الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى العلي:
أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم العلي.
هذا الاسم أيها الإخوة؛ ورد مقروناً باسم العظيم، في موضعين في القرآن الكريم، الآية الأولى:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)﴾
والآية الثانية:
﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4)﴾
واقترن هذا الاسم باسم الكبير في أربعة مواضع في القرآن الكريم منها قوله تعالى:
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62)﴾
هذا في القرآن الكريم، فماذا في السنة المطهرة؟ لقد ورد عن أبي داود وابن ماجة من حديث عبادة رضي الله عنه أنه من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل:
(( عن عبادة بن الصامت من تعارَّ منَ اللَّيلِ، فقالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، لَهُ الملكُ ولَهُ الحمدُ، وَهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وسُبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبرُ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللَّهِ، ثمَّ قالَ: ربِّ اغفِر لي-أو قالَ: ثمَّ دَعا-استُجيبَ لَهُ، فإن عَزمَ وتوضَّأَ، ثمَّ صلَّى قُبِلَت صلاتُهُ. ))
العليِّ العظيم، من دعا بهذا الدعاء كما قال عليه الصلاة والسلام: غُفِر له، وفي السنة أيضاً من حديث عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب، والمسلمون اليوم في كرب، بل من أشدّ أنواع الكرب، بل إن حرباً عالمية ثالثة مُعلنة جهاراً نهاراً على المسلمين في كل بقاع الأرض، بل إن التهجم على المسلمين كان في الماضي لفاً ودوراناً، ولكن التهجم الآن هجوم واضح صريح على أكبر رموز الدين، على سيد المرسلين، وعلى كتابه الكريم.
أيها الإخوة؛ كان يقول عند الكرب:
(( عن ابن العباس رضي الله عنه: كان صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقول عند الكربِ: لا إله إلا اللهُ الحليمُ الكريمُ، لا إله إلا الله العليُّ العظيمُ، لا إله إلا اللهُ ربُّ السماواتِ السَّبعِ وربُّ العرشِ العظيمِ. ))
على كل إنسان أن يصطلح مع الله عز وجل قبل أن يلوذ به:
كان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة، لأنك بالدعاء أنت أقوى إنسان، الدعاء سلاح المؤمن، سيدنا يونس وهو في بطن الحوت، بالمعايير الأرضية أمل النجاة صفر، إنسان وزنه سبعون كيلو، في فم حوت، وجبته المعتدلة أربعة أطنان، أي لقمة واحدة، في ظلمة الليل، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة بطن الحوت.
﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
الشيء الرائع أن الله قلب القصة إلى قانون، قال: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ في أي عصر، بالقرن العشرين، بالقرن الواحد والعشرين، في ظلّ معركة مصيرية بين الحق والباطل، في ظلّ حرب عالمية ثالثة مُعلنة على المسلمين، ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أرادنا الله سبحانه وتعالى أن نثق به، أن نلجأ إليه، أن نحتمي بحماه، أن نلوذ به، ولكن لابدّ من أن نصطلح معه قبل كل ذلك، لابدّ من أن نطيعه.
من لم يكن إيمانه حاملاً له على أن يطيع الله فلا قيمة لهذا الإيمان:
أيها الإخوة؛ اسم الله العلي قبل أن نخوض في التفاصيل من أسماء التنزيه، أما أن يؤمن الإنسان أن الله سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض هذا شيء بديهي، بل إن كل أهل الأرض إلا قلة قليلة منهم لا يؤبه لها تُقِرّ بوجود الله، كُتب على الدولار: ثقتنا بالله، ماذا يفعل أصحاب هذه العملة في العالم؟ ثقتنا بالله، فأن تُقِر أن لهذا الكون إلهاً قضية سهلة، بل إن إبليس اللعين أقرّ بذلك، قال ربي:
﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82)﴾
﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)﴾
﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14)﴾
ما هو الشيء الحاسم في الموضوع؟ الشيء الحاسم أن تؤمن بالله العظيم، أن تؤمن بالله العلي العظيم، أن تؤمن بالله العلي الكبير، بالضبط كما لو أن الله أمرنا، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41)﴾
أين تضع الخط الأحمر؟ تحت أي كلمة؟ تحت كلمة كثير، لأن المنافق يذكر الله، بدليل الآية الكريمة:
﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142)﴾
إذاً الأمر هنا لا ينصب على الذكر إطلاقاً، ولكن ينصب على الذكر الكثير، والآن:
﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33)﴾
آمن بالله، لكن ما آمن بالله العظيم، آمن بالله إلا أنه لم يؤمن بالله العظيم، فهذا الاسم من أسماء التنزيه، ما لم يكن إيمانك بالله-دقق-حاملاً لك على أن تطيعه فلا قيمة لهذا الإيمان.
كل مخلـــوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والـــــجبروت:
أيها الإخوة؛ العلو في اللغة له معانٍ كثيرة، إلا أن العلي في اللغة على وزن فعيل، وهو من الصفات المشبهة باسم الفاعل، فعله على يعلو علواً، المعنى المادي المتبادر العلو ارتفاع المكان، أو ارتفاع المكانة، أي إذا كان هناك دائرة فيها عشرة طوابق، المدير العام بالطابق الأرضي، لكن مكانته في أعلى مكان، مع أنه في الطابق الأرضي لكن مكانته في الطابق العاشر، فوق الجميع هو، فوق الجميع مكانة، أما هو مقره في الطابق الأرضي، لكن مكانته فوق كل هؤلاء الموظفين، فإما ارتفاع المكان، أو ارتفاع المكانة، والآية الدقيقة:
﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)﴾
في أي مكان كنتم، بل في أية مكانة كنتم.
لا تأمن الموت في طرف ولا نفس وإن تمنّعت بالــحُجّاب والحــــــرس
فما تزال سهام الــــموت نافــــــذة فـــي جنب مُدّرع منهـــــا ومتّـــرس
أراك لـــســـت بوقّــــاف ولا حذر كالحاطب الخابط الأعواد في الغلس
ترجو النجاة ولــم تسلك مسالكهـا إن الـسفينة لا تجري علـى اليبــــس
إذاً ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا﴾ في أي مكان كنتم، بل في آية مكانة كنتم، كل مخلـــوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والـــــجبروت.
والليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلابد من نزول القبر
[ صالح بن محمد بن عبد الله ]
و:
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبــور جنــازة فاعلم بأنك بعدهـــا محمـول
من كان مع الله كان الله معه:
إذاً العلو ارتفاع المكان، أو ارتفاع المكانة، أي ارتفاع المجد والشرف، قال تعالى دققوا الآن:
﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾
الطرف الآخر بيده أموال لا تأكلها النيران، بيده الإعلام، بيده التحالفات، العالم كله مع الطرف الآخر، ومع كل ذلك إذا كنت مع الله فأنت الأعلى،
﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (( عن الحسن بن علي: عَلَّمَني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَلِماتٍ أقولُهنَّ في قُنوتِ الوِترِ: اللهُمَّ اهدِني فيمَن هَدَيتَ، وعافِني فيمَن عافَيتَ، وتَولَّني فيمَن تَولَّيتَ، وبارِكْ لي فيما أعطَيتَ، وقِني شَرَّ ما قَضَيتَ؛ فإنَّكَ تَقضي ولا يُقضى عليكَ، إنَّه لا يَذِلُّ مَن والَيتَ، ولا يَعِزُّ مَن عادَيتَ، تَبارَكتَ رَبَّنا وتَعالَيتَ. ))
[ الترمذي: خلاصة حكم المحدث ثابت ]
1 ـ من علا بذاته فوق جميع خلقه:
العلي في أسماء الله هو الذي علا بذاته فوق جميع خلقه، فاسم العلي دلّ على علو الذات والفوقية.
2 ـ الله عز وجل تعالى عن أن يشبه خلقه:
العلي أيضاً كما قلت قبل قليل من أسماء التنزيه، أي الله جلّ جلاله تعالى عن كل صفة لا تليق به، هل يليق به أن يَظْلِم؟ مستحيل.
﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17)﴾
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77)﴾
خيط بين فلقتي نواة التمر.
﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124)﴾
نواة التمر أحد رأسيها مؤنف كالإبرة، ولا تظلمون بمقدار قطمير، غشاء رقيق يُغَلّف نواة التمر، ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ .
﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)﴾
﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾
والله عز وجل تعالى عن أن يشبه خلقه، تعالى عن كل ما خطر ببالك، فكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك.
3 ـ عدم معرفة الله إلا الله:
العلي هو الذي علا فلا تُدرك ذاته، ولا تُتصور صفاته، أي لا يعرف الله إلا الله.
4 ـ تاهت الألباب في جاهه:
العلي هو الذي تاهت الألباب في جلاله.
