وضع داكن
22-08-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 074 أ - اسم الله الحفيظ 1
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
 

من أسماء الله الحسنى الحفيظ:


أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الحفيظ، وقد ورد هذا الاسم في قوله تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21)﴾

[ سورة سبأ ]

وفي قوله تعالى عن هود عليه السلام:

﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57)﴾

[ سورة هود ]

وقد ورد أيضاً هذا الاسم مقيداً، الاسم كما تعلمون يَرِد مطلقاً أو مقيداً، ورد مقيداً في قوله تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6)﴾

[ سورة الشورى ]

ولم يَرِد هذا الاسم في السنة.

معاني اسم الحفيظ في اللغة:


أما من حيث اللغة فالحفيظ في اللغة صيغة مبالغة من اسم الفاعل الحافظ، الحافظ اسم فاعل، صيغة المبالغة منه الحفيظ، الفعل حَفِظ، يحفظ، حفظاً.
الآن حفظ الشيء صيانته من التلف والضياع، ويستعمل الحفظ في العلم على معنى الضبط، وعدم النسيان، أو تعاهد الشيء وقلة الغفلة عنه، رجل حافظ، وقوم حُفّاظ هم الذين رزقوا حفظ ما سمعوا وقلّما ينسون شيئاً.
بالمناسبة الذكاء شيء، والذاكرة القوية شيء آخر، لكن بينهما منطقة مشتركة، أي كل ذكي لابدّ من ذاكرة تُعينه في استرجاع الحقائق، وكل من يملك ذاكرة قوية على شيء من الذكاء، أما الذكاء شيء في النهاية، وصاحب الذاكرة القوية شيء آخر.
والحافظ والحفيظ أيضاً هو الموكل بالشيء يحفظه، ومن ذلك الحفظة من الملائكة كما في قوله تعالى:

﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11)﴾

[ سورة الرعد ]

المؤمن ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ، ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ وقف، ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي الله عز وجل كرّم المؤمن بأنه أوكل ملائكة ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ المؤمن محفوظ، الملائكة الحفظة الذين يُحصون الأعمال، ويكتبونها على بني آدم كما قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)﴾

[ سورة الانفطار ]

ويقال: حَفِظ المال والسِّر حفظاً رعاه وصانه، واحتفظ بالشيء بنفسه أي خصها به، والتحفظ قلة الغفلة في الأمور والكلام، هذا ما يتعلق بمصدر الحفظ في اللغة.
 

الحفيظ من أقرب الأسماء للمؤمن من معانيها:

 

1 ـ الحفيظ سبحانه وتعالى هو العليم والمهيمن:

أما أن الله سبحانه وتعالى هو الحفيظ أيها الإخوة؛ هذا الاسم من أقرب الأسماء للمؤمن، أما الحفيظ سبحانه وتعالى هو العليم، المهيمن، لن تكون مهيمناً إلا إذا كنت عليماً، العليم، المهيمن، لا تغيب عنه شاردة ولا واردة.

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)﴾

[ سورة غافر ]

لا تخفى عليه خافية، الحفيظ هو العليم والمهيمن، هو الرقيب على خلقه، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)﴾

[ سورة النساء ]

﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾

[ سورة الفجر ]

من لوازم أنه حفيظ يعلم كل شيء، لا يغيب عنه شيء، العليم، المهيمن، الرقيب على خلقه، لا يعزب عنه مثقال ذرة في ملكه. 

2 ـ الحفيظ هو الذي يحفظ أعمال المكلفين:

الآن والحفيظ هو الذي يحفظ أعمال المكلفين، أعمالك محفوظة عنده، حركاتك وسكناتك محفوظة عنده، والذي شرّف بحفظها ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ*يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ يدونون على العباد القول، أقوالهم، وخطراتهم، وحركاتهم، وسكناتهم، الآية الكريمة:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216)﴾

[ سورة الشعراء ]

دققوا الآن: 

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218)﴾

[ سورة الشعراء ]

حركاتك، وسكناتك، وخطراتك، وكل جزئيات حياتك محفوظة عند الله عز وجل. 

3ـ الحفيظ يحفظ على عباده أسماعهم وأبصارهم وجلودهم:

الحفيظ بمعنى ثالث يحفظ على عباده أسماعهم، وأبصارهم، وجلودهم، يحفظ لهم أسماعهم، وأبصارهم، وجلودهم، لماذا؟ قال: لتشهد عليهم يوم اللقاء.

﴿ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20)﴾

[ سورة فصلت ]  

4ـ الحفيظ يحفظ من يشاء من الشر والأذى والبلاء:

أيها الإخوة؛ والحفيظ بمعنى رابع هو يحفظ من يشاء من الشر، والأذى، والبلاء، أرأيت إلى هذا الاسم؟ يتصل بحياتنا اتصالاً وثيقاً. 

5 ـ الحفيظ هو الذي يحفظ أهل الإيمان والتوحيد ويعصمهم من الهوى وشبهات الشيطان:

الحفيظ هو الذي يحفظ أهل الإيمان والتوحيد، ويعصمهم من الهوى وشبهات الشيطان، ويحول بين المرء وقلبه من الوقوع في العصيان.

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)﴾

[ سورة الفاتحة ]

لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول عن معصيته إلا به، ولا قوة على طاعته إلا به، يحفظ أهل التوحيد والإيمان، ويعصمهم من الهوى، وشبهات الشيطان، ويحول بين المرء وقلبه من الوقوع في العصيان.

 6 ـ الحفيظ هو الذي يهيئ الأسباب التي تعينك على الطاعة والإيمان:

الآن: والحفيظ هو الذي يهيئ الأسباب بتوفيقه إلى الطاعة والإيمان، يحفظك من الوقوع في العصيان، ويمدك بالأسباب التي تعينك على الطاعة والإيمان،

(( ثبت من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول: اللهم احفظني بالإسلام قائماً، واحفظني بالإسلام قاعداً، واحفظني بالإسلام راقداً، ولا تشمت بي عدواً حاسداً، اللهم إني أسألك من كل خير خزائنه بيدك، وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك. ))

[ أخرجه الطبراني: حسن ]

 

الشر المطلق يتناقض مع وجود الله فالله تعالى يوظف الشر النسبي للخير المطلق:


لكن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

(( عن علي بن أبي طالب: والخيرُ بيديكَ والشرُّ ليس إليكَ. ))

[ صحيح أبو داود  ]

كلام دقيق، أي الشر نسبي، ليس هناك شر مطلق، الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، هناك خير مطلق، وهناك شر نسبي، أي هذه المصيبة بالنسبة إليك تُعَدّ شراً، لكنها بالنسبة إلى مآلك ومستقبل حياتك تُعدّ خيراً، لذلك الله عز وجل يوظف الشر النسبي للخير المطلق، ((والشَّرُّ لَيسَ إليكَ)) للتوضيح: مركبة من أحدث المركبات، ساقها صاحبها وهو ثمل، شرب الخمر وساقها، نزل في الوادي، تحطمت، هذا المنظر المشوه للمركبة هل يحتاج إلى صانع؟ لا، الصانع أخرجها من معمله كاملة، أما حينما أسيء استخدامها وتحطمت نقول: هذا الشر ناتج من مخالفة التعليمات، ((والشَّرُّ لَيسَ إليكَ)) الشر سلبي، الشر ناتج عن إنسان أعطاه الله حرية الإرادة، أعطاه الشهوات ولم يتحرك وفق منهج الله، لو تحرك وفق منهج الله لما كان شراً إطلاقاً، فالشر ناتج من كائن أودع الله فيه الشهوات، ومعه حرية الاختيار، وتحرك من غير ضابط من منهج الله، لذلك قال تعالى: 

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)﴾

[ سورة القصص ]

 

الشر المطلق لا وجود له في الكون:


إذاً الشر نسبي ((والشَّرُّ لَيسَ إليكَ)) بينما الشر المطلق لا وجود له في الكون، بل الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، الشر ناتج عن سوء الاستعمال، الملح مادة مهمة جداً، إذا وضعت في الحلويات لا تأكلها، صارت الحلويات لا تؤكل، الأصل الملح مادة مفيدة، والسكر مادة مفيدة، والمواد التي صُنِعت منها الحلويات مواد مفيدة، أما حينما أسيء استخدام الملح وضِع في الحلويات هذا هو الشر النسبي، ناتج من سوء الاستعمال، والسكر مادة مفيدة، والمسحوق الأبيض للتنظيف مادة مفيدة، إن وُضِعت في الطعام الطعام لا يؤكل، فالشر سلبي لا يحتاج إلى صانع، يحتاج إلى إنسان مخير تحرك بقوة شهوته من دون ضابط من شرع، والدليل الواضح: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ معنى ذلك الذي يتبع هواه وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليه. 

7 ـ الحفيظ هو الذي حفظ السماوات والأرض بقدرته:

الآن والحفيظ أيضاً هو الذي حفِظ السماوات والأرض بقدرته، قال تعالى:

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)﴾

[ سورة البقرة ]

فالله حفيظ لمخلوقاته أي أنه يبقيها على حالها، لغاياتها، ويُنظِّم ترابط العلل بالمعلولات، هذه قوانين، هناك علة، وهناك معلول، أي هناك سبب، وهناك نتيجة، من نظّم علاقة الأسباب بالنتائج؟ هو الله عز وجل، أي الله تفضّل علينا بمليارات القوانين، قوانين ثابتة، هذه القوانين الثابتة تُنظم الحياة، أنت أمام قوانين، والقانون يعطيك قدرة على التنبؤ، الآن يوجد فواصل تمدد، التمدد قانون، أثناء البناء تراعي هذا القانون فالبناء لا يتصدع، لو لم يكن هناك قوانين الحياة لا تُعاش، تصبح الحياة شاقة جداً، كل شيء له قانون.
إذاً الحفيظ يبقي مخلوقاته على حالها، لغاياتها، وينظم ترابط العلل بمعلولاتها، وهو سبحانه وتعالى يحفظ الأشياء بذواتها وصفاتها.
 

الله تعالى هو الحافظ للسماوات والأرض والموجودات:


الإمام الغزالي رحمه الله تعالى ذكر أن الحافظ على وجهين، أي الحفظ الإلهي على وجهين؛ الوجه الأول إدامة وجود الموجودات، وإبقائها، ويضاده الإعدام، الشيء الموجود أي محفوظ، الحفظ أي البقاء، الله عز وجل أبقى الشمس شمساً، والقمر قمراً، والنجوم نجوماً، أبقى الماء ماءً، والهواء هواءً، أبقى المعادن معادن، أعطاها الخواص، خواصها ثابتة، والله تعالى هو الحافظ للسماوات والأرض والملائكة والموجودات التي يطول أمدُها والتي لا يطول.
هناك شيء يقول لك: القمح مثلاً وُجِد في الأهرامات من ستة آلاف عام فلما زُرع نبت، وبالقمح يوجد رشيم، والرشيم كائن حي، معنى هذا الكائن الحي عاش ستة آلاف عام، هناك أشياء يُمِدّ لها في العمر، هناك أشياء عمرها سريع، جسمك أقصر خلية عمرها ثمان وأربعون ساعة خلايا زغابات الأمعاء، تتجدد كل ثمان وأربعين ساعة، وأطول خلية بالإنسان عمرها خمس سنوات، الخلية العظمية، أي أنت أيها الإنسان تتجدد كلياً كل خمس سنوات، عدا خلايا الدماغ وخلايا القلب.
كل المعلومات والأفكار والخبرات والمهارات والذواكر بالدماغ، لو أنها تبدلت يفقد الإنسان كل اختصاصه، يقول لك: أنا كنت طبيباً، كنت، فالدماغ ثابت، وجميع المشاعر والأذواق في القلب، وتبديل القلب فيه مشكلة كبيرة جداً، مشاعر القلب صاحب القلب الأول تتأتى للذي زُرع هذا القلب له.
 

الحفظ الإلهي على وجهين:


 1 ـ إدامة وجود الموجودات وإبقاؤها:

أول وجه من وجوه الحفظ إدامة وجود الموجودات وإبقاؤها، وهذا يعاكسه الإعدام، والله تعالى هو الحافظ للسماوات والأرض، والملائكة والموجودات التي يطول أمد بقائها، والتي لا يطول. 

2 ـ الحفظ صيانة للمتقابلات والمتضادات بعضها عن بعض:

الوجه الثاني للحفظ أن الحفظ صيانة للمتقابلات والمتضادات بعضها عن بعض، الآن الماء يطفِئ النار، فالماء والنار متضادان، والنار تُحيل الماء بخاراً، والماء والنار أيضاً متضادان، ما الذي يحفظ للماء وجوده وللنار وجودها؟ هو الله عز وجل، هما يتعاديان ويتناقضان.
أيها الإخوة؛ وقد جمع الله عز وجل بين هذه المتضادات المتنازعة، في سائر العناصر والمركبات، وسائر الأحياء كالإنسان، والحيوان، والنبات.
الآن ارتباط العلل بمعلولاتها، أي الأسباب بنتائجها ارتباط من خلق الله عز وجل، لولا هذا الارتباط لتنافرت، وتباعدت، وبطل امتزاجها، واضمحلّ تركيبها.
 

الحفظ الحقيقي الذي يسعى إليه كل إنسان لا يكون بجهده ولكن يكون بحفظ الله له:


الآن لو دخلنا في موضوع يمسنا كثيراً، كل إنسان وصل لمنصب يحافظ عليه، بل إن أربعة أخماس وقته وجهده للحفاظ على هذا المنصب، كل إنسان وصل إلى مكتسب يحافظ عليه، وصل إلى ثروة يحافظ عليها، وصل إلى مركز يحافظ عليه، فالحفاظ على الشيء من طباع الإنسان، لكن الحفظ الحقيقي الذي تسعى إليه جاهداً لا يكون بجهدك، ولكن يكون بحفظ الله لك، والله عز وجل قال:

﴿ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)﴾

[ سورة يوسف ]

أي جميع الأسباب التي تتخذها للحفاظ على مالك قد لا تُفلح، أما يفلح في حفظ المال أن تؤدي زكاته، ما تلف مال في بر أو بحر إلا بحبس الزكاة.
 

بطولة الإنسان لا أن يتخذ الأسباب المادية لحفظ ما هو فيه بل يتخذ الأسباب التشريعية:


الآن البطولة لا أن تتخذ الأسباب المادية لحفظ ما أنت فيه، اتّخذ الأسباب التشريعية لحفظ ما أنت فيه، أي مع الله لا يوجد ذكي،

(( عن أبي سعيد الخدري: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا رفَع رأسَه منَ الرُّكوعِ قال ربَّنا لكَ الحمدُ مِلءَ السماواتِ ومِلءَ الأرضِ ومِلءَ ما شِئتَ من شيءٍ بعدُ أهلَ الثَّناءِ والمجدِ حَقُّ ما قال العبدُ كلُّنا لكَ عبدٌ اللهمَّ لا مانِعَ لمِا أعطَيتَ ولا مُعطِيَ لمِا منَعتَ ولا يَنفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ.  ))

[ مسلم: صحيح أو حسن ]

ويؤتى الحذر من مأمنه، والله عز وجل له أفعال عجيبة، حتى إن بعضهم قال: عرفت الله من نقض العزائم، جميع الجهود الجبارة التي تُبذل من أجل الحفاظ على الشيء قد لا تجدي، لا يجدي إلا أن يحفظك الله، ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ .
 

على الإنسان أن يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء:


أنا لا أرفض أن آخذ بالأسباب، خذ الأسباب، لكن البطولة أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذه البطولة، البطولة أن أراجع مركبتي مراجعة تامة قبل السفر، أراجع كل شيء فيها، وبعد هذه المراجعة التامة أتوجه إلى الله عز وجل وأقول له: يا رب أنت الحافظ، أنت المُوَفِّق، أنت المُسَلِّم، أدرس دراسة متقنة جداً، وقبل الامتحان أقول له: يا رب أنت الموفق، أنت المُعين على النجاح، من السهولة بمكان أن تأخذ بالأسباب وأن تنسى الله عز وجل، ومن السهولة أيضاً أن تكون كسائر المسلمين لا يأخذون بالأسباب إطلاقاً، يقول لك: الله المُوفق، هذا موقف غير صحيح وغير علمي، ينبغي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
بل إن السلوك الصحيح طريق عن يمينه وادٍ سحيق، وعن يساره واد سحيق، إن أخذت بالأسباب واعتمدت عليها، ونسيت الله عز وجل، أو ألهتها كالغرب وقعت في وادي الشرك، وإن لم تأخذ بها كالشرقيين، وتواكلت على الله تواكلاً ساذجاً وقعت في وادي المعصية، الصواب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذا الدرس البليغ يحتاجه المسلمون،

(( عن عوف بن مالك الأشجعي: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قضَى بينَ رجُلَيْنِ فقالَ المقضيُّ عليهِ لما أدبرَ: حسبيَ اللَّهُ ونعمَ الوَكيلُ. فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: ردُّوا عليَّ الرَّجلَ. فقالَ: ما قلتَ؟ قالَ: قلتُ: حسبيَ اللَّهُ ونعمَ الوَكيلُ. فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: إنَّ اللَّهَ يلومُ علَى العجزِ، ولَكِن عليكَ بالكَيسِ، فإذا غلبَكَ أمرٌ فقُلْ: حسبيَ اللَّهُ ونعمَ الوَكيلُ. ))

[ صحيح أبو داود ]

تستسلم، تقول: ما بيدنا شيء، انتهينا، المصير بيد الله عز وجل وأنت لا تعمل، هذا موقف انهزامي، موقف بعيد عن الموقف الصحيح اعتقاداً، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ((إِن الله يَلُومُ على العَجْز، ولكن عليكَ بالكَيْس، فإِذا غَلَبَك أَمر فقل: حَسبيَ الله ونعم الوكيل)) أنت تأخذ بالأسباب، أما حينما يُحال بينك وبين النتائج عندئذٍ لك أن تقول: ((حَسبيَ الله ونعم الوكيل)) إذاً الحفاظ على الشيء لا يقل عن تحصيله، والحفظ الحقيقي يكون بأخذ الأسباب والتوكل على رب الأرباب، ((ولا ينفعُ ذَا الجَدِّ منك الجَدُّ)) مع الله لا يوجد ذكي، يوجد مستقيم، المستقيم يحفظه الله عز وجل، أما الذكي يؤتى من مأمنه، يؤتى من جهة ليست متوقعة.
 

حفظ الله عز وجل للإنسان يكون بطاعته والاستقامة على أمره:


كما تعلمون أيها الإخوة؛ الإنسان مُعَرض لأخطار لا تنتهي، مهما أخذ الإنسان بأسباب الحفظ فقد يؤتى الحذر من مأمنه، والنبي عليه الصلاة والسلام علّمنا أن نأخذ بالأسباب، اعقل وتوكل.
يوجد طبيب في أمريكا رفع راية الجري، والجري مفيد جداً للقلب، لكنه قال: إن الذي يجري لا يُصاب بآفة قلبية إطلاقاً، وله مقالات، وندوات، وكتب، وهو يجري في اليوم عشرين كيلو متر، عمره بين الأربعين والخمسين، مات وهو يجري، لا لأن الجري خطأ، الجري صواب، ولكن لأنه ألّه الجري ونسي الله عز وجل، يؤتى الحَذِر من مأمنه، يوجد آلاف القصص حول ذلك، ورد في الأثر القدسي أن الله عز وجل يخاطب بعض عباده يوم القيامة، يقول: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ يقول: يا رب! لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، يقول الله له: ألم تعلم بأني أنا الرزّاق ذو القوة المتين؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، يقول لعبد آخر: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ يقول: يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين، لثقتي بأنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين، فيقول الله له: أنا الحافظ لأولادك من بعدك.
أيها الإخوة؛ قضية الحفظ شيء يهم كل مؤمن، حفظ الله هو المُنجي، هو الحقيقي، أما إذا أخذت الأسباب للحفظ لا يوجد مانع، بل لابدّ من أن تأخذها، لكن إياك أن تنسى الله عز وجل، لو نسيت الله عز وجل يُؤتى الحَذِر من مأمنه، ((ولا ينفعُ ذَا الجَدِّ منك الجَدُّ)) واسم الحفيظ من أقرب الأسماء إلى الإنسان، الله عز وجل يحفظ له صحته، يحفظ له ماله، يحفظ له أهله، يحفظ له إيمانه، وهذا الحفظ له ثمن هو طاعة الله عز وجل.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور