الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى الحليم:
أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الحليم.
ورود اسم الحليم في القرآن الكريم مقترناً بأسماء أخرى وروده في السنة الشريفة:
هذا الاسم ورد في آيات كثيرة مقترناً باسم الغفور كما في قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101)﴾
وقد ورد أيضاً مقترناً باسم الغني في قوله تعالى:
﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263)﴾
واقترن أيضاً باسم الشكور في قوله تعالى:
﴿ إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17)﴾
واقترن أيضاً باسم العليم كما في قوله تعالى:
﴿ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (51)﴾
هذا في القرآن الكريم فماذا في السنة الصحيحة؟ ورد في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنه ورضي الله عنهما قال: كان عليه الصلاة والسلام يدعو عند الكرب، وما أكثر الأحوال التي يعاني منها المسلمون من الكرب قال:
(( عن عبد الله بن عباس أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كانَ يقولُ عِنْدَ الكَرْبِ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ ورَبُّ الأرْضِ، ورَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ.))
هذا فيما ورد في الكتاب والسنة.
المعنى اللغوي لكلمة الحليم:
أما المعنى اللغوي لكلمة الحليم، الحليم في اللغة صفة مشبهة باسم الفاعل، لمن اتذصف بالحلم، الذي يتصف بالحلم يسمى حليماً، والفعل حلِم، يحلِم، حلماً، يحلُمُ معنى آخر، حُلُماً معنى آخر، حَلِم، يحلِم، حلماً، صفة الحِلم تعني الأناة، فيك يا فلان خصلتان يحبهما الله ورسوله؛ الأناةُ الهدوء، وحسن الخلق، الحِلم يعني الأناة، ومعالجة الأمور بصبر، وعلم، وحكمة، أن تعالج مشكلة بصبر، بهدوء، بعلم، بحكمة فأنت حليم.
ويقابل الحِلم العجلة المُفسدة لأمور الدين والدنيا، ولا يفوتني أن أقول لكم: إن معالجة المسلمين في هذا العصر لبعض المشكلات التي تحيط بهم تعالج معالجة متعجلة، هذه المعالجة المتعجلة تسبب لنا متاعب لا تنتهي، الطرف الآخر أعداؤنا يفكرون بعقولهم ويخططون بهدوء، ونحن نثور ونضطرب، وفي النهاية لا نحقق شيئاً، بل يزداد ما بيننا وبين الطرف الآخر من اتساع ومن تباعد، فالعجلة مُفسدة في أمور الدين والدنيا.
الحليم هو الذي يرغب بالعفو ولا يسارع بالعقوبة:
الحليم هو الذي يرغب بالعفو، ولا يسارع بالعقوبة، قال تعالى في وصف سيدنا إبراهيم:
﴿ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114)﴾
يُثني الله عليه، يدخل في معنى الحلم بلوغ الصبي الحُلُم، أي يبلغ الصبي مبلغ الرجال الحكماء العقلاء، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59)﴾
صار عاقلاً، راشداً، أما قوله تعالى:
﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)﴾
أي لديه أناة، وبصيرة، وحكمة من صغره، هذا ما في اللغة من معانٍ دقيقة حول كلمة الحليم.
الله عز وجل حليم يمهل عباده ليزدادوا في الطاعة والثواب:
أما الله جلّ جلاله إذا وُصِفَ بالحلم فهو حليم، أي الصبور على عباده، المُتّصف بالحلم، يتمهل ولا يتعجل، وهو العاطي لا يَسأل، وهو الحليم لا يَعجل، بل يتجاوز عن الزلات، ويعفو عن السيئات، فهو سبحانه وتعالى يُمهل عباده الطائعين ليزدادوا في الطاعة والثواب، ويمهل عباده العاصين لعلهم يرجعون إلى الطاعة والصواب، ولو أنه عجّل لعباده الجزاء ما نجا من العقاب أحد، ولكن الله جلّ جلاله هو الحليم ذو الصفح والأناة، استخلف الإنسان في أرضه، واسترعاه في ملكه، واستبقاه إلى يوم موعود وأجل محدود، فأجّل بحلمه عقاب الكافرين، وعجّل بفضله ثواب المؤمنين.
الخلاصة أن الحليم الذي لا يُعجِّل بالعقوبة والانتقام، ولا يحبس عن عباده بذنوبهم الفضل والإنعام، بل يرزق العاصي كما يرزق المطيع، وإن كان بينهما تفاضل على مقتضى الحكمة، أي ورد في بعض الآثار القدسية أن عبدي خلقت لك السماوات والأرض ولم أعيَ بخلقهن، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين؟ لي عليك فريضة، ولك عليّ رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، الكفار يأكلون أطيب الطعام، ويشربون، ويتمتعون، ويسكنون البيوت الفخمة، يركبون المركبات الفارهة، يتزوجون أجمل النساء، ويتبجحون، ويتطاولون، ويتكبرون، والله يرزقهم.
الخاسر من أتته الدنيا من أوسع أبوابها وغفل عنها وعن الآخرة:
أيها الإخوة؛ عبدي لي عليك فريضة، ولك عليّ رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد.
أيها الإخوة؛ هذا الأثر القدسي يبين أن الله سبحانه وتعالى قد يعاقب إنساناً بأن تأتيه الدنيا من أوسع أبوابها، وهو غافل عنه، ويأتي الموت فجأة كصاعقة ينهد لها.
﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24)﴾
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)﴾
من غضب غابت عنه الحقائق وارتكب الحماقات:
أيها الإخوة؛ كلكم يعلم أن من أسماء الله الحسنى ما لا يجوز أن يسمى الإنسان بهذا الاسم، كاسم الخالق:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3)﴾
لكن اسم العليم، اسم الحكيم، اسم الحليم يجوز أن يوصف إنسان بأنه حليم.
بالمناسبة الحلم سيد الأخلاق، وكاد الحليم أن يكون نبياً، ولأن الحليم حليم قراره صحيح، هادئ، والإنسان حينما يغضب لا يرى الحقائق، يرتكب حماقات لا يرتكبها الصغار، لذلك في بعض الأحاديث الشريفة:
(( عن أبي هريرة: لا تَغْضَبْ. ))
الإنسان إذا غضب غابت عنه الحقائق، وارتكب حماقات يندم عليها أشدّ الندم، فكاد الحليم أن يكون نبياً، يروي التاريخ أن سيدنا معاوية جاءته رسالة من إنسان، أما الرسالة قاسية جداً فيها تهجم، أما بعد: فيا معاوية، باسمه، من دون لقب الخلافة، أما بعد: فيا معاوية، إن رجالك قد دخلوا أرضي فانههم عن ذلك، وإلا كان لي ولك شأن، والسلام، هذه الرسالة تُخرج الإنسان من جلده، إلى جانبه ابنه يزيد، أطلعه عليها، قال له: ماذا نفعل؟ فقال له يزيد: أرى أن ترسل له جيشاً، أوله عنده، وآخره عندك يأتوك برأسه، غلى، فقال له والده: لا يا بني غير هذا أفضل، جاء بالكاتب، قال له: اكتب، أما بعد: فقد وقفت على كتاب ولد حواري رسول الله، سيدنا ابن الزبير، ولقد ساءني ما ساءه، والدنيا كلها هينة جنب رضاه، لقد نزلت له عن الأرض ومن فيها، بعد حين جاء الجواب أما بعد: فيا أمير المؤمنين، أطال الله بقاءك، ولا أعدمك الرأي الذي أحلك من قومك هذا المحل، استدعى ابنه يزيد، قال له: اقرأ، يا بني من عفا ساد، ومن حلُم عظُم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب.
كاد الحليم أن يكون نبياً، الحلم سيد الأخلاق، الأب يحتاج إلى أن يكون حليماً، هدئ نفسك، الأمر عالجه بأناة، وصبر، وعلم، وحكمة، لا تتعجل، لا تأخذ الأمر بعصبية كبيرة، خذه بحلم وهدوء، ويحتاج الإنسان إلى هذه الصفة ولاسيما في الأيام العصيبة، في أيام الكوارث، في أيام القهر، في أيام الظلم، في أيام الفقر أحياناً.
﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45)﴾
﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي الله عز وجل يرزق عباده، ويكفرون، ويتطاولون، ويتبجحون، ويستكبرون، ويظلمون، وهو حليم عليهم.
الله سبحانه وتعالى حليم يؤخر العقاب كي يعطي المقصر فرصة ليصحح تقصيره:
الآن من المعاني التفصيلية لاسم الحليم أن الله سبحانه وتعالى يُؤَخّر العقوبة، السؤال: لماذا يؤخرها؟ لو أنه ألغى العقوبة هذا ما يعنيه اسم العفو والغفور، إلغاء العقوبة عفو غفور، أما تأخير العقوبة حليم، هناك فرق، التأخير حلم، إلغاء العقوبة مغفرة وعفو.
أيها الإخوة؛ لو أن الله سبحانه وتعالى عجّل العقاب لكل مذنب هذا ليس حلماً، عندئذٍ لا يكون حليماً، لأنه حليم يؤخر، ولو أن الله أجّل العقاب، ويريد بهذا التأجيل أن يوقع بهذا الإنسان أشدّ العقاب، هذا ليس حلماً، هذا حقد، الحاقد يضبط أعصابه، ويخطط لإنزال أشدّ العقاب بهذا الإنسان، نقول: هذا إنسان حاقد، أما الله عز وجل يؤخر العقاب لا ليوقع بهذا الإنسان أشدّ العقاب، ولكن ليعطي هذا الإنسان فرصة لعله يرجع، لعله يتوب، لعله يستغفر، لعله يندم، التأخير لا يُعَدّ حقداً، يُعد إمهالاً، إعطاء فرصة لهذا الإنسان لعله يرجع إلى الله.
أحياناً الإنسان يحقد لأنه ضعيف، يكتم الألم، وأحياناً يحقد لأنه قوي، الضعيف يحقد، والقوي يحقد، ولكن الحقد شيء، والحلم شيء آخر، أي يؤخر العقاب لعله يرجع، لعله يندم، لعله يستغفر، لعله، لعله، ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ .
أيها الإخوة؛ يجب أن يتوضح الأمر، أحياناً المثل يوضح: أسسنا مدرسة نموذجية فيها أقوى المدرسين، فيها أفضل المناهج، أحسن الكتب، فيها مرافق راقية جداً، مكتبات، قاعات تدريس، مخابر، فيها كل شيء، لو أن المدير هدفه تنفيذ القانون بشكل حرفي كل طالب غاب أسبوعين يُفصل نهائياً، المدير الحكيم، الرحيم، الحليم أحياناً يتغافل عن غياب طالب، أحياناً يؤخر العقاب، أحياناً يستدعي والده، ائتِ بتقرير طبي لئلا يُفصل ابنك من المدرسة، أحياناً لا يطلب الدوام، هذه كلها محاولات لإعطاء الطلاب المتغيبين فرصة أن يعودوا عن تقصيرهم، ليس الهدف إيقاع العقاب بالطلاب، الهدف نشر الخير، والعلم، والمبادئ، والقيم، وتخريج قادة لهذه الأمة، فالمدير الحكيم الحليم لا يتخذ الأخطاء التي يرتكبها الطلاب مُبرراً لفصلهم وإنهائهم، هذا معنى الحليم، يؤخر ليعطي المُقصّر فرصة ليصحح تقصيره.
الله عز وجل خلق عباده لجنة عرضها السماوات والأرض:
الآن أيها الإخوة؛ هناك آية دقيقة جداً:
﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129)﴾
أي ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاماً، الآية دقيقة جداً، أي لولا أن الله خلق عباده ليرحمهم، لولا أن الله خلق عباده ليسعدهم، لولا أن الله خلق عباده لجنة عرضها السماوات والأرض، لولا أن الله خلق عباده ليتوبوا إليه فيقبل توبتهم، لولا أن الله خلق عباده ليستغفروه فيغفر لهم، لولا أن الله خلق عباده ليسألوه فيعطيهم، لولا أن الله خلق عباده ليرجعوا عن ذنوبهم فيقبلهم، لعجل عليهم العقاب، ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ﴾ أي:
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)﴾
خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسعدهم، خلقهم لجنة عرضها السماوات والأرض، خلقهم ليوفقهم، الإنسان الجاهل، يقول لك: سبحان الله! الله خلقنا للعذاب، أيضاً يسبح الله، هذا كلام غير صحيح، خلقنا للنعيم، خلقنا للسعادة، خلقنا ليرحمنا، خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض، كطالب أحمق ضربه الأستاذ مرة فقال: إنما أُنشئت هذه المدرسة كي نُضرب، لا، أُنشئت كي تكون عالماً، كي تكون مربّى، مهذباً، لكن هناك أحوال قاهرة.
أوضح مثل المركبة، السيارة، ما علة صنعها؟ علة صنعها أن تمشي، أن تسير، اسمها سيارة، ولماذا وُضِع فيها المكبح؟ المكبح يتناقض مع علة صنعها، هي صُنِعت كي تسير، وفيها مكبح، كما أن علة صنع السيارة أن تسير، والمكبح يتناقض مع علة صنعها.
السعادة والرحمة علة خلق الإنسان:
كذلك علة خلق الإنسان أن يسعده، وأن يرحمه، وأن يهبه جنة عرضها السماوات والأرض، ولكن تقتضي الحكمة أحياناً أن يوقفه عند حدّه، أن يعاقبه، أن يردعه، أن يربيه، فالذي يقول: خلقنا للعذاب، إنسان جاهل.
أوضح مثل عندما الطفل يجلس على كرسي طبيب الأسنان، لا يحتمل، يبكي، يصرخ، يمسك يد الطبيب، يتحرك حركة غير صحيحة، أما الكبير يتألم أشدّ الألم، لكن ساكت لأنه يعلم أن هذا الألم لصالحه، لذلك: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً﴾ عقابهم، ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً﴾ إنزال العقاب بهم، لكن هذه الكلمة هي الرحمة، هي الإحسان، هذه الكلمة اقتضت أن يُؤخر الله عقابهم لعلهم يرجعون، لعلهم يندمون، لعلهم يراجعون أنفسهم.
الله سبحانه وتعالى حليم لا يوقع العقاب بالعاصي فوراً بل يؤخره لحكمة منه:
أيها الإخوة؛ اسم الحليم إذاً أن الله سبحانه وتعالى لا يوقع العقاب فوراً، بل ما من مسلم إلا وهو يعلم لماذا كان صلح الحديبية، هذا كان بحسب الظاهر صلح مهين للصحابة، والصحابة الكرام تألموا أشدّ الألم، بل قال أحدهم وهو عمر: يا رسول الله، علامَ نعطي الدنية في ديننا؟ ألسنا أقوياء؟ ألسنا على حق؟ جاء الرد الإلهي:
﴿ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (25)﴾
في قريش أخفوا إيمانهم، وهم معكم بقلوبهم، لم يستطيعوا إعلان إسلامهم، ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ألزم نبيه بقبول شروط مهينة، والنبي علم حكمة الله عز وجل فنفذ أمره، لكن الصحابة أو بعض الصحابة غابت عنهم هذه الحكمة فضجروا، وتألموا أشدّ الألم، علامَ نعطي الدنية في ديننا؟ صلح الحديبية أكبر مثل لحلم الله عز وجل، هؤلاء الذين آمنوا في قريش، وهم في قلوبهم مع المؤمنين، ولم يستطيعوا إعلان إسلامهم، أخّر عمرة النبي مع أصحابه من أجل سلامة هؤلاء الذين آمنوا، وأخفوا إيمانهم عن قريش.
أيها الإخوة؛ ورد في الأثر القدسي: إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويُعبد غيري، حليم الله عز وجل، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر شيء إليّ، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أُقَنّطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا-الله حليم-فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها.
الملف مدقق