وضع داكن
22-08-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 084 أ - اسم الله الحسيب 1
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  من أسماء الله الحسنى الحسيب:


أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الحسيب.
 

ورود اسم الحسيب في القرآن الكريم مطلقاً ومقيداً:


هذا الاسم ورد في القرآن الكريم مطلقاً في قوله تعالى:

﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86)﴾

[ سورة النساء ]

فالله سبحانه وتعالى من فوق عرشه حسيب باسمه وبصفته، له الكمال المطلق في محاسبته لخلقه، وله الكمال المطلق في علو شأنه، وقد ورد هذا الاسم أيضاً مقيداً في قوله تعالى:

﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)﴾

[ سورة النساء ]

دققوا في هذه اللغة التي أكرمها الله عز وجل فجعلها لغة كلامه، ولغة قرآنه.
 

الحسيب في اللغة:


الحسيب على وزن فعيل من صيغ المبالغة، الفعل حسِبَ، يحسِبُ، حساباً، وحسباناً، لكن دقة اللغة في حَسِبَ يحسَبُ أي ظنّ يظنّ، وفي حَسَبَ يَحسُب عدّ يعُدّ، وفي حَسُب يحسُبُ كان ذا حسب، افتخر بحسبه، وفي حسِبَ يحسِبُ حاسب غيره، حركة، أربعة أفعال كل فعل له معنى مستقل عن الآخر.
على كلٍّ اسم الفاعل حاسب، صيغة المبالغة حسيب، حينما نصف إنساناً بأنه يُحاسب غيره فهو حاسب كاسم فاعل، حسيب كصيغة مبالغة لاسم الفاعل، الحساب ضبط العدد، بيان المقادير الدقيقة، سواء أكان هذا الحساب أو الضبط جزماً أو ظناً.
 

الحسيب هو الكافي الرفيع الشأن يعلم ويرزق ويكفي:


الآن الحسيب هو الكافي، الكريم، الرفيع الشأن، الحسب في حقنا نحن البشر هو الشرف الثابت في الآباء، فلان ذو حسب، ينتمي إلى أرومة عالية، الحسب هو العمل الصالح، رُبّ حسيب الأصل غير حسيب، له آباء أبرار لكن الابن ليس كالأب، هذا في شأن اللغة.
أما إذا قلنا: الله جلّ جلاله هو الحسيب، هو العليم، هو الكافي، الذي قدّر أرزاق الخلائق قبل خلقهم هو الحسيب، ووعد باستكمال العباد لأرزاقهم على مقتضى حكمته فهو الحسيب، وضمِن ألا تنفذ أرزاقه فهو الحسيب:

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36)﴾

[ سورة الزمر ]

وأن كلاً سينال نصيبه من الأرزاق فهو الحسيب أي الرازق، الكافي، هو القدير الخلّاق الحسيب الرزّاق. 
قال أبو حامد الغزالي: الحسيب هو الكافي، وهو الذي من كان له كان حسبه، إذا كان الله لك فهو حسبك، أحياناً إنسان يقدم لك خدمة، لكن أنت بحاجة إلى خدمة أكبر، يقدم لك معونة، لكنك بحاجة إلى شفاء من مرض، لكن الله سبحانه وتعالى إذا تولاك كفاك:

كن مع الله ترَ الله معك             واترك الكل وحاذر طمعك

[ عبد الغني النابلسي ]

* * *

إذا كنت في كل حالٍ معي            فعن حمل زادي أنا في غنى

[ علي أبو الحسن الششتري ]

* * *

الحسيب الكافي، يعلم، ويرزق، ويكفي، والإنسان حينما يعرف الله منتهى طموحه أن يصل إليه، والله سبحانه وتعالى حسيب كل أحد وكافيه، كل شخص الله يحاسبه حساباً دقيقاً، اطمئن، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

[ سورة إبراهيم ]

الحقيقة الذي يكفيه كفاية مطلقة لا يمكن أن ينال هذه الصفة إلا الله، أي إنسان يقدم شيئاً لكنك تحتاج إلى أشياء، الله يقدم لك الأمن، يقدم لك الحكمة، يقدم لك الصحة، يقدم لك نجاح الزواج، يقدم لك أولاداً أبراراً، يقدم لك كفاية تزيد عن حاجتك، يقدم لك راحة نفسية، يقدم لك رضا، يقدم لك حياة نفسية رائعة جداً، يقدم لك حياة مادية رائعة، الله عز وجل حسبك الله يكفيك كل شيء النواحي المادية والمعنوية.
 

