إليه، وإن استغفرني غفرت له، وإن استقالني-أي طلب إقالتي-أقلته، وإن تاب إليّ قبلته، وإن أقبل عليّ تلقيته من بعيد، وإن أعرض عني ناديته من قريب، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد، ومن استعان بحولي وقوتي ألنت له الحديد، ومن أراد مرادي أردته ما يريد، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل طاعتي أهل كرامتي، أهل معصيتي لا أُقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، أشكر اليسير من العمل، وأغفر الكثير من الزلل، رحمتي سبقت غضبي، وحلمي سبق مؤاخذتي، وعفوي سبق عقوبتي، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها. ))
[ هذا الحديث بهذا الطول لا يثبت، وإن كان بعض ما ورد فيه ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال الشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ في الضعيفة: وذكره ابن القيم أيضاً من روايته في مدارج السالكين ـ ]
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ .
الله عز وجل يقبل التوبة عن عباده ما لم تغرغر النفس أو تطلع الشمس من مغربها:
أيها الإخوة؛ الله عز وجل هو التواب يقبل التوبة عن عباده حالاً بعد حال، ويوماً بعد يوم، وحيناً بعد حين، فما من عبد عصاه، وبلغ عصيانه مداه، ثم رغب في التوبة إلا فتح له أبواب رحمته، وفرح بعودته ما لم تغرغر النفس، أو تطلع الشمس من مغربها، باب التوبة يُغلق والإنسان على فراش الموت تغرغر روحه، أو تطلع الشمس من مغربها، فعند مسلم
(( من حديث أبي موسى رضي الله عنه مرفوعاً: إنَّ اللِهَ عزَّ وجلَّ يبْسُطُ يدَهُ باللَّيْلٍ ليَتوبَ مُسيءُ النهار، ويبسُطُ يدَه بالنَّهار ليتُوبَ مُسيء الليلِ، حتى تطْلُعَ الشمسُ من مغرِبِها. ))
وعند الترمذي
(( من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنَّ اللّهَ يقبلُ توبة العبدِ ما لم يُغَرغِرْ. ))
باب التوبة مفتوح على مصراعيه قبل أن يموت الإنسان إلا في إحدى حالتين:
أيها الإخوة؛ لابدّ من شرح، باب التوبة مفتوح على مصاريعه إلا في إحدى حالتين، إذا حضر أحدهم الموت، عندما يحضر الموت تُلغى التوبة، الآية واضحة:
﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18)﴾
في هذه الحالة يُغلق باب التوبة.
2 ـ إذا طلعت الشمس من مغربها:
أما يُغلق باب التوبة إذا طلعت الشمس من مغربها، طلوع الشمس من مغربها من أشراط الساعة.
أخطر ما يصيب المسلمين عدم فهم دينهم وعدم الاهتمام بقيمهم وإسلامهم:
لكن هذا المعنى قد يُفهم بشكل موسع وقد يُفهم بشكل ضيق، أي الله أعلم كيف تطلع الشمس من مغربها، لكن بالمعنى الموسع حينما نرى أن العلم كله في الغرب، وأن الحضارة كلها في الغرب، وأن الأخلاق كلها في الغرب، وكل شيء يفعله الغرب هو الكمال، ولو تفلتوا من منهج الله، ولو فعلوا الأفاعيل، ولو تحللوا من كل قيد أخلاقي، ما دام هذا العمل جاءنا من الغرب،
(( عن أبي هريرة رضي الله عنه: لتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن كان قَبلَكم شِبرًا بشِبرٍ، وذِراعًا بذِراعٍ، حتى لو دخَلوا جُحرَ ضَبٍّ لدخَلتُموه. ))
حينما لا نأبه لديننا، ولا نهتم بقيمنا، ولا نُعظّم إسلامنا، ولا نُقدس وحي ربنا، وحينما نزدري أنفسنا، ونرى الغرب القوي، الغني، الذكي هو الحضارة، هو التقدم، هو الأخلاق، هو القيم، هذا مما يُفهم من طلوع الشمس من مغربها، لماذا يتوب؟ دينه كله ليس قانعاً به، أمته كلها ليس قانعاً بها، حضارته كلها ليس مؤمناً بها، انسلخ من انتمائه، انسلخ من إسلامه، انسلخ من أمته، انسلخ من حضارته، فهذا الإنسان لا يتوب لأنه تبدلت مبادئه وقيمه، وهذا من أخطر ما يصيب المسلمين، الاستغراب، الاستغراب أن تكون غربياً شكلاً، وقالباً، ومضموناً، ومحتوىً، أن تفكر بطريقة الغربيين، أن تُقيّم العمل بطريقة الغربيين، من هوي الكفرة حُشِر معهم ولا ينفعه عمله شيئاً.
التشبه بالغرب يسلخ المسلم من قيمه ومن تاريخه العظيم:
لا يقُبل للمرأة إلا أن تكون متفلتة، أن تُبرز كل مفاتنها، تعرية المرأة حضارة، تناول الخمور تقدم ورقي، حينما نكون بهذه الحال يُغلق باب التوبة، حينما لا نرى أمتنا العظيمة التي فتحت أطراف الدنيا، التي نشرت العدل، الرحمة، حينما لا نأبه لقرآننا، وحي السماء، حينما لا نعتدّ بسنة نبينا سيد الخلق وحبيب الحق، هذا الوضع الاستغرابي هو مما يهدد المسلمين، أن ينسلخ المسلم من أمته، من مبادئه، من قيمه، من تاريخه العظيم، ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب المسلمين الذين امتلأ قلبهم رحمة.
على كلٍّ هذا اجتهاد شخصي، فإن أصاب المجتهد له أجران، وإن أخطأ له أجر، طلوع الشمس من مغربها من علامات قيام الساعة، والله أعلم كيف؟ ومتى؟ ولكن يمكن أن نفهم هذا النص فهماً موسعاً، حينما نزدري أمتنا، حينما نزدري مبادئنا وقيمنا، لماذا نتوب؟ حينما نُقلِّد الغرب بكل شيء حتى لو تعروا، حتى لو أكلوا الحرام، حتى لو شربوا الخمور، حتى لو فعلوا الموبقات، هذا شيء من الغرب، شيء عظيم، هذه الحالة تقتضي كما ورد في الحديث الصحيح أن يُغلق باب التوبة.
من تاب توبة نصوحة بدّل الله سيئاته حسنات:
أيها الإخوة؛ قال تعالى عن الذين تابوا وأصلحوا وعملوا الصالحات قال:
﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)﴾
كيف؟ أيضاً هذا فهم لهذه الآية اجتهادي، كان بخيلاً، بعد أن تاب إلى الله أصبح كريماً، كان غضوباً أصبح حليماً، كان شهوانياً أصبح رحمانياً، كان جاحداً صار منصفاً، ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ أي ما لم تتبدل قيم الإنسان مئة وثمانين درجة فتوبته ليست صحيحة، توبة أي إنسان أخذ اتجاهاً آخر، ما لم تقل زوجة التائب: تغير، لم يكن هكذا، كان غضوباً الآن حليماً، كان بخيلاً الآن كريماً، ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ .
صورة متحركة تؤكد فرحة الله بتوبة عبده:
(( روى الترمذي من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال اللهُ تعالى: يا بنَ آدمَ! إِنَّكَ ما دَعَوْتَنِي ورَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لكَ على ما كان فيكَ ولا أُبالِي، يا بنَ آدمَ! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنانَ السَّماءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لكَ ولا أُبالِي، يا بنَ آدمَ! لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرضِ خطَايا ثُمَّ لَقِيْتَني لاتُشْرِكْ بِيْ شَيْئَاً لأتيْتُكَ بِقِرَابِها مَغْفِرَةً. ))
[ صحيح الترغيب حسن لغيره أخرجه الترمذي ]
بل إن في بعض الأحاديث:
(( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَلَّهُ أشَدُّ فَرَحًا بتَوْبَةِ أحَدِكُمْ مِن أحَدِكُمْ بضالَّتِهِ إذا وجَدَها. ))
وفي رواية ثانية: لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد-ضيّع شيئاً ثميناً جداً- والعقيم الوالد-بعد عشر سنوات جاءه مولوه-ومن الظمآن الوارد-كاد يموت عطشاً في الصحراء ثم رأى الماء-لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام حدثنا عن قصة عبّر بها عن فرح الله بتوبة عبده، فذكر أن أعرابياً ركب ناقته، وعليها طعامه وشرابه ليقطع بها الصحراء، أدركه التعب فجلس ليستريح، فلما أفاق من استراحته لم يجد الناقة فأيقن بالهلاك، بكى بكاءً مراً من شدة البكاء أخذته سنة ثانية من النوم، فلما استيقظ رأى الناقة أمامه، من شدة الفرح اختلّ توازنه، وقال كلمة الكفر،
(( عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: للَّهُ أَشدُّ فَرَحاً بِتَوْبةِ عَبْدِهِ حِين يتُوبُ إِلْيهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى راحِلَتِهِ بِأَرْضٍ فلاةٍ، فانْفلتتْ مِنْهُ وعلَيْها طعامُهُ وشرَابُهُ فأَيِسَ مِنْهَا، فأَتَى شَجَرةً فاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، وقد أَيِسَ مِنْ رَاحِلتِهِ، فَبَيْنما هوَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ بِها قَائِمة عِنْدَهُ، فَأَخذ بِخطامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرحِ: اللَّهُمَّ أَنت عبْدِي وأَنا ربُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفرح. ))
يقول عليه الصلاة والسلام: ((للَّهُ أَفرح بتوبة عبده من هذا البدوي بناقته)) صورة متحركة تؤكد فرح الله بتوبة عبده.
بطولة الإنسان أن يرجع إلى الله بالهدى البياني لا بالتأديب التربوي:
الآن المعنى الدقيق في قوله تعالى:
﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)﴾
أي تاب الله على نبيه: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ دققوا الآن: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ هناك توبة تسبق توبة العبد، وهناك توبة تلحق توبة العبد، بل إن توبة العبد بين توبتين، ﴿تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ ، ﴿تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ يُفهم من هذا الآية أن الله ساق لهم من الشدائد ما يحملهم بها على التوبة، أي الله عز وجل، إنسان متلبس بمعصية، يسوق له شدة، تلوح له مصيبة، يهدده إنسان، يشعر بآلام معينة في جسمه، هذا من توبة الله عليه، يسوق له من الشدائد ما يحمله بها على التوبة، والمقلقات التي تدفع الإنسان إلى باب الله تدفعه إلى التوبة، تدفعه إلى الصلح مع الله، فإذا جاءت توبة الله بعد توبة العبد أي قَبِلَ التوبة، فالله يدفعك إلى التوبة فتتوب وبعدها يقبل توبتك، فتوبتك ينبغي أن تكون بين توبتين، لكن أحياناً الله عز وجل يسوق لك إنساناً يُبَلِّغك الحقيقة، من دون مصيبة، أي هو البطولة أن ترجع إلى الله بالهدى البياني لا بالتأديب التربوي، أما حينما تأتي الشدة ونتوب أيضاً وضع جيد، أما الأجود أن تتوب بالملاحظة، أن تتوب بالبيان، أن تتوب بالهدى البياني.
على كلٍّ يجب أن تكون توبتك بين توبتين، بين توبة الله التي قبلها وهي البيان أو الشدة، أو أسلوب معين يحملك الله به على التوبة، ثم أن تأتي توبتك صادقة، ويأتي بعدها توبة الله عليك بمعنى أنه قَبِل توبتك، فتوبة قبلها، وتوبة بعدها.
أيها الإخوة الكرام؛ الموضوع دقيق جداً، الموضوع من أقرب الموضوعات إلى المؤمن، التواب، لأن المؤمن مذنب تواب،
(( عن أنس بن مالك: كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ. ))
والتوبة كما قلت: مخرج النجاة للإنسان حينما تحيط به خطيئاته، وصمام الأمان للإنسان حينما تضغط عليه سيئاته، وتصحيح المسار للإنسان حينما تُضله أهواؤه، وهي حبل الله المتين حينما تغرقه زلاته، وهي الصراط المستقيم حينما تنحرف به شهواته.
الملف مدقق