5 ـ عجزت العقول عن أن تدرك كماله:
العلي هو الذي عجزت العقول عن أن تدرك كماله، كل هذه المعاني أيها الإخوة؛ يمكن أن تَرِد حينما تقول: الله هو العلي، عليّ مكانة، عليّ تنزيهاً، عليّ عزة، عليّ أن أحداً لن يحيط به، ولن يدرك ذاته، عليّ بمعنى رفيع القدر، فالله سبحانه وتعالى قال عن ذاته العلية: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ما لم تُعَظِّم الله جلّ جلاله لن تُعَظِّم أمره، إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر.
الآيات التي تتحدث عن ذات الله تعالى على الإنسان أن يترك معناها لله:
أيها الإخوة؛ الذي عليه السلف الصالح من الصحابة، والتابعين، والأئمة الأجلاء المتبعين أن الله سبحانه وتعالى عالٍ على عرشه بذاته، وبكيفية حقيقية معلومة لله، مجهولة لنا، أي يوجد بالقرآن بضعة آيات تتحدث عن ذات الله، أكمل موقف للإنسان المُوَحِّد الورع أن يَكِل معناها إلى الله، لأنه كما قيل: تفكّروا في مخلوقات الله ولا تفكّروا في ذاته فتهلكوا، يجب أن تعتقد أن عقلك ليس قوة مطلقة في المعرفة، أي أنت تماماً كميزان في بقالية غالٍ جداً، دقيق جداً، حساس جداً، معه ذواكر، ولكن مصمم لوزن ما بين خمسة غرامات إلى خمسة كيلو، ما لم تؤمن أن هذا الميزان مهمته محدودة، فإذا أردت أن تزين به سيارتك، وضعته على الأرض وسرت فوقه، تكون قد حطمته، هل يُعَدّ هذا علة في الصنعة؟ لا، علة في المستخدم، تفكّروا في مخلوقات الله ولا تفكّروا في ذاته فتهلكوا، لذلك قالوا: عين العلم به عين الجهل به، وعين الجهل به عين العلم به.
لذلك قالوا: العجز عن إدراك الإدراك إدراك، مثل بسيط: شخص سألك: المحيط الهادي كم لتر؟ لمجرد أن تُدلي برقم فأنت جاهل، ولمجرد أن تقول: لا أعلم فأنت عالم، لذلك قالوا: عين العلم به عين الجهل به، وعين الجهل به عين العلم به، وتكون في أعلى درجات العلم إذا قلت: لا أعلم،
تقييم الأشخاص من شأن الله وحده:
أنا أقول لكم هذه الكلمة: تقييم الأشخاص من شأن الله وحده، النبي عليه الصلاة والسلام توفي أحد أصحابه، من عادته أن يذهب إلى بيت المُتوفى قبل التشييع، فلما ذهب إلى البيت سمع امرأة تقول-اسم المتوفى أبو السائب-سمع امرأة تقول:
(( فَعَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ بَايَعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اقْتُسِمَ الْمُهَاجِرُونَ قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ، وَغُسِّلَ، وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ ؟ فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ: أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي؟ قَالَتْ: فَوَ اللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا. ))
النبي وحده لو سكت لكان كلامها صحيحاً، لأن سنته تعني أقواله، وأفعاله، وإقراره، لو سكت لكان كلامها صحيحاً، فقال عليه الصلاة والسلام: ((وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ؟)) هذا اسمه عند علماء العقيدة: تأل على الله، تطاول، من أنت حتى تَحكُم على فلان أنه من أهل الجنة أو أنه من أهل النار؟ من أنت؟ تقييم الأشخاص من شأن الله وحده، قال لها: ((وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ؟ ... وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي؟)) على وجه القطع، أما على وجه الرجاء كل مؤمن مستقيم على أمر الله يرجو الله أن يدخله الجنة، لكن رجاء، الرجاء فيه أدب، أما فلان من أهل الجنة! أطل بالك، لا يوجد إلا عشرة الذين بشّر بهم النبي، وأحد هؤلاء العشرة عملاق الإسلام سيدنا عمر ذهب إلى حذيفة بن اليمان قال له: يا حذيفة! بربك اسمي مع المنافقين؟
تجد شخصاً تاركاً العبادات، ماله حرام، علاقاته مشبوهة، يقول لك: أنا إيماني أقوى من إيمانك، شيء مضحك، سذاجة، غباء، حُمق، إذا كان سيدنا عمر يقول لحذيفة: بربك اسمي مع المنافقين؟ لذلك أحد التابعين قال: التقيت بأربعين صحابياً ما منهم واحد إلا وهو يظن نفسه منافقاً من شدة الخوف من الله، من شدة الورع، من شدة القلق.
الآيات المتعلقة بذات الله لك أن تؤولها إلى حدٍّ مقبول أو تترك معناها إلى الله::
لذلك أيها الإخوة؛ لابدّ من أن تؤمن بالله العظيم، فهذه الآيات المتعلقة بذات الله أكمل موقف أن تَكِل معناها إلى الله، أي ارتح وأرح الناس، هناك من يؤول إلى حدٍّ ما مقبول، أنه:
﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)﴾
أي جاء أمره.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10)﴾
أي قوته، يسمعك أي يعلم ما تقول، هناك من فَوّض، هذا أرقى موقف، هناك من أَوَّل، إلى هنا ينتهي الصح، أما إذا عطّلت أو جسّدت وقعت في عقيدة زائغة، إذاً الذي هم عليه السلف الصالح من الصحابة، والتابعين، والأئمة الأجلاء المتبعين، أن الله عالٍ على عرشه بذاته، بكيفية حقيقية معلومة لله، مجهولة لنا.
معاني العلو عند السلف الصالح ثلاثة معانٍ: علو الذات وعلو الشأن وعلو القهر:
دائماً يقترن اسم الله العلي باسمه العظيم، ولا سيما حينما يُذكر العرش والكرسي، ففي آية الكرسي وهي كما تعلمون أعظم آية في كتاب الله:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)﴾
هذه الآيات أيها الإخوة؛ واضحة في إثبات علو الذات، والفوقية، وغيرها كثير، لكن بعض المفسرين لاسم الله العلي جعلوه دالاً على معنيين فقط من معاني العلو؛ هما علو الشأن، وعلو القهر، واستبعدوا المعنى الثالث وهو علو الذات، والثابت الصحيح أن معاني العلو عند السلف الصالح ثلاثة معانٍ دلت عليها أسماء الله المشتقة من صفة العلو، فاسم الله العلي دلّ على علو الذات، واسم الله الأعلى دلّ على علو الشأن.
﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)﴾
واسم الله المتعال دلّ على علو القهر، علو الذات، وعلو الشأن، وعلو القهر، والنبي عليه الصلاة والسلام لما سأل الجارية: أين الله؟ فأشارت إلى السماء، فأثبت لها الإيمان.
﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16)﴾
لأن السماء رمز العلو، شهد النبي الكريم لها بالإيمان، فلا إشكال عند الموحدين العقلاء في فهم حديث الجارية وقولها: إن الله في السماء، والأمر واضح جلي، أي اعتراض على هذا هو اعتراض على رسول الله، عدّ إشارتها إلى السماء إيماناً، والدليل الآية الكريمة: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ صار علو الذات والفوقية، علو الشأن، علو القهر.
شرف العلم من شرف المعلوم:
أيها الإخوة الكرام؛ ما لم نؤمن بأن الله عليّ عظيم، وبأنه عليّ كبير، قد لا نطيعه، لأنه عظمة الأمر من عظمة الآمر، فكلما عَظُم الآمر عَظُم الأمر، هناك مقولة دقيقة: فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، الآن لو شخص درس أي علم أرضي، وإنسان درس أسماء الله الحسنى، فضل علمه بأسماء الله الحسنى على فضل علمه بمخلوقاته كفضل الله على مخلوقاته، شرف العلم من شرف المعلوم، أي لا يوجد علم أشرف من أن تعرف الله، لا يوجد علم أشرف من أن تعرف أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى، شرف العلم من شرف المعلوم، فضل كتاب الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، وفضل معرفة الله على معرفة خلقه كفضل الله على خلقه.
فضل معرفة الله على معرفة خلقه كفضل الله على خلقه:
لذلك الإنسان حينما يغفل عن الله، ويتقن شيئاً في الدنيا، يأتي يوم القيامة وقد تقطّع قلبه أسفاً.
﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24)﴾
﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27)﴾
يجب أن نعرف الله، لذلك قال تعالى:
﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46)﴾
قال بعض العلماء: أن تقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أي أن تسبحه، وأن تحمده، وأن توحده، وأن تُكبّره، إن سبحته، ووحدته، وحمِدته، وكبّرته فقد عرفته، ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحبّ من كل شيء إليك.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
النص مدقق