الله عز وجل حسيب يكفي عباده إذا التجؤوا إليه واستعانوا به واعتمدوا عليه:


إذاً هو الله وحده كافٍ لكل شيء لا لبعض الأشياء، كافٍ ليحصل به وجود الشيء، واستمرار الشيء، وكمال الشيء، وجودك هو الحسيب، استمرارك هو الحسيب، كمال وجودك هو الحسيب، الحسيب يكفي عباده إذا التجؤوا إليه، واستعانوا به، واعتمدوا عليه، دقق:

﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)﴾

[ سورة آل عمران ]

أحياناً تشعر في حالات معينة أن العالم كله يحارب الإسلام، وكأن حرباً عالمية ثالثة معلنة على هذا الدين، والعجيب أن هذا الدين ينمو، ينمو في كل مكان، أنا زرت فرنسا، فالخبر أن خمسين فرنسياً من أصول فرنسية يدخلون في الإسلام يومياً، وأنّ في فرنسا ألفين وسبعمئة مسجد، وأن الدين الثاني هو الإسلام، والحرب على الإسلام جِهاراً نهاراً معلنة وليست مُبَطّنة.
 

الله عز وجل لا تحتاج معه إلى أحد إذا توكلت عليه:


﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ والله كلمة رائعة: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ .

﴿ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)﴾

[ سورة آل عمران ]

لا تحتاج معه إلى أحد، لا تحتاج معه إلى مُعين، لا إلى قوي هو القوي، هو الغني، هو المُوَفِّق،

(( عند البخاري من حديث ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حَسبُنا اللهُ ونِعمَ الوكيلُ، قالها إبراهيمُ عليه السَّلامُ حينَ أُلقيَ في النَّارِ، وقالها مُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ قالوا: {إنَّ النَّاسَ قد جَمَعوا لَكُم فاخشَوهم فزادَهم إيمانًا وقالوا حَسبُنا اللهُ ونِعمَ الوكيلُ} [آل عمران: 173]. ))

[ صحيح البخاري ]

أي النار أُضرِمت كنار عظيمة ليُلقى بها هذا النبي الكريم، فإذا قال: حسبي الله ونعم الوكيل قال الله عز وجل :

﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)﴾

[ سورة الأنبياء ]

وقد لا ننتبه لدقة هذا الكلام، ﴿كُونِي بَرْداً﴾ لو لم يقل ﴿وَسَلَاماً﴾ لمات من البرد، ﴿كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً﴾ ولو لم يقل ﴿عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ لألغي مفعول النار إلى أبد الآبدين، ﴿كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ بالذات.

﴿ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70)﴾

[ سورة الأنبياء ]

 

الله عز وجل حسيب حسابه واقع لا محالة:


الآن الحسيب يحصي أعداد المخلوقات وهيئاتها، يضبط مقاديرها وخصائصها، يُحصي أعمال المكلفين في مختلف الدواوين، يُحصي أرزاقهم، أسبابهم، أفعالهم، مآلهم، أحوالهم، الله عز وجل حسيب بالمفهوم الشمولي، عليم، كاف، حسيب يحاسب، قال: حسابه واقع لا محالة.

