وضع داكن
07-03-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 064 ب - اسم الله الحليم 2
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  تعاريف اسم الحليم:


أيها الإخوة الكرام؛ لا زلنا في اسم الحليم، والله سبحانه وتعالى حليم، والحليم من كان صفّاحاً عن الذنوب، ستّاراً للعيوب، من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام: اللهم لا تقطعنا بقواطع الذنوب، ولا بقبائح العيوب، الذنوب والعيوب تحجب عن الله عز وجل، فالحليم من كان صفّاحاً عن الذنوب، ستّاراً للعيوب، والحليم الذي غفر بعدما ستر، والحليم يحفظ الود، ويُحسِن العهد، ويُنجز الوعد، والحليم يُسبل سِتره على العصاة، ويسحب ذيل عفوه على الفجّار، والحليم هو الذي لا يستخفه عاصٍ، ولا يستفزه طغيان طاغٍ.
 

من رحمة الله وحلمه تأخير عقوبة الإنسان:


أيها الإخوة؛ عمير بن وهب التقى بصفوان بن أمية في الفلاة، قال: يا صفوان لولا ديون لزمتني ما أُطيق سدادها، ولولا أولاد صغار أخشى عليهم العنت من بعدي لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه، انتهزها صفوان وقال له: أما أولادك فهم أولادي ما امتدّ بهم العمر، وأما ديونك فهي عليّ بلغت ما بلغت، فامضِ لما أردت، ولا تقف، سقى سيفه سُمّاً، وامتطى راحلة، وتوجّه إلى المدينة، وقد يسأل أحدكم: ألا يخاف أن يُقتَل هناك؟ هو ذهب بغطاء أن يفتدي ابنه من الأسر، فلما وصل إلى المدينة رآه سيدنا عمر قال: هذا عدو الله عمير جاء يريد شراً، قيّده بحمالة سيفه، وساقه إلى النبي، دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا عمر أطلقه، فأطلقه، قال: يا عمر ابتعد عنه، فابتعد عنه، قال: يا عمير ادنُ منا، دنا منه، قال له: سلّم علينا، قال له: عمت صباحاً يا محمد، قال له: قل: السلام عليكم، قال له: هذا سلامنا، بمنتهى الغلظة والفظاظة، قال له: يا عمير ما هذه السيف التي على عاتقك؟ قال له: قاتلها الله من سيوف وهل نفعتنا يوم بدر؟ قال له: يا عمير ألم تقل لصفوان: لولا ديون لزمتني ما أُطيق سدادها، ولولا أطفال صغار أخشى عليهم العنت من بعدي لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه؟ فوقف قال له: أشهد أنك رسول الله، لأن الذي دار بيني وبين صفوان لا يعلمه أحد إلا الله وأنت رسوله، وأسلم.
صفوان بن أمية كان يقف في ظاهر مكة كل يوم ينتظر الخبر السار بالنسبة إليه، ثم علِم أن عميراً قد أسلم، لولا أن الله أخّر عقابه لكان مصيره إلى النار، لكن الله حليم، لذلك قال بعضهم: إن الله جلّ جلاله علِم ما كان، وعلِم ما يكون، وعلِم ما سيكون، وعلِم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، عِلم الله بأن هذا الإنسان ينطوي على خير تأخرت العقوبة عنه فكان تأخير العقوبة عنه سبب نجاته وإسلامه.
 

الحليم اسم من أسماء الأفعال ومن أسماء الصفات:


إذاً الحليم هو الذي يؤخر العقوبة، وكلكم يعلم أن الأسماء الحسنى منها ما هو اسم ذات، منها ما هو اسم صفة، منها ما هو اسم فعل، فإذا أخّر الله العقوبة عن إنسان متلبس بمعصية فمعنى ذلك أن الحليم من أسماء الأفعال، وللتقريب: لو أن إنساناً أخّر عقوبة عن إنسان، وكان في داخله يغلي حقداً وألماً، لا يسمى حليماً، الإنسان الحليم في داخله هدوء وصفاء، فإذا كان الحلم أي أن الصفة التي يتّصف بها الإنسان صفة صفاء، وصفة سلام، فأيضاً يمكن أن نَعُدّ اسم الحليم من أسماء الصفات، فهو من أسماء الأفعال، ومن أسماء الصفات.
أيها الإخوة؛ النقطة الدقيقة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( عن أبي هريرة: إنَّما العلمُ بِالتَّعَلُّمِ، وإِنَّما الحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، ومَنْ يَتَحَرَّ الخَيْرَ يُعْطَهُ، ومَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ.))

[ السلسلة الصحيحة: والدارقطني في علله: خلاصة حكم المحدث: إسناده حسن أو قريب منه ]

وإنما الكرم بالتكرم، أي هذه الصفة الرائعة كاد الحليم أن يكون نبياّ، الحلم سيد الأخلاق، هذه الصفة الرائعة في الإنسان متى تكون تصنعاً؟ ومتى تكون تطبعاً؟ الفرق كبير.
 

التحلم يُفضي بالإنسان أن يتصل بالله ويُقبل عليه:


الحقيقة أيها الإخوة؛ أنني أقول دائماً: يمكن أن تتقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله، فالإنسان يتصنّع الحلم، يضبط نفسه، يضغط على أعصابه، لا يحرك ساكناً، يعفو،     مادام يتصنع الحلم دفع ثمن هذا التخلّق بهذا الخلق، التحلم يُفضي بك إلى أن تتصل بالله، أي عاكست نفسك.

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40)﴾

[  سورة النازعات  ]

منعها أن تنتقم، منعها أن تبطش، ضبط نفسه، هذا الضبط هو التحلم، والتحلم ثمن الاتصال بالله، بعد الاتصال بالله يكون الحلم الحقيقي، فالحلم يكون تصنّعاً وهو الثمن، ويكون تطبّعاً وهو الثمرة، تتحلم فتُقْبِل فيقذف الله في قلبك هذا الخلق الكريم فتغدو حليماً، فالحلم تطبع، والحلم تصنّع، التصنّع ثمن التطبّع.
 

المؤمن لا يحقد بل يقابل الإساءة بالإحسان:


لذلك الله عز وجل قال:

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)﴾

[ سورة آل عمران ]

فكأن الإنسان المؤمن يمر بهذه المراحل الثلاثة، أولاً: يكظم غيظه، بعدئذ يعفو في نفسه، بعدئذٍ يُقابل الإساءة بالإحسان، لذلك قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ .

﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)﴾

[ سورة فصلت ]

هذه صفة المؤمن يرُدّ على الإساءة بالإحسان، والمؤمن لا يحقد لأنه مُوَحّد، والحقد يتولّد من الشرك الخفي، وأخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً، ولكن شهوة خفية، وأعمال لغير الله.
أحد العارفين ذو النون المصري شعر بضيق، وبتشتت، وشعر بضياع فقال: أين قلبي؟ أي هناك قول يلفت النظر، يقول الحسن البصري: من صلى فلم يشعر بشيء، من قرأ القرآن فلم يشعر بشيء، من ذكر الله فلم يشعر بشيء، فليعلم أنه لا قلب له.
 

الشدائد تسوق الإنسان إلى باب الله عز وجل:


ذو النون المصري شعر بضيق، وبتشتت، وشعر بضياع فقال: أين قلبي؟ أين ضاع قلبي؟ قلبي في ضياع، وفي طريقه في بعض أزقة المدينة رأى باباً يُفتح، ورأى أماً تضرب ابنها، وتلقيه خارج البيت، وتغلق الباب، جلس هذا الطفل يبكي، أين يذهب؟ إلى أي بيت يدخل؟ من يسأل ليطعمه؟ أين ينام؟ فما كان منه إلا أن عاد إلى باب البيت وجلس على عتبة الباب يبكي، وكانت أمه من رحمتها الشديدة تنظر إليه من ثقب الباب، فما كان منها إلا أن فتحت الباب وأخذت ابنها ووضعته في حضنها، وقالت: يا قرة عيني، يا عزيز نفسي، أنت الذي حملتني على ما تكره، لو أطعتني لما رأيت مني ما تكره، فصاح هذا العارف بالله: وجدت قلبي، وجدت قلبي، يعني أي شيء تكرهه ألمّ بك فاعلم أنه محض رحمة من الله، أراد أن يعالجك، أن يقربك إليه، أن يلفت نظرك، قال تعالى: 

﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)﴾

[ سورة الأنعام ]

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ   عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِي السَّلاسِلِ». ))  

[ صحيح البخاري ]

فهذه الشدائد أحياناً تسوقنا إلى باب الله، هذه المصائب،

(( عن أبي ذر الغفاري عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فِيما رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، أنَّهُ قالَ: يا عِبَادِي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ علَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلا تَظَالَمُوا، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَن هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَن أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَن كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يا عِبَادِي، إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يا عِبَادِي، إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا علَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُمْ ما زَادَ ذلكَ في مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لوْ أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ ما نَقَصَ ذلكَ مِن مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ؛ ما نَقَصَ ذلكَ ممَّا عِندِي إلَّا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ البَحْرَ، يا عِبَادِي، إنَّما هي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فمَن وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ. وفي روايةٍ: إنِّي حَرَّمْتُ علَى نَفْسِي الظُّلْمَ وعلَى عِبَادِي، فلا تَظَالَمُوا. ))

[  صحيح مسلم ]

ذلك بأن عطائي كلام وأخذي كلام.
 

الحلم حارس أمين يحول بين الإنسان وبين حماقات كبيرة:


أيها الإخوة؛ الحلم حارس أمين يَحُول بين الإنسان وبين حماقات كبيرة، نقيض الحلم الغضب، والفوران، فالحليم يحمي نفسه من حماقات كبيرة، والحلم حارس أمين، فالحماقات قد تودي بصاحبها إلى الهلاك، أي بساعة غضب شديد يُطلِّق زوجته، يشرد أولاده، يهدم بيته، أما الحلم سيد الأخلاق.
أيها الإخوة؛ قد يكون الحلم فضلاً عن أنه حارس أمين يكون سبباً لتكون هادياً وداعياً إلى الله عز وجل، أي صفة الحلم والأناة والتروي من صفات الدعاة إلى الله عز وجل.
 

من خلق الإيمان أن تدعو للناس بالهداية والتوفيق:


شيء آخر؛ قال مالك بن دينار: كان لي جار يتعاطى الفواحش الكثيرة، وجيرانه يتأذون منه، ويمقتونه، فشكوا إليّ، فأحضرناه ونصحناه، إما أن تتوب، وإما أن ترحل، فأبى أن يفعُل واحدة منهما، قلنا له: نشكوك إلى السلطان، قال: السلطان يعرفني، قلنا: ندعو الله عليك، فقال: اللهم أرحم بي منكم، فغاظني ذلك، فلما أمسيت قمت وصليت ودعوت عليه، فوقع في قلبي هاتف لا تدعُ عليه، ادعُ له.
كلما ارتقى إيمانك تدعو للآخر ولا تدعُو عليه، هذا شأن المؤمن، بل ادعُ له بالتوفيق، أي

(( النبي عليه الصلاة والسلام حينما كُذِّب بالطائف، وحينما أغرى أهل الطائف صبيانهم أن يضربوه، وسال الدم من قدمه الشريفة، وجاءه جبريل، وقال: يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين؟ قال: لا يا أخي، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده،  فعن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، ولقد أرسل إليك ملَك الجبال لتأمره بما شئت، فناداني ملك الجبال وسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملَك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت؟ إن شئتَ أن أُطبق عليهم الأخشبين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً. ))

[ البخاري  ]

 فمن خُلق الإيمان أن تدعو للناس بالهداية لا أن تدعو عليه، يبدو أن هذا الشاب تاب توبة نصوحة وعاد إلى الله، واتفق أن رآه-الذي دعا عليه أولاً ثم دعا له بالتوفيق-في موسم الحج يطوف ويبكي.
 

التلطف والعطف والشفقة مع العصاة أفضل ألف مرة من الشتم والضرب والتعنيف:


هناك قصة لها مغزى ومؤثرة، قال الإمام مالك بن دينار: بينما هو ماش في الطريق رأى رجلاً مخموراً طرحته الخمرة أرضاً، والزبد على شفتيه، ويقول: الله! الله! وهو في حالة هذيان، فَعَظُم على هذا الإمام أن يخرج هذا الاسم اسم الجلالة من فم نجس، فتلطّف معه، ومسح فمه، وأكرمه على الرغم من سُكره، وبعد أن صحا قيل لهذا السكران: أتدري من اعتنى بك واهتم بحالك؟ إنه الإمام مالك، يبدو أن هذه العناية اللطيفة بهذا العاصي أثارت حساسيته.
إخواننا الكرام؛ أحياناً العصاة عندهم رقة، مغلوبون، يعصون الله ويبكون ويتألمون، فالداعية الناجح يتلطف مع هؤلاء، يحتويهم، يأخذ بيدهم، هذا المُغنّي الذي أزعج أبا حنيفة سنوات طويلة بغنائه وعوده في الليل، وله أغنية مشهورة، أضاعوني وأي فتىً أضاعوا، فلما غاب عنه هذا الصوت علِم أن به مكروهاً، تفقّد أحواله فإذا هو في السجن، ذهب إلى المسؤول عن السجن ليُخَلّصه من السجن، أبو حنيفة بمكانته، بعلمه، بشأنه، فصاحب السجن إكراماً له أطلق سراحه، أركبه على دابته أردفه خلفه، قال: يا فتى! هل أضعناك؟ ذاب بكاءً، وعاهد الله أن يدع الغناء، أي أنت إن رأيت عاصياً بدل أن تُعَنّفه، وأن تحتقره، وأن تشتمه، وأن تُعين الشيطان عليه، تلطّف به، أره عطفاً، وشفقة، وعندئذٍ تُعينه على الشيطان، والفرق كبير جداً أن تعين الشيطان على العاصي، وبين أن تعين العاصي على الشيطان، بكى تأثراً وندماً، وتاب إلى الله عز وجل، وعاهد أبا حنيفة على أن يدع الغناء.
 

أكبر عقاب للمؤمن أن يحجب عن الله عز وجل:


أحياناً كما قال ابن عطاء الله السكندري: ربّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً، أي هناك قصة أرويها كثيراً: أن شاباً سمع من شيخه قولاً: يا بني إن لكل معصية عقاباً-هكذا سمع-يبدو أنه زلت قدمه في مخالفة، فحسب كلام شيخه توقّع المصيبة فانتظرها، زلت قدمه والآن ينتظر المصيبة، مضى أسبوع، أسبوعان، ثلاثة أسابيع، لم يحدث شيء لا في بيته، ولا في صحته، ولا في أولاده، فتعجب، ففي أثناء صلاته ناجى ربه، قال: يا رب لقد عصيتك فلم تعاقبني؟ قال: وقع في قلبه أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدرِ، ألم أحرمك لذة مناجاتي؟ أحياناً يكون أكبر عقاب للمؤمن أن يحجبه الله عنه، الناس لا يرون شيئاً، إنسان بكامل صحته، أموره كلها صحيحة، لكن محجوب عن الله عز وجل، هذا من تأديب الله لأوليائه، الذنب يحجب، والآية الكريمة:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)﴾

[ سورة المطففين ]

 

البطل من اصطلح مع الله في وقت مبكر:


بعضهم قال: من أطاع عصاك فقد عصاك، الأب البطل، المعلم البطل الذي يجعل من إعراضه عن ابنه أو عن تلميذه أكبر عقاب له، أما من استخدم الضرب والتعنيف ذهبت هيبته، وكان حاجزاً كبيراً بينه وبين من يربيه، فهذا الإنسان يتوب من الذنب ويرجع، يتوب ويرجع، فالشيطان وسوس له إلى متى تتوب وترجع؟ من أجل أن يُقَنّطه من رحمة الله، فمرة هذا الشاب الذي يتوب ويرجع صلى ركعتين، ثم رفع بصره إلى السماء وقال: يا من عصمت المعصومين، ويا من حفظت المحفوظين، ويا من أصلحت الصالحين، إن عصمتني تجدني معصوماً، وإن أهملتني تجدني مخذولاً، ناصيتي بيدك، ديوني بين يديك، يا مُقلِّب القلوب ثبت قلبي على دينك، هذه الواقعة يؤيدها القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾

[ سورة الزمر ]

لذلك قالوا: ما أمرنا الله أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا، وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا، فالبطل هو الذي يصطلح مع الله في وقت مبكر.
 

الحليم من صبر على أذى الآخرين:


سهل بن عمرو الذي تمنّى سيدنا عمر أن يضرب عنقه بالسيف، حين قال للنبي عليه الصلاة والسلام في المفاوضات، قال له: اكتب هذا ما اتفق عليه محمد رسول الله، قال: لا أكتب رسول الله، لو آمنا بك لما خالفناك، فقال النبي الكريم: اكتب هذا ما اتفق عليه محمد بن عبد الله، ما قبِل أن يُكتَب رسول الله، وكان في منتهى الغلظة والقسوة، فسيدنا عمر هاج وماج، وتمنى أن يعاقبه، قال له النبي الكريم: لا يا عمر، حليم، لعلك ذات يوم تسمع منه كلاماً تحمده عليه، وبعد وفاة النبي أسلم وقال كلاماً يُذيب القلب، أي أنت لا تعلم، لكن الله يعلم، كن حليماً، تلطّف، كن ذا أناة.
أيها الإخوة الكرام؛ ((إِنَّما العلمُ بِالتَّعَلُّمِ، وإِنَّما الحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ)) وإنما الكرم بالتكرم، والتحلم تصنُّع الحلم، والتحلُّم ثمن الحلم الأصيل الحقيقي، فالحلم يكون تصنعاً وهو الثمن، ويكون تطبعاً وهو الثمرة.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور