الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى الرقيب:
أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الرقيب.
ورود اسم الرقيب في القرآن الكريم والسنة الشريفة:
هذا الاسم أيها الإخوة؛ ورد في القرآن الكريم منوناً مطلقاً أي غير مضاف، وقد ورد مقترناً بمعاني العلو والفوقية كما في قوله تعالى:
﴿ لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (52)﴾
والله أيها الإخوة؛ لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفت، أنت في الحياة المدنية لو نُمِي إليك أن هاتفك مراقب تُدَقق في كلامك، تختار أفضل كلمة، أبعد كلمة عن الشبهة، لو نُمِي إليك أنك مراقب، تراقب نفسك في حركاتك وسكناتك لدرجة غير معقولة لأنه نُمِي إليك ولست متأكداً أنك مراقب من إنسان، من بني جلدتك، لكنه أقوى منك، أن تكون مراقباً من إنسان تتبدل كل تصرفاتك، وتضبط كل حركاتك وسكناتك، وكل أقوالك وكلماتك، فكيف إذا كان الواحد الديان خالق السماوات والأرض رقيباً عليك؟ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً﴾ .
أيها الإخوة؛ فالله جلّ جلاله من فوق عرشه رقيب، له الكمال المطلق في إحاطته بخلقه، له الكمال في علو شأنه، فإن أضفت إلى الإطلاق اجتماع معاني العلو كان ذلك من كمال الكمال في الاسم والصفة، وقد ورد هذا الاسم مقيداً أي مضافاً في قوله تعالى عن سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:
﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)﴾
وقوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)﴾
أيها الإخوة؛ هذا في القرآن فماذا ورد في السنة؟
(( عند البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قام فينا خطيباً بموعظة فقال: عن ابن عباس: فأقول كما قال العبد الصالح عيسى ابن مريم: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. ))
نستفيد من هذه الآية التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام في حديثه الشريف أن تقييم العباد من شأن رب العباد وحده، ولا تُجَشّم نفسك متاعب تقييم العباد، هذا من شأن رب العباد، ((إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)).
الرقيب في اللغة على وزن فعيل بمعنى فاعل.
أيها الإخوة؛ أي الموصوف بالمراقبة، فعيل صيغة مبالغة اسم الفاعل الموصوف بالمراقبة، فعله رَقَب، يرقب، رقابة، أما الرقابة تأتي بمعنى الحفظ، والحراسة، والانتظار، مع الحذر والترقب،
(( وعند البخاري رحمه الله تعالى من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن أبا بكر رضي الله عنه قال: ارقُبوا مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أهلِ بَيتِه. ))
أي احفظوه فيهم، وقال هارون عليه السلام:
﴿ قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94)﴾
فاالرقيب الموكل بحفظ الشيء، المترصد له، المتحرز عن الغفلة فيه، رقيب القوم حارسهم، هو الذي يُشرف على مرقبة ليحرسهم، رقيب الجيش طليعتهم، الرقيب الأمين، ارتقب المكان أشرف عليه وعلى فوقه، هذا ما ورد في المعاجم عن كلمة الرقيب.
1 ـ المُطّلع على الخلق في كل صغيرة وكبيرة:
أما إذا قلنا: الله جلّ جلاله هو الرقيب أي المُطّلع على خلقه، يعلم كل صغيرة وكبيرة في ملكه، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7)﴾
رقيب، وقال تعالى:
﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80)﴾
2 ـ يرى أحوال العباد ويعلم أقوالهم:
أيها الإخوة؛ الرقيب هو الذي يرى أحوال العباد مُقبل، مُدبر، حاقد، بريء، صاف، سليم النية، يحب الآخر، يحقد عليهم، يستعلي عليهم، يحتال عليهم، يتآمر عليهم، يرقى بهم، يحمل همهم، هو الذي يرى أحوال العباد، ويعلم أقوالهم، أي إن تكلمت فهو يسمعك، وهو رقيب عليك، وإن تحركت فهو يراك، وهو رقيب عليك، وإن أضمرت فهو يعلم، وهو رقيب عليك، لا تخفى عليه خافية.
3 ـ يراقب عباده ويحصي أعمالهم ويحيط بمكنونات أسرارهم:
قيل: الرقيب هو الذي يُراقب عباده، ويُحصي أعمالهم، ويُحيط بمكنونات أسرارهم، ولا يغيب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، قالوا: مراقبة الله لخلقه مراقبة عن استعلاء وفوقية لأنه ربهم وخالقهم، وقدرة وصمدية، لا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه.
﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)﴾
أي يا رب الورقة تعلمها! والصواريخ تعلمها أيضاً، ملك له الملك كله، وله الحمد كله، أزمِّة الأمور كلها بيده، ومصدرها منه، ومردها إليه، مستوٍ على عرشه لا تخفى عليه خافية، عالم بما في نفوس عباده، أنت ساكت خطر في بالك أن تذهب إلى فلان وأن تُقدم له هدية، يعلم وأنت ساكت، عالم بما في نفوس عباده، مُطَّلع على السر والعلانية، علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.
الله عز وجل رقيب راصد لأعمال العباد وكسبهم:
يسمع ويرى، ويعطي ويمنع، ويثيب ويعاقب، ويُكرم ويهين.
﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18)﴾
إذا أكرمك الله عز وجل خدمك عدوك، وإذا أهان الله العبد تطاول عليه أقرب الناس إليه، يخلق ويرزق، يميت ويحيي، يُقَدِّر ويقضي، يُدبر أمور خلقه، مراقبته لخلقه-دقق-مراقبة حفظ دائمة، وهيمنة كاملة، وعلم وإحاطة، لا مراقبة قهر، مراقبة حفظ، حينما تجلس الأم في حديقة عينها على ابنها، تراقبه لا مراقبة قمع، مراقبة حفظ، الله عز وجل رقيب راصد لأعمال العباد وكسبهم، عليم بالخواطر التي تدِب في قلوبهم، يرى كل حركة وسكنة في أبدانهم، ووكّل ملائكته بكتابة أعمالهم، وإحصاء حسناتهم وسيئاتهم، قال تعالى:
﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)﴾
قد يغيب عن ذهن الإنسان أنه إذا قال عند انتهاء الصلاة: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، يُسَلِّم على الملكين، ملك اليمين وملك الشمال، الله سبحانه وتعالى راصد لأعمال العباد وكسبهم، عليم بالخواطر التي تدب في قلوبهم، يرى كل حركة وكل سكنة، ووكّل ملائكته بكتابة أعمالهم، وإحصاء حسناتهم وسيئاتهم، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ*كِرَاماً كَاتِبِينَ*يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ فالملائكة تُسَجِّل أفعال الجنان والأبدان، قال تعالى عن تسجيلهم لقول القلب وقول اللسان:
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)﴾
الإنسان مراقبته محدودة فلا يصلح أن يكون مُشرعاً:
أيها الإخوة؛ لما الإنسان يشرع، الإنسان مراقبته محدودة، يقول لك: السرعة القصوى مئة مايل في أمريكا، هذا القرار كيف يضبط؟ يضبط بأجهزة في الطرق العامة تكتشف السرعات الزائدة، ولأن واضع هذا القانون إنسان، والمواطن إنسان، وقد يكون هذا المواطن أذكى من واضع القانون يخترع جهازاً في السيارة، فإذا اقترب من الجهاز الذي يكشف سرعته نبهه، خفّض السرعة.
مرة كنت راكباً بأمريكا مع صديق، سمعت صوتاً جديداً في السيارة، سألته عن هذا الصوت، قال لي: هذا ينبهني إلى وجود جهاز في الطريق يضبط السرعات الزائدة، انتهى القانون، الآن الدولة في طور هناك اختراع جهاز يكشف هذه الأجهزة التي في السيارات.
إذاً ما دام المشرع إنساناً معركة بين عقلين، الأذكى ينتصر، أما إذا كان الله سبحانه وتعالى الرقيب أمرك أن تصوم، دقق في أيام الصيف في شهر آب الإنسان يكاد يموت من العطش، وهو في البيت وحده، ودخل إلى المطبخ، والثلاجة فيها ماء بارد، ولا أحد يمكن أن يضبط هذه المخالفة في الأرض، لا يستطيع أن يضع في فمه قطرة ماء، هذه عظمة الدين.
أنا مرة تصورت أن الدول الراقية حرصاً منها على صحة رعاياها أصدرت مرسوماً بفرض الصيام على الناس، تصور الصيام مفروضاً من دولة، طبعاً لا أحد يجرؤ أن يأكل في النهار، يُعاقب، لكن إذا دخل لبيته، إذا دخل إلى الحمام يشرب، أي لا يوجد قوة في الأرض مهما تكن جبارة وقمعية أن تحمل الناس على الصيام، إلا أن الله سبحانه وتعالى بآية واحدة، أذكر أن أمريكا في عام ثلاثة وثلاثين وتسعمئة وألف حرمت الخمر، البحث طويل جداً، أي بالمليارات دفعت لتوعية الناس، أعدمت ثلاثمئة شخص، أكثر من خمسة ملايين دخلوا السجن، بعد عشر سنوات أعلنت إفلاسها، ثم سمحت به، دولة قوية بكل إمكاناتها، صُنِعت بواخر لتهريب الخمر، بواخر لها مخابئ سرية، إلى أن أيقنت أنه يستحيل أن تضبط الأمر.
الآن بالعالم الإسلامي برمضان مليار وخمسمئة مليون لا يوجد إنسان ممكن أن يضع قطرة ماء بفمه.
الدين هو قِوام الحياة والحياة لا تصلح إلا بالدين:
الكلام الدقيق أن الدين هو قِوام الحياة، وأن الحياة لا تصلح إلا بالدين، لأن المُشرع في الدين ليس إنساناً لا يراك، المُشرع في الدين خالق الأكوان، وهو معك، هل يستطيع إنسان مؤمن يدخل الحمام وهو يعجن العجين ألا يغسل يديه؟ هل تستطيع أي وزارة في الأرض أن تراقب من يعجن العجين في الساعة الثانية ليلاً؟ لا تقدر، لكن الدين يقدر.
﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)﴾
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ أنا والله أرى أن الشيء العملي الحقيقي أن الإنسان المؤمن يخاف من الله فيستقيم، أي شيء تقوله آخر كلام غير واقعي، يقول لك: ضمير مسلكي، ما هذا الضمير المسلكي؟ يقول لك: انضباط ذاتي، تربية بيتية، هناك إنسان يرى أن الله سيحاسبه فيستقيم، وهناك إنسان يرى أن الله لا يحاسبه، إيمانه بالله ضعيف، يستقيم لينتزع إعجاب الناس، فإذا خلا بينه وبين نفسه أخذ ما ليس له، قال: الله عز وجل من فوقهم رقيب، وعلى تدوينهم قدير، رقيب على أفعال الإنسان قال تعالى:
﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61)﴾
نائم، قائم، في غرفتك، وراء الشاشة، على الكمبيوتر، فاتح الانترنيت، من الذي يعلم ماذا تفعل؟ أي موقع تفتح؟ على أي فضائية تدير جهازك؟ من الذي يعلم؟ الله يعلم، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ، ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ .
الإنسان المؤمن يخاف من الله فيستقيم على أمره:
أيها الإخوة الكرام؛ إذا شعرت أنك مراقب فلابد من أن تنضبط، شعور الإنسان بأنه مراقب ولو من جهة أرضية، ولو من إنسان من بني جلدته، لكنه أقوى منه، إذا كنت مراقباً فلابد من أن تنضبط فكيف إذا أيقنت أن الله جلّ جلاله هو الرقيب؟ قلت لكم في بداية هذا اللقاء الطيب: والله لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفت:
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( عن عبادة بن الصامت: أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان. ))
[ ابن مردويه والبيهقي: صحيح ]
الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ إنسان استأجره النبي لعمل ما فاغتسل عُرياناً، فقال له: خذ أجارتك لا حاجة لنا بك، فإني أراك لا تستحي من الله.
علة خلق السماوات والأرض أن تعلم أن علم الله يطولك وقدرته تطولك:
هذه الآية أيها الإخوة؛ أساسية جداً:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12)﴾
لماذا؟ قال: ﴿لِتَعْلَمُوا﴾ هذه اللام لام التعليل، أي علة خلق السماوات والأرض أن نعلم، ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ العجيب في هذه الآية أن الله اختار من بين أسمائه كلها اسمين فقط، اختار اسم العليم والقدير، معنى ذلك أن علمه يطولك، وأن قدرته تطولك، وضحت هذا سابقاً، أنت مواطن تركب مركبة في النهار، الإشارة حمراء والشرطي واقف، وشرطي على دراجة نارية بإمكانه أن يلحق بك، وضابط مرور بسيارة، أنت مواطن من الدرجة الخامسة، هل يُعقل أن تمشي؟ مستحيل وألف ألف مستحيل، أولاً: علم واضع القانون يطولك من خلال هذا الشرطي، فإذا هربت منهم، علم واضع القانون يطولك من خلال هذا الشرطي الذي على دراجة، فإذا تواطأت مع الشرطي عِلم واضع هذا القانون يطولك من هذا الضابط الذي في السيارة، فأنت موقن مليون بالمئة أن علم واضع القانون يطولك، وبالإمكان الآن أن تثقب إجازتك، يوجد اثنا عشر ثقباً لمرة واحدة، أحياناً ثقبان، بعد عدة مرات ممنوع أن تقود مركبة، تجد هناك حرص، وهناك انضباط عجيب، لأن واضع القانون يطولك من خلال هؤلاء؛ الشرطي الواقف، والشرطي على دراجة، وضابط المرور، وقدرته تطولك بسحب الإجازة، بإيقاع مخالفة كبيرة جداً، بحجز المركبة.
