الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى الغفّار:
أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الغفّار.
ورود اسم الغفّار في القرآن الكريم:
الله سبحانه وتعالى سمّى نفسه بهذا الاسم على سبيل الإطلاق، لكنه مقرون باسمه تعالى العزيز في ثلاثة مواضع كما في قوله تعالى:
﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (66)﴾
أي العزيز الذي يحتاجه كل شيء في كل شيء ﴿الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ ، وقد ورد مطلقاً منوناً من دون اقتران باسم آخر في قوله تعالى:
﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)﴾
النبي الكريم بشر وتجري عليه كل خصائص البشر:
(( في صحيح الجامع الصغير السيوطي من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا تضوَّر مِن اللَّيلِ قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ الواحدُ القهَّارُ ربُّ السَّمواتِ والأرضِ وما بينَهما العزيزُ الغفَّارُ. ))
[ صحيح الجامع: السيوطي: صحيح النسائي ]
تضور أي تقلب وتلوى من شدة الألم، النبي بشر، وتجري عليه كل خصائص البشر، ولأنه بشر، ولأنه تجري عليه كل خصائص البشر، ولأنه انتصر على بشريته كان سيد البشر، وما من أمر إلهي إلا ويستطيعه سائر البشر، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( عن أبي هريرة رضي الله عنه: إنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يقبلُ إلا طَيِّبًا، وإنَّ اللهَ أمر المؤمنينَ بما أمر به المرسلينَ فقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَ اعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونُ عَلِيمٌ وقال: يَا أَيُّهُا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ثم ذكر الرجلَ يُطِيلُ السفرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ (ساعِيًا للحجِّ والعُمرةِ و نحوِهِما) يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السماءِ يا رَبِّ يا رَبِّ ومَطْعَمُهُ حرامٌ، ومَشْرَبُهُ حرامٌ، ومَلْبَسُهُ حرامٌ، وغُذِّىَ بالحرامِ، فأَنَّى يُستجابُ لذلك؟ ))
أي في الاستقامة لا يوجد تفاوت، التفاوت بالمقامات، مقام النبي عليه الصلاة والسلام في أعلى مقام،
(( عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ. ))
لكن في شأن الاستقامة: ((وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين)) كيف؟ أي أقل ممرض في مستشفى في موضوع معين كإعطاء حقنة لمريض يستوي في أسلوبه مع أعلى جرّاح قلب، لابدّ من تعقيم الموضع، والحقنة، وما إلى ذلك، ففي شأن الاستقامة القضية حدية، ((وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين)) لماذا؟ هناك من يقول: أخي أنا لست نبياً، ومن قال لك إنك نبي؟ الذي يقود مركبة وهو ملك كمن يقود مركبة وهو في أقل درجة في المجتمع، لابدّ من مكبح، لابدّ من تحريك المركبة، لابدّ من إطلاق البوق أحياناً، فالأساليب التفصيلية في قيادة مركبة لا يختلف بها أقل إنسان خفير مع أمير هكذا، حينما نفهم الاستقامة أنها حدية يستقيم جميع الناس، أحياناً هناك أناس متواضعون جداً لكن يتكلمون الحقيقة، يقول لك: أنا لا أساوي غباراً في نعل النبي، صح، لكن مأمور أن تستقيم على أمر الله.
ورود اسم الغفّار في السنة النبوية:
لذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا تلوّى من الألم ماذا يقول؟ قال:
((قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ الواحدُ القهَّارُ ربُّ السَّمواتِ والأرضِ وما بينَهما العزيزُ الغفَّارُ)) لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( عن أنس بن مالك: لقد أُخِفْتُ في الله ما لم يُخَفْ أَحدٌ، وأُوذِيت في الله ما لم يُؤذَ أحد، ولقد أتى عليَّ ثلاثون من يوم وليلة، ومالي ولبلال طعامٌ إِلا شيء يُواريه إِبطُ بلال. ))
ما جاء به النبي من افعل ولا تفعل في وسع البشر أن يفعلوه:
مرة ثانية: لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر:
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)﴾
لولا أنه بشر، وتجري عليه كل خصائص البشر، وانتصر على بشريته، لما كان سيد البشر، وكل ما جاء به النبي من افعل ولا تفعل، في وسع البشر أن يفعلوه:
﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)﴾
لكن وِسع الإنسان لا تحدده أنت أيها الإنسان، يحدده لك خالقك، كل إنسان له مزاج، يقول لك: هذه لا أستطيعها، من قال لك ذلك؟ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ .
من ارتكب أكبر ذنب في الأرض وتاب توبة نصوحة غفر الله ذنبه وتقبّل توبته:
أيها الإخوة؛ الغفّار في اللغة من صيغ المبالغة، وكما تعلمنا كثيراً أن صيغة المبالغة إن جاء بها اسم من أسماء الله الحسنى فتعني شيئين؛ تعني مبالغة كم، أو مبالغة نوع، بمعنى أي أكبر ذنب يتصور على وجه الأرض الله عز وجل يغفره، ومليار ذنب من حيث الكم، إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله، إذا تاب العبد توبة نصوحاً أنسى الله حافظيه-الملكين-وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه، إذا قال العبد: يا رب وهو راكع-هكذا ورد في الأثر-يقول الله له: لبيك يا عبدي، فإذا قال: يا رب وهو ساجد، يقول الله له: لبيك يا عبدي، فإذا قال: يا رب وهو عاصٍ، يقول الله له: لبيك، ثم لبيك، ثم لبيك، لأنه ينتظره، لذلك: لله افرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد، ينتظرك، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)﴾
إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول؟
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في الــمقال شنيع
لـو كان حبك صادقا لأطعتــه إنّ المـــحب لمن يحب يطيــع
في بعض الآثار القدسية التي وردت في كتاب ابن القيم مدارج السالكين: عبادي إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها.
أيها الإخوة؛ الغفّار في اللغة من صيغ المبالغة، على وزن فعّال، أي كثير المغفرة، كماً ونوعاً، الفعل غفر، يغفر، غَفراً، ومغفرةً، وأصل الغفر التغطية والستر.
والغفّار سبحانه وتعالى هو الذي يستر الذنوب بفضله، ويتجاوز عن عبده بعفوه، أي من كمال الله عز وجل لا يكفي أنه يسامحك بهذا الذنب لكنه يستره عنك، أي إنسان أحياناً يتكلم كلمة غير لائقة إطلاقاً، إن لم ينسها تصبح حياته جحيماً لا يطاق، إنسان ركّب جهاز صوت بين غرفة الضيوف وبين المطبخ، بحسب تصوره يأتي ضيف يقول لزوجته: اصنعي لنا كذا وكذا، وهو جالس بمكانه، فالجهاز مفتوح، جاءه ضيوف ثقلاء، فذهب إلى المطبخ وقال: هؤلاء ثقلاء، طبعاً سمعوا كلامه، لو إنسان لا ينسى هذا الموقف تكون حياته جحيماً لا يطاق، فالله عز وجل يغفر ويستر عنك هذا الذنب، ومن نعم الله الكبرى أنك تنسى، لا تقل: النسيان مشكلة، أحياناً هناك ميزة كبيرة جداً أن الأخطاء والمواقف الحرجة بعد حين تنساها.
الثقة بكمال الله ومحبته وحكمته شأن كل عبد مع الله تعالى:
الغفّار هو الذي يستر الذنوب بفضله، ويتجاوز عن عبده بعفوه، أما إذا كان العبد موحداً فذنوبه تحت مشيئة الله وحكمه، الله عز وجل-كما يقول بعض العلماء-طليق الإرادة إن شاء عفا لحكمة بالغةٍ بالغةٍ بالغة، وإن شاء أدّب، ويعفو بعدها، أي ليس في الإمكان أبدع مما كان، الله عز وجل لحكمة بالغة قد يعفو من دون تأديب، وقد يؤدب فيعفو، أي شأنك مع الله أن تثق بكماله، وأن تثق بحكمته، وأن تثق بمحبته.
﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)﴾
أي طرفة! إنسان قال لعبد عند سيد قال: بلغني أن سيدك سيبيعك، قال: هذا شأنه، يعرف عمله، قال له: أفكر أن أشتريك؟ قال له: هذا شأنك أنت، تعرف عملك، قال له: اهرب، قال له: أعرف عملي، كل شخص له مهمة، فأنت كعبد مهمتك أن تطيعه ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ وانتظر الخير، وانتهى الأمر، الله ما كلفك أن تقنع الغرب أن يكفوا عن عدوانهم، شيء فوق طاقتك أساساً، أما كلفك أن تُقيم الإسلام في بيتك، وأن تقيمه في عملك، وهاتان الدائرتان بملكك، فإذا أقمت أمر الله فيما تملك كفاك ما لا تملك، إذا أقمت أمر الله فيما تملك، أي هناك سلوك الآن ذائع بين المسلمين، هناك ألم، وهناك تبرم من الوضع العام الدولي، أنت الذي في ملكك بيتك وعملك، وأنت قادر أن تقيم فيهما أمر الله أنت مقصر فيه هنا، أدِّ الذي عليك أولاً، واطلب من الله الذي لك، لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك.
الفرق الدقيق بين الغفور والغفّار:
الغفور والغفّار قريبان في المعنى من بعضهما، لكن قالوا: الغفّار أبلغ من الغفور، فالغفور من يغفر الذنوب العِظام، أما الغفّار من يغفر الذنوب الكثيرة، أي الغفور للذنوب العّظام، أما الغفّار للذنوب الكثيرة، أي غفور للكيف، وغفّار للكم، هذا هو الفرق الدقيق بين الغفور والغفّار.
نحن في اللغة عندنا قاعدة: زيادة في المبنى تعني زيادة في المعنى، أي السين وسوف حرفا استقبال، سوف للمستقبل البعيد، أما السين للمستقبل القريب، ويوجد باللغة دقة بالغة، أي عثر به غير عثر عليه، عثر به صدفة، أما عثر عليه بعد بحث طويل، ويكفي هذه اللغة العربية شرفاً أن الله اختارها لكلامه، هناك دقة باللغة مذهلة، لكن اللغة ترقى برقي أهلها وتتخلف بتخلف أهلها.
مرة سمعت أن القرآن مُترجم إلى ثلاثين لغة، أما الإنجيل مترجم إلى ألف وثلاثمئة لغة، معناها يعملون ليلاً نهاراً.
اسم الله الغفّار على وزن فعّال، له موضعه في حسابات الأسماء بدقة، واسم الله الغفور على وزن فعول، وله أيضاً حساباته في حسابات الإعجاز الحسابي إن صحّ التعبير.
الخواطر لا يُحاسب عليها الإنسان إلا إذا انقلبت إلى عمل:
أيها الإخوة؛ يبدو أن هناك نظاماً دقيقاً وضع للملكين اللذين يكتبان الحسنات والسيئات، هناك مكان اسمه حديث النفس، أنت راكب بسيارة والطريق طويل تأتيك خواطر، والله فلان ينبغي أن أوقفه عند حدّه، ينبغي أن أفك شركتي معه، هذا خاطر، وقد يكون فلان مستقيماً معه، وقد يكون مخلصاً، وقد يكون له كفاءة عالية، لكن جاءك خاطر أن تستقلّ بهذه الشركة، ولأن اسمه ليس وارد في السجلات أنت أقوى منه، تضايقه، يضجر، تفك الشركة معه، هذا خاطر لكن خاطر سيئ فيه ظلم، وفيه عدوان، هذا الخاطر لا تُحاسب عليه ما لم تفعل، هذا من فضل الله علينا، الخواطر لا تُحاسب عليها.