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

[  سورة الحجر  ]

والله أنا أحياناً يا إخوان؛ أتعجب ممن يترنم بكلمة مسؤول كبير، والله لو علِم معناها لارتعدت فرائصه، مسؤول كبير! يقول سيدنا عمر: والله لو تعثرت بغلة في العراق-هو في المدينة-لحاسبني الله عنها، لِمَ لم تصلح لها الطريق  يا عمر؟ سيدنا عمر بن عبد العزيز دخلت عليه زوجته فاطمة بنت عبد الملك رأته يبكي قالت له: مالك تبكي؟ قال: دعيني وشأني، فلما ألحت عليه، قال: ويحك يا فاطمة إني وليت أمر هذه الأمة، فرأيت المريض الضائع، والفقير الجائع، والشيخ الكبير، والأرملة الوحيدة، وذا العيال الكثير، والرزق القليل، والمأسور، والمظلوم، وأمثالهم في أطراف البلاد، فعلمت أن الله سيسألني عنهم جميعاً، وأن خصمي دونهم رسول الله، فخفت ألا تثبت حجتي فلهذا أبكي، دعيني وشأني، ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ*عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لماذا طلقتها؟ ماذا فعلت معك؟ لماذا قبِلت هذه الشراكة من أجل أن تأخذ خبرته ثم تطرده؟ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ*عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أنا دائماً أقول: إذا كنت بطلاً هيئ لربك جواباً يوم القيامة لكل ما تفعل، حسابه واقع لا محالة، لا يشغله حساب واحد عن آخر، كما لا يشغله سمع عن سمع.
 

الله تعالى سريع الحساب لا يشغله شأن عن شأن:


نحن ثبت علمياً لا تستطيع إطلاقاً أن تنتبه إلى صوتين في آن واحد، ومن توهم أنه يستطيع هو في الحقيقة عنده ما يسمى سرعة التحول، أما أنت في وقت واحد لا تسمع إلا صوتاً واحداً، الدليل: ائتِ بمسجلة ضعها على النافذة، واجلس مع صديق حميم ساعة، ثم اسمع ما سجلته المسجلة، كل هذه الأصوات التي سجلتها لم تسمعها أنت أبداً، كنت غارقاً مع صديقك في حديث طويل، فالإنسان يصطفي، فالله عز وجل لا يشغله سمع عن سمع، ولا دعاء عن دعاء، ولا شأن عن شأن، فهو سريع الحساب.

﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17)﴾

[ سورة غافر ]

أحياناً بالكمبيوتر تسأل سؤالاً وتطلب الجواب، يأتي فوراً، يقول لك: سرعته عالية جداً، المعالج بمستوى عالٍ جداً، إذا إنسان صنع شيئاً يعطيك الجواب سريعاً فكيف خالق الأكوان؟
 

الله عز وجل سمح لذاته العلية أن توازن مع مخلوقاته كي نعرف من هو الله:


الله عز وجل سمح لذاته العلية أن يوازنها مع مخلوقاته قال:

﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)﴾

[ سورة الأنعام ]

﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)﴾

[ سورة المؤمنين ]

كلية صغيرة لا صوت، ولا ضجيج، ولا ألم، تعمل ليلاً نهاراً، حينما لا سمح الله ولا قدر تفشل كلية الإنسان يضطر بالأسبوع ثلاث مرات، وكل مرة ثماني ساعات، وكل جلسة خمسة أو ستة آلاف، معطل، وبالنهاية التصفية غير كاملة، وازن بين كلية صناعية وبين كلية طبيعية، أحياناً تجد القلب الصناعي بغرف عمليات القلب خزانة، أجهزة، قلب يعمل ليلاً نهاراً، بلا كلل، وبلا ملل.
 

الله عز وجل يعلم السر وما يخفى:


الحسيب هو الكريم، العظيم الشأن، ومعاني الكمال، له في ذاته وصفاته مطلق الجمال والجلال.

﴿ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)﴾

[ سورة الشورى ]

﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65)﴾

[ سورة مريم ]

أي مشابهاً.

﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)﴾

[ سورة البقرة ]

أنت مع طبيب إن لم تقل: أنا أحس بألم في هذا المكان، الطبيب لا يعلم، إن أخفيت عنه الألم لا يعلم، لكنك إن أخفيت عن الله عيوبك فالله عز وجل سيعالجك بها، إن أعلنتها أو لم تعلنها، إن أبديتها أو أخفيتها، ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ .
 