إذاً أنت حينما توقن أن واضع القانون وهو من جنسك بشر لكنه أقوى منك علمه يطولك، وقدرته تطولك، لا يمكن أن تعصيه، لا يمكن أن تعصيه، فكيف إذا أيقنت أن واضع هذا التشريع علمه يطولك وقدرته تطولك؟ كيف؟
من آمن أن الله يراقبه وهو له بالمرصاد لا يمكن أن يعصيه:
لذلك: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ لكن لا زلنا في المثل، ممكن الساعة الثالثة بعد منتصف الليل أن تخترق القانون، لأن علم واضع القانون لا يطولك، ويمكن في وضح النهار، ونهاراً وجهاراً أن تخترق هذا القانون، قد تكون أقوى من واضع القانون فلا يجرؤ أن يوقفك، هذا مثل دقيق جداً، فأنت حينما تؤمن أن الله يراقبك، وأن الله لك بالمرصاد، وأن علم الله يطولك، وأن قدرته تطولك، بتفكير بسيط لا يمكن أن تعصيه، الله عز وجل يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ .
الحياة لا تصلح إلا بالإيمان بالله:
أيها الإخوة؛ هذا الاسم إذا أدركت أبعاده يمكن أن يكون أحد أسباب سعادتك الأبدية، تأثرت، الله معك، لكن الله معك لطيف، إذا شخص رافقك لساعة أو ساعتين تضجر منه، يا أخي ابتعد عني، الله معك لكن بلطف ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ المحامي إذا شعر أن الله يراقبه لا يقول لموكله إلا الحق، الطبيب إذا شعر أن الله يراقبه ينصح مرضاه، البائع إذا شعر أن الله يراقبه لا يغش في بيعه وشرائه، المزارع إذا شعر أن الله سيراقبه لا يضع هذه الهرمونات المسرطنة من أجل أن ينمو المحصول وأن يزداد البيع، المعلم إذا علم أن الله يراقبه لا يعطي الطلاب عملاً سخيفاً وينام ويرتاح، فأنت حينما تشعر أن الله يراقبك تؤدي الواجب كاملاً.
والله أيها الإخوة؛ هذه الحياة لا تصلح إلا بالإيمان بالله، وأي نظام آخر يُلغي مراقبة الله للبشر لا يصلح، الآن يوجد بالعالم ضبط الكتروني، تجد سوقاً فيه بضائع بالمليارات، على المخرج يوجد خمسة أو ستة موظفين، السلعة إن لم تدفع ثمنها تصدر صوتاً، والأبواب تُغلق آلياً، لا أحد يتفلت من الدفع، هذا اسمه: ضبط الكتروني، ليس ضبطاً إيمانياً، فلما قُطِعت الكهرباء في مدينة كبرى في العالم الغربي ارتُكبت في الليلة الواحدة مئتا ألف سرقة، قيمة المسروقات ثلاثون مليار دولار ليلة واحدة، أنا أقول لهم: دينكم دين الكتروني، ليس ديناً إيمانياً، الانضباط مبني على المراقبة فقط، لا يوجد مراقبة لا يوجد انضباط، أما المؤمن: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ لذلك المؤمن يتحرك بوازع داخلي، قال له: بعني هذه الشاة-ابن سيدنا عمر لراع-وخذ ثمنها؟ قال: ليست لي، قال له: قل لصاحبها ماتت وخذ ثمنها؟ قال له: والله إنني لفي أشدّ الحاجة إلى ثمنها ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادق أمين ولكن أين الله؟ هذا هو الدين، هذا الراعي وضع يده على جوهر الدين، أين الله؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ أما من دون إيمان بالله عز وجل الإنسان إذا لم يكن هناك رقابة يفعل كل الموبقات، لذلك الحضارة الغربية بُنيت على ضبط الطبيعة، والحضارة الإسلامية بُنيت على ضبط الذات، يقول تشرشل زعيم بريطاني كبير قال: ملكنا العالم ولم نملك أنفسنا، والآن العالم متطور جداً لكن متوحش جداً، والعالم الإسلامي ليس متطوراً كما ينبغي لكنه متحضر بهذا الدين، آثار الدين واضحة جداً بالتماسك الأسري، أحياناً إنسان يُخطئ معك بالحساب يَرِدّ لك المبلغ، والله حدثني أخ قال لي: وجدت بالسيارة عشرين مليون ليرة، نسيها من ركب معي، بقيت أربعة أيام أبحث عنه إلى أن وصلت إليه، وقدمت إليه الكيس، قال له: أنت عندك سيارة؟ قال له: لا، أخذه لسوق السيارات واشترى له سيارة بمليونين، من يجد بسيارته عشرين مليوناً وينجو من أي مساءلة؟ يبحث عن صاحبها، يوجد بالعالم الإسلامي بطولات مذهلة.
الملف مدقق