أحياناً لا سمح الله ولا قدر إنسان وجد فجأة نفسه في بيت مع امرأة، قد تأتيه خواطر شيطانية، أن يعتدي عليها لكن ما فعل شيئاً، في النهاية خوفه من الله ردعه، مادامت هذه الخواطر لم تنقلب إلى عمل فالمؤمن مكلف أن يستغفر الله من هذه الخواطر، لكن الله لكرمه ورحمته تجاوز لنا عن هذه الخواطر لما في الحديث الشريف:
(( عن أبي هريرة: إنَّ الله تعالى تجاوزَ لأُمَّتِي ما حدَّثَثْ به أنفُسَها، ما لم يَعْمَلُوا به أَو يتكلَّمُوا ما وسْوَستْ به صُدُورها. ))
أنا والله أحياناً تأتيني حالات كثيرة بحكم عملي في الدعوة أن خواطر تكاد تسحق هذا الإنسان، أقول له: اطمئن، إن كنت متألماً منها فإنها ليست منك، العلامة الصارخة والواضحة والحاسمة إذا تألمت من هذه الخواطر هي ليست منك، من وسوسة الشيطان، الله عز وجل يتجاوز عن هذه الخواطر ما لم تنقلب إلى عمل، أما إذا جاءتك هذه الخواطر وارتاحت نفسك لها هذه منك، هنا الآن الخطر، مع أنه لا تحاسب عليها لكن إذا قبِلتها يمكن أن تنقلب إلى عمل، لذلك نقول: يجب أن تستغفر ربك من هذه الخواطر التي ارتحت لها لئلا تنقلب إلى عمل، لأن المعصية تبدأ بخاطرة، ثم بفكرة، ثم بشهوة، ثم بإرادة، ثم بعمل، فإذا تبعها الإنسان انقلبت إلى عادة، وعندئذٍ من أصعب الأشياء أن تدع عادة استحكمت فيك، من أصعب الأشياء.
لهذا الإنسان المؤمن بحاجة إلى استغفار عام لمحو الخواطر الشريرة النابعة من هوى النفس، واستعاذة لمحو خواطر الشر النابعة من لمة الشيطان، خواطر الشيطان تزعجك أما خواطر الهوى لا تزعج، فالخطر أبلغ بخواطر الهوى، يقول لك الشيطان: من خلق الله؟ لا تنام الليل، هذا الخاطر ليس منك وله إجابة كبيرة جداً.
باب التوبة مفتوح على مصراعيه لمن تاب ورجع إلى ربه:
الآن هناك منطقة ثانية منطقة الكسب، أنت جاءك خاطر وقمت إلى تنفيذه صار عملاً، هذه المنطقة خطيرة جداً، عندئذٍ تُسجَّل عن الإنسان أفعاله ما دقّ منها وما جل، يُسجَّل عليه دقيق الأفعال وكبيرها، فإذا تاب العبد من الذنب مُحيت سيئاته، الآن صار هناك عمل، خاطر انقلب إلى عمل، وغُفِرت بأثر رجعي، ما دام هناك توبة؛ إذا رجع العبد إلى الله محا الله هذه الذنوب، وما أمرك أن تستغفره إلا ليغفر لك، أما معنى قوله تعالى:
﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)﴾
اجتهاد شخصي مني تبديل السيئات بالحسنات بمعنى أن هذا الإنسان كان بخيلاً فلما عرف الله أصبح كريماً، كان جباناً فلما عرف الله أصبح شجاعاً، كان حريصاً فلما عرف الله أصبح سخياً، هذا المعنى يتناسب مع الكمال الإلهي، لذلك: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ لذلك الله جلّ جلاله غفّار أي كثير المغفرة، لم يزل ولا يزال بالعفو معروفاً، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفاً، وكلٌّ مضطر إلى عفوه ومغفرته، كما هو مضطر إلى كرمه ورحمته، وقد وعد عباده بالمغفرة والعفو لمن أتى منهم بأسبابها.
الله غفور رحيم لمن تاب من ذنوبه وأقلع عنها وعزم ألا يعود إليها:
يا إخوان، هناك ملاحظة دقيقة جداً، هناك فكرة ساذجة عند عوام المسلمين، يا أخي الله غفور رحيم.
﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82)﴾
كلامك صحيح، لكن لمن؟ ﴿لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ هذه ناحية دقيقة.
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49)﴾
أكمل:
﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)﴾
لمن أنا غفور رحيم؟ ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ .
من تاب وآمن وعمل صالحاً غفر الله له ذنوبه:
هناك آيات كثيرة:
﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110)﴾
من بعد التوبة، والإيمان، والعمل الصالح: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
دليل آخر:
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾
على الإنسان أن يستغفر ربه قبل فوات الأوان:
دقق:
﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54)﴾
غفور رحيم لمن تاب، لمن تاب من ذنوبه، وأقلع عنها، وعزم على ألا يعود إليها، وأصلح الخطأ السابق
﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وابحثوا بالحاسوب في القرآن الكريم ضعوا كلمة البحث
﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾ ترون العجب العجاب، غفور متى؟ حينما تتوب على الله، حينما تقلع عن الذنب، حينما تعزم ألا تعود إليه، حينما تُصلح الخطأ،
(( وعند الطبراني من حديث صحيح من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا شدَّادُ بنُ أوسٍ! إذا رأيتَ النَّاسَ قد اكتنزوا الذَّهبَ والفضَّةَ فاكنِز هؤلاء الكلماتِ: اللَّهمَّ! إنِّي أسألُك الثَّباتَ في الأمرِ، والعزيمةَ على الرُّشدِ، وأسألُك موجِباتِ رحمتِك، وعزائمَ مغفرتِك، وأسألُك شُكرَ نعمتِك، وحُسنَ عبادتِك، وأسألُك قلبًا سليمًا، ولسانًا صادقًا، وأسألُك من خيرِ ما تعلَمُ، وأعوذُ بك من شرِّ ما تعلَمُ، وأستغفرُك لما تعلَمُ؛ إنَّك أنت علَّامُ الغيوبِ. ))
شخص معه ملايين مملينة، ومعه أموال منقولة، وغير منقولة، وعقارات، وأراض، وأسهم، وشركات، ومعامل، إلى آخره، ((إذا رأيتَ النَّاسَ قد اكتنزوا الذَّهبَ والفضَّةَ؛ فاكنِز هؤلاء الكلماتِ: اللَّهمَّ إنِّي أسألُك الثَّباتَ في الأمرِ، والعزيمةَ على الرُّشدِ، وأسألُك موجِباتِ رحمتِك)) .
كل إنسان مسؤول عن عمله أمام ربه سبحانه وتعالى:
ملك له ابن، قال له: يا بني اطلب وتمنى، قال له: مركبة، أغلى مركبة، طائرة خاصة، طائرة خاصة، يخت في البحر، يخت في البحر، قال له: أريد أن أكون رئيس جامعة، قال له: لا، هذه بجهد منك، اِئتني بالدكتوراه وبعدها أعطيك هذا المنصب، هناك أشياء تحتاج إلى جهد شخصي، طيارة سهلة، مركبة سهلة، يخت سهل، أما أستاذ جامعي؟ تحتاج إلى دكتوراه، هذه عليك، اِئتني بهذه الشهادة وخذ هذا المنصب، هذه معنى موجبات رحمتك، انظر إلى الأدب، تجد شخصاً جاهلاً: يا رب لا تسألنا عن شيء، من قال لك ذلك؟ الله قال:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾
هذا الدعاء فيه أدب جم:
((وأسألك موجبات رحمتك)) أي أسألك عملاً يُعدّ ثمناً لرحمتك،
((وعزائم مغفرتك، وأسألك شكر نعمتك)) (( عن سَلَمَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِحْصَنٍ الخَطْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا. ))
[ رواه البخاري في الأدب المفرد والترمذي في السنن وقال: حسن غريب . ]
((وحسن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، ولساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علّام الغيوب)) .
أيها الإخوة؛ اسم الغفّار نحن جميعاً بأمس الحاجة إليه، ولعل بعضهم يرى أن اسم الله الأعظم هو الاسم الذي في ظرف معين أنت بحاجة إليه، فإذا كنت مريضاً فاسم الله الأعظم هو الشافي، وإذا كنت فقيراً فاسم الله الأعظم هو المُغني، وإذا كنت مذنباً فاسم الله الأعظم هو الغفّار، هذا اجتهاد.
الملف مدقق