من شاء المغفرة غفر الله له ومن شاء العذاب عذبه الله:


الآن دقق: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ من شاء المغفرة غفر الله له، ومن شاء العذاب عذبه الله، كيف؟ يقول طبيب لمريض: معك التهاب معدة حاد، هذا الالتهاب يشفى قطعاً بحمية صارمة، فإن لم تتقيد بهذه الحمية الصارمة لابدّ من عمل جراحي، الأمر بيدك، تطبق حمية صارخة وصارمة تشفى من دون عمل جراحي، تتساهل، الأكل غالٍ عليك، لابدّ من عمل جراحي، كلام دقيق، وكأن الله عز وجل يقول لك: تتوب، تمتنع، تسلم، تتابع هذا الخطأ وهذا التجاوز لابدّ من تأديب، ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ إما بالحمية، أو بعمل جراحي، إما من دون ألم أو مع الألم،

(( عند البخاري من حديث أبي بكرة رضي الله عنه أنه قال: أثنى رَجُلٌ على رَجُلٍ عِندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: ويلَكَ، قَطَعتَ عُنُقَ أخيكَ-ثَلاثًا-مَن كان مِنكُم مادِحًا لا مَحالةَ فليَقُلْ: أحسِبُ فُلانًا، واللهُ حَسيبُه، ولا أُزَكِّي على اللهِ أحَدًا، إن كان يَعلَمُ. ))

[ صحيح البخاري ]

 

على كل إنسان أن يكون متأدباً في تقييم الأشخاص:


يبدو أنه لما سيدنا الصديق ولّى سيدنا عمر بعده، بعض الصحابة خافوا شدته، وقلقوا على مصيرهم مع سيدنا عمر، فجاؤوا وعاتبوا سيدنا الصديق، وكأنهم خوّفوه بالله عز وجل، اتقِ الله يا رجل هذا شديد جداً، فقال الصديق: تخوفونني بالله؟ والله لو أن الله سألني يوم القيامة لقلت: يا رب وليت عليهم أرحمهم، هذا علمي به فإن بدّل وغيّر فلا علم لي بالغيب.
أحياناً إنسان يسألك على شخص، والله أحسبه صالحاً، لكني لست ضامناً، هذا علمي به، لأنه قال سيدنا أبو بكر: فإن بدّل وغيّر فلا علم لي بالغيب، كن متأدباً في تقييم الأشخاص، أحسبه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً، هذه التي قالت لرسول الله وقد كان في زيارة أحد أصحابه وقد توفاه الله،

(( عَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ بَايَعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اقْتُسِمَ الْمُهَاجِرُونَ قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ، وَغُسِّلَ، وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ؟ فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ: أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي؟ قَالَتْ: فَوَ اللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا.))

[ صحيح البخاري ]

سماه العلماء: التألي على الله.
أيها الإخوة؛ قال له: ((قطعتَ عُنق صاحبك-ثلاثا-ثم قال: مَنْ كان منكم مادحاً أخاه لا محالةَ، فليقل: أَحْسِبُ فلاناً، واللهُ حسيبه، ولا يُزَكِّي على الله أحداً، أَحْسِبُ كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه)) .
 

الترضي على معنيين إما التقرير أو الدعاء:


أيها الإخوة؛ نحن نقول: رضي الله عنه، الحقيقة هذا الترضي على معنيين؛ إما على معنى التقرير، أو على معنى الدعاء، فإذا قلت عن صحابي جليل بشره الله بالجنة تقول: رضي الله عنه، أي لقد رضي الله عنه، فإذا رضي الله عنهم كيف أنت لا ترضى عن بعضهم؟ من أنت؟ إذا كان خالق السماوات والأرض في عليائه رضي عن كل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين بايعوه تحت الشجرة، من أنت حتى لا ترضى عنهم؟ هذه رضية تقريرية، أما إذا كان هناك عارف بالله، عالم جليل، إذا قلت: رضي الله عنه، هذه دعائية، هناك فرق، التقريرية شيء والدعائية شيء.
 

على الإنسان أن يكون قوياً ومتواضعاً في الوقت نفسه:


(( عن أبي هريرة رضي الله عنه: جلس جبريلُ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فنظر إلى السماءِ فإذا ملَكٌ ينزلُ فقال جبريلُ هذا الملكُ ما نزل منذ خُلِق قبلَ الساعةِ فلما نزل قال: يا محمدُ أرسَلَني إليك ربُّك أفملكًا نبيًّا أجعلَك أو عبدًا رسولًا؟ قال جبريلُ: تواضعْ لربِّك يا محمدُ قال: بل عبدًا رسولًا. ))

[ أخرجه أحمد: رجاله رجال الصحيح: مجمع الزوائد ]

أجوع يوماً فأذكره وأشبع يوماً فأشكره، الحقيقة التحليل دقيق، العبودية أقرب إليها أن تكون فقيراً أو ضعيفاً، أقرب إليها، أي بالمئة قوي قد ينجو عشرة، بالمئة ضعيف قد ينجو تسعون، أي إذا الإنسان ضعيف أقرب إلى الانكسار من القوي، فإذا الإنسان يستطيع أن يكون قوياً ومتواضعاً وثابتاً يكون قوياً، لأن القوي متاح له من الأعمال الصالحة ما لم يتح لغيره، بجرة قلم يحق حقاً، يبطل باطلاً، يزيل منكراً، يقرر معروفاً، بتوقيع، لأنه قوي، والغني كذلك، يحل مشكلات لا تُعد ولا تحصى، يُزوِّج شباباً، ينشئ معاهداً، ينشئ مستشفيات، فرص العمل الصالح أمام الغني واسعة جداً، وفرص العمل الصالح أمام القوي واسعة جداً، لكن مع القوة أحياناً هناك مزلق شعور بالقوة، شعور بالاعتداد، إذا شخص اقترب شعرة تسحقه، لأنك قوي، فيوجد مع القوة مزلق، ويوجد مع الغنى مزلق، فإذا كان الشخص واثقاً من نفسه يكون قوياً، مالاً أو سلطة، وإذا كان ليس واثقاً من نفسه الضعف أقرب إلى العبودية من القوة، ((يا محمدُ أرسَلَني إليك ربُّك أفملكًا نبيًّا أجعلَك أو عبدًا رسولًا؟ قال: بل عبدًا رسولًا)) .
أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يوماً فأشكره.
 

أعلى مقام يصل إليه الإنسان أن يكون عبد الله وعبد الله حرّ:


الله عز وجل ذكر عبودية النبي وهو في أعلى مرتبة في الأرض:

﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10)﴾

[ سورة النجم ]

أي أعلى مقام تصل إليه أن تكون عبد الله، وعبد الله حر، أعلى مقام تصل إليه وهو في سدرة المنتهى ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ سبحان الله! العبودية لله عز، العبودية لله فخر، تجد الأقوياء الذي يستنكفون عن عبادة الله، هم أمام من هو أقوى منهم منبطحون، خاضع ذليل لإنسان، وأنا أقول دائماً: إن لم تكن عبداً لله فأنت عبد لعبد لئيم، كن عبد الله فإن عبد الله حر.

العمل الصالح له مكافأة عند الله عز وجل ولو كان صغيراً:


الله سبحانه وتعالى يُحب إجابة الدعوات، تفريج الكربات، إغاثة اللهفات، مغفرة الزلات، تكفير السيئات، دفع البليات، فالمؤمن مع مؤمن متذلل، لكن مع غير المؤمن عزيز، مع ربه يُمَرِّغ جبهته في أعتاب الله، لكن مع غير المؤمن عنده عزة، لو وُزِّعت على أهل بلد لكفتهم، ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير، ولا ينبغي للمؤمن أن يُذِلّ نفسه.

اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت        فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت

[ ابن عطاء الله السكندري ]

* * *

أيها الإخوة؛ قال عليه الصلاة والسلام:

(( عن أبي مسعود عقبة بن عمرو: حُوسِبَ رجلٌ ممن كان قبلكم، فلم يوجدْ له من الخير شيءٌ إلا أنه كان رجلًا مُوسِرًا، وكان يخالطُ الناسَ، وكان يأمر غِلمانَه أن يتجاوزوا عن المعسِر، فقال اللهُ عزَّ وجلَّ لملائكتِه: نحن أَحَقُّ بذلك منه تجاوَزوا عنه. ))

[ صحيح البخاري ]

أي عمل صالح على الإطلاق عند الله له مكافأة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور