الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى المالك:
أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم المالك، فاسم الله المالك ورد في القرآن الكريم مضافاً، وإن كانت الإضافة تحمل معنى الإطلاق في الملكية، ولكنه ورد أيضاً في السنة النبوية مطلقاً، فمن القرآن الكريم قوله تعالى:
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾
كل شيء يُمَلَّك هو مالكه، أما المُلك يطلق هذا الاسم في مقابل الملكوت، فالملك يُراد به عالم الشهادة غالباً، أو الحياة الدنيا بصفة عامة، والملكوت يُراد به في الأعمّ الأغلب عالم الغيب أو عالم الآخرة، والله عز وجل هو مالك المُلك والملكوت، أي مالك عالم الدنيا وعالم الآخرة، مالك عالم الشهادة وعالم الغيب، هو رب العالمين، الذي يملك عالم الغيب وعالم الشهادة بما فيهما، قال تعالى:
﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)﴾
مُلك الدنيا والآخرة، مُلك عالم الغيب وعالم الشهادة، فالمالك هو المنفرد بملكية الملك والملكوت، المُلك في الدنيا، والملكوت في الآخرة، المُلك عالم الشهادة، والملكوت عالم الغيب.
الحق سبحانه وتعالى مالك لعالم الغيب والشهادة وما فيهما:
الله سبحانه وتعالى أفرد نفسه بملكيته لعالم المُلك، وأفرد نفسه بملكيته لعالم الغيب أو عالم الملكوت فقال تعالى:
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)﴾
مالك الدنيا، ومالك الآخرة، مالك عالم الشهادة، ومالك عالم الغيب، الآن إذا كان الحق سبحانه وتعالى مالكاً لعالم الغيب والشهادة وما فيهما كما بينت الأدلة السابقة فهو المالك إذاً على سبيل الإطلاق أزلاً وأبداً،
(( وقد ثبت عند مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الآن ورد اسم المالك في الحديث الصحيح مطلقاً، قال عليه الصلاة والسلام: عن أبي هريرة: إنَّ أخنَعَ اسمٍ عِندَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِك الأملاكِ. زادَ ابنُ أبي شيبةَ في رِوايَتِه: لا مالِك إلَّا اللهُ عزَّ وجلَّ. ))
أي إن أذلّ اسم وأوضع اسم عند الله: ((رجلٌ تَسَمَّى مَلِك الأمْلاك، لا مالك إِلا الله)) المالك هو الله عز وجل، مالك عالم الغيب، وعالم الشهادة، مالك الملك والملكوت.
أيها الإخوة؛ المالك في اللغة اسم فاعل، الفعل مَلَك، يملك، فهو مالك، والله عز وجل مالك الأشياء كلها ومصرفها، مالكها ومصرفها، نحن في عالمنا في عالم الإنسان قد تملك بيتاً ولا تنتفع منه، في بعض البلاد يوجد نظام إيجار ظالم، فالمستأجر هو المالك، أما الذي له ملك الرقبة لا ينتفع به، فقد تملك بيتاً ولا تنتفع به، وقد تنتفع ببيت ولا تملكه، وقد تنتفع بالبيت وتملكه لكن مصيره ليس إليك، صدر قرار تنظيم، قرار استملاك، ذهب البيت، لكن ملكية الله جلّ جلاله ملكية مطلقة، مالك الملك، مالك كل شيء خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً.
أحياناً دولة تصنع طائرة، هي صنعتها لكنها إذا باعتها لدولة أخرى الآن لا تملك التصرف بها، الدولة التي اشترت هذه الطائرة هي تملكها، فقد تطلقها لتقصف وتدمر، والدولة الصانعة مبدئياً لا علاقة لها بهذا القصف، صنعتها وباعتها، لكن الله سبحانه وتعالى مالك كل شيء، وله الأمر:
﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102)﴾
ملكية الله جلّ جلاله لعالم الغيب والشهادة وللدنيا والآخرة ملكية مطلقة:
ملكية الله جلّ جلاله لعالم الغيب وعالم الشهادة للدنيا والآخرة ملكية مطلقة، إذاً مالك الأشياء كلها ومُصَرّفها على إرادته، لا يمتنع عليه منها شيء، أي آلاف الأشياء قد نملكها ملكاً ظاهراً ولا نملك التصرف فيها، لأن مالك الشيء في كلام العرب هو المتصرف والقادر عليه، وقد قرأ نافع وحمزة ملك يوم الدين، بغير ألف، وقرأ عاصم والكسائي: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بألف، وكلا القراءتين صحيحة، وقد رويت القراءتان عن النبي صلى الله عليه وسلم، بعض الأئمة في الركعة الأولى يقول: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ في الركعة الثانية يقول: ملك يوم الدين.
والله عز وجل مالك المُلك، ملكه عن أصالة واستحقاق لأنه الخالق، أي معمل صنع هذه الآلة، مبدئياً هي ملكه لأنه صنعها، لأنه الخالق الحي القيوم الوارث، علة استحقاق الملك أمران، الأول: صناعة الشيء وإنشاؤه واختراعه، فالعاقل يعلم عقلاً أن المخترع له براءة الاختراع، والمؤلف له حقّ الطبع والنشر،
(( روى البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: عن سعيد بن زيد: مَن أحيا أرضًا ميتةً فَهيَ لَهُ ، وليسَ لعِرقِ ظالمٍ حقٌّ. ))
والله ما من تشريع حضاري، ما من تشريع يقلب الأرض القاحلة جنة كهذا التشريع، ((من أحيا أرضاً مَيْتَةً فهي له)) أرض جدباء، حفر فيها بئراً، واستخرج ماءً، وشجّرها، وزرعها، وسوّرها، لو طبقنا هذا التشريع النبوي بشكل واسع لانقلبت بلادنا جنات خضراء، في بعض البلاد يعطون قرضاً، المشروع الأخضر يعطون قرضاً لكل إنسان اختار أرضاً جرداء، وسوّرها، واستخرج منها الماء، وشجّرها، وجعلها جنة خضراء، ((من أحيا أرضاً مَيْتَةً فهي له)) ويروى ذلك أيضاً عن عمرو بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا كان ملوك الدنيا لا يمكن لأحدهم أن يؤسس ملكه بجهده منفرداً فلابدّ له من ظهير، أو مُعين، سواء في أهله وقرابته، أو في حزبه، أو جماعته، أو قبيلته، أو عشيرته، فإن الله سبحانه وتعالى هو المتفرد بالملكية حقيقة، فلا أحد ساعده في إنشاء الخلق، أو عاونه على استقرار الملك، أو يمسك معه السماء أن تقع على الأرض، قال سبحانه وتعالى:
﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)﴾
وقال أيضاً:
﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51)﴾
الله تعالى بدأ البشرية بنبي كريم وأنهاها بسيد الأنبياء والمرسلين:
نظريات فيها توهم لتاريخ البشرية لمئات آلاف السنين، يقول لك: الإنسان الحجري يستخدم الأحجار، الإنسان المتوحش، مع أن الله سبحانه وتعالى بدأ الخلق بنبي كريم، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( عن عبد الله بن عباس: آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر. ))
[ أخرجه أبو يعلى والإمام أحمد ]
بدأ البشرية بنبي كريم، وأنهاها بسيد الأنبياء والمرسلين، أما في الموسوعات العلمية يوجد عندنا إنسان متوحش، إنسان حجري، يستخدم الأحجار كأدوات، هذا من تخيلاتهم، أي مثلاً: لو أن إنساناً اشترى محلاً تجارياً في الثلاثينات، اشتراه بمبلغ معين، جالس يتكلم مع أصدقائه بعد خمسين عاماً قال: اشتريت هذا المحل بالمبلغ الفلاني، فله ابن وُلِد بالستينات قال له: لا بابا، المبلغ ليس كذلك، نظر إليه وقال له: هل كنت معي أنت؟ حينما اشتريت هذا المحل قبل أن تولد بعشرين عاماً هل كنت معي؟
فكرة لطيفة، إلهنا وربنا بيّن لنا في كتابه في وحي السماء أن البشر بدأهم بآدم، ونحن في جميع الموسوعات العلمية نؤكد لطلابنا وعندئذٍ يتمزقون بين كلام مدرّس التربية الإسلامية وبين كلام مدرّس العلوم الطبيعية، الطفل أحياناً يتمزق حينما يرى تفسيرات متناقضة.
الحقيقة هناك سؤال دقيق جداً، مع أن نظرية دارون تحت الأقدام الآن، لا عند علماء المسلمين، لا والله، عند علماء الغرب، عند العلماء الذين آمنوا بهذه النظرية هم نقضوها نقضاً كلياً، وهناك أدلة، أدلة قاطعة أن هذه النظرية انتهت، لا عندنا كمسلمين، عندنا منتهية، انتهت عند علماء الغرب، لأن دارون قال: إن لم تُثبت العلوم نظريتي فهي باطلة، دارون صاحب النظرية تنبأ ببطلانها، لأنه كان يتصور أن الفأرة تأتي من خرق بالية، وأن الدود يأتي من تفسخ اللحم، وأن الضفدع يأتي من الوحل، شيء مضحك، لو رجعتم إلى كتاب أصل الأنواع لدارون لا تملك إلا أن تضحك، شيء سخيف جداً.
تمسك الناس بنظرية دارون مع إثبات بطلانها:
ثم إن هناك نقطة دقيقة، ما دام المخلوقات تطورت، التطور يقتضي وجود مخلوق مرحلي، من سمكة، إلى زاحفة، إلى ديناصور، إلى، إلى، فنظرية دارون تقتضي أن هناك مخلوقاً مرحلياً، بعد اكتشاف المستحاثات التي كُشفت قبل خمسمئة وثلاثين مليون عام وُجِد أن معظم المخلوقات والحيوانات عن طريق الأحافير هي نفسها اليوم، العلم لم يثبت وجود مخلوق مرحلي، أن تُخْلق الضفدع من الوحل شيء مضحك، وأن يُخلق الدود من اللحم المتفسخ شيء مضحك، وأن تُخْلق الفأرة من الخرق البالية شيء مضحك، وألا توجد في تاريخ البشرية عن طريق المستحاثات مخلوقات مرحلية هذا يُبطل هذه النظرية، هي نظرية باطلة، تحت الأقدام، بالدليل القطعي الذي ليس فيه كلمة واحدة من علماء المسلمين، من علماء الغرب الذين آمنوا بهذه النظرية.
السؤال: لماذا يتمسك الناس بهذه النظرية؟ في العالم كله الآن، في مناهج الجامعات كلها، في الموسوعات العلمية كلها، هناك سبب، لابدّ من التوضيح، إنسانان أرادا شراء سيارة، أحدهما اشترى والثاني لم يشترِ، سرت إشاعة في البلد أن هناك قانوناً يُخَفِّض الرسوم إلى النصف، الذي اشترى يُكَذِّب هذه الإشاعة من دون دليل، لأن تكذيبها يريحه، لأنه اشترى، والذي لم يشترِ يُصَدِّق هذه الإشاعة من دون دليل لأن التصديق يريحه، فهناك حالات كثيرة جداً الإنسان يصدق أو يكذب من دون دليل، لأن التصديق ليس له علاقة بالواقع، له علاقة براحته النفسية.
منطق العالم اليوم أن يبني مجده على أنقاض الشعوب:
لذلك لا يوجد نظرية تريح الطغاة كنظرية دارون، لا يوجد إله، ولا يوجد حساب، ولا يوجد عذاب، أيها الطاغية ابنِ مجدك على أنقاض الشعوب، دمِّر، اقتل، لا يوجد شيء، لا يوجد آخرة، ولا يوجد جنة، ولا يوجد نار، ولا يوجد إله يحاسب، والقوي يأكل الضعيف، والغني يأكل الفقير، وانتهى الأمر، هذا منطق العالم اليوم، منطق العالم أن تضربه حتى لا ينطق، كما ترون مليون قتيل بالعراق، مليون معاق، خمسة ملايين مشرد، والعالم كله مرتاح، لأنه لا أحد يؤمن أن هناك إلهاً سيحاسب.
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾
﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾
إيمان العالم اليوم بنظرية دارون مع أنها باطلة ليس إيماناً حقيقياً لكنه إيمان يريحهم:
ادّعاء العالم اليوم بجامعاته، ومؤسساته، وموسوعاته العلمية أن الإنسان تطور من كائن وحيد الخلية إلى إنسان معقد هذا الإيمان يريح المتفلتين، الآن مثلاً حتى إنسان يبيع المواد مغشوشة، ويحقق أرباحاً طائلة يحتاج إلى غطاء إيديولوجي، حضر درساً فالمتكلم في هذا الدرس قال:
(( عن أنس بن مالك: شفاعتي لأهل الكبائر مِنّ أمَّتي. ))
الحديث صحيح لكن له تفسير دقيق جداً، هو أخذه على ظاهره، مريح جداً الحديث،
(( عن أبي أيوب: لَوْلا أنَّكم تُذْنِبُون لذَهَبَ الله بِكُم، وخلق خَلْقا يُذْنِبُون. ))
هناك نصوص مريحة جداً، تجد الجاهل يتمسك بها، يتمسك بها ويؤذي الناس، فكل إنسان دون أن يشعر يحتاج إلى غطاء إيديولوجي، أوسع غطاء إيديولوجي للجريمة الإلحاد، لا يوجد إله، فلذلك إيمان العالم اليوم بنظرية دارون مع أنها باطلة، ومع أنها رُكلت بالأقدام، وعلى أنها تحت الأقدام ليس إيماناً حقيقياً، لكن إيمان يريحهم، هذا تفسير لماذا يتمسك العالم اليوم.
لكنني مرة قلت لطلابي: يا بني أنا مؤخراً آمنت بهذه النظرية، لكنها معكوسة؛ كان إنساناً فأصبح قرداً، ما معنى قرد؟ همه بطنه، ما معنى خنزير؟ همه فرجه، فالإنسان اليوم مُسِخ إلى قرد وخنزير، همه بطنه، وهمه فرجه، هذا الإنسان لا يوجد فيه قيم.
كنت أقول من باب الطرفة: الحياة من دون قِيم لا تعاش، الآن الحياة من دون مكيف لا تعاش، لأنه لم يَعُد هناك قيم إطلاقاً، الذي يجري في العالم شريعة الغاب، القوي يأكل الضعيف، لا يوجد حق، ولا يوجد منطق، ولا يوجد قيمة، ولا يوجد شيء، هناك سيناريو متقن أو غير متقن، هناك صفقة كبيرة أو صغيرة.
علة الخلق وعلة دوام الحياة علتان كبيرتان توجبان أن الله مالك كل شيء:
أيها الإخوة؛ الآية تقول:
﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ وعند الإمام البخاري من حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(( عن عمران بن الحصين إنِّي عِندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذ جاءَه قَومٌ مِن بَني تَميمٍ، فقال: اقبَلوا البُشرى يا بَني تَميمٍ، قالوا: بَشَّرتَنا فأعطِنا، فدَخَلَ ناسٌ مِن أهلِ اليَمَنِ، فقال: اقبَلوا البُشرى يا أهلَ اليَمَنِ، إذ لَم يَقبَلْها بَنو تَميمٍ، قالوا: قَبِلنا، جِئناكَ لنَتَفَقَّهَ في الدِّينِ، ولنَسألَكَ عن أوَّلِ هذا الأمرِ ما كانَ، قال: كان اللهُ ولَم يَكُنْ شيءٌ قَبلَه، وكان عَرشُه على الماءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ، وكَتَبَ في الذِّكرِ كُلَّ شيءٍ، ثُمَّ أتاني رَجُلٌ، فقال: يا عِمرانُ، أدرِكْ ناقَتَكَ فقد ذَهَبَت، فانطَلَقتُ أطلُبُها، فإذا السَّرابُ يَنقَطِعُ دونَها، وايمُ اللهِ لَودِدتُ أنَّها قد ذَهَبَت ولَم أقُمْ. ))
هذه كان تامة باللغة، نحن كان فعل ماض ناقص، معنى فعل ماض ناقص أي تربط التركيب إلى زمن معين، لا يوجد فيها معنى الحدث، الجو ممطر، هذا مسند ومسند إليه، مبتدأ وخبر، تقول: كان الجو ممطراً، فكان لم تعطِ معنى الحدث، أعطت معنى الزمن فقط، إذاً هي فعل ماض ناقص، لكن تأتي كان أحياناً تامة، فعل ماض تام، ((كانَ اللَّهُ)) بمعنى وجد الله، ولم يكن معه شيء،
(( عن أبي ذر: اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ، وأتبِعِ السَّيِّئةَ الحسَنةَ تَمْحُهَا، وخالِقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسنٍ . ))
[ الترمذي: حسن لغيره ]
نعرب كنت فعل ماض تام مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل، هنا: ((كانَ اللَّهُ ولم يكن شيءٌ قَبْلَهُ)) ، ((وكان عَرشُه على الماءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ، وكَتَبَ في الذِّكرِ كُلَّ شيءٍ)) .
العلة الثانية؛ لأن الله ملك كل شيء في عالم الشهادة والغيب دوام الحياة، فهو علة أخرى لاستحقاق المُلك، لأن الموت يوجب انتقال الملكية من جهة إلى جهة، الله عز وجل حيّ باق على الدوام، الوارث الباقي بعد فناء خلقه، فعلة الخلق وعلة دوام الحياة علتان كبيرتان توجبان أن الله مالك كل شيء أزلاً وأبداً، دنيا وآخرة، شهادة وغيباً.
من كان مع مالك الملك كان في أمن وبحبوحة:
معلوم أيها الإخوة؛ أن كل من على الأرض ميت، كما قال تعالى:
﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)﴾
وقوله أيضاً:
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57)﴾
ولما كانت الحياة وصفاً لذات الله عز وجل فالله عز وجل يقول:
﴿ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16)﴾
فإذا كنت أنت مع مالك المُلك، مع مالك الدنيا والآخرة، كنت في أمنٍ وبحبوحة، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ والآية التي قرأناها في دروس سابقة:
﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)﴾
التوحيد يمنح الإنسان العزة والشجاعة والراحة النفسية:
أيها الإخوة؛ أنت حينما تؤمن أن الله مالك المُلك، مالك الدنيا والآخرة، مالك عالم الغيب وعالم الشهادة، مصيرك إليه، وأمرك إليه، بيده رزقك، بيده حياتك، بيده التوفيق، بيده النصر، بيده النجاح، بيده التفوق، بيده السعادة، بيده الرضا، بيده كل شيء، هذا هو التوحيد، وهذه الكلمة أرددها كثيراً: ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾
أحد أكبر أسباب العذاب النفسي أن تتوهم أن مع الله إلهاً آخر، التوحيد يعطيك الراحة النفسية، التوحيد يعطيك الشجاعة، التوحيد يعطيك عزة النفس، التوحيد يبعدك عن أن تستجدي مديح الناس، التوحيد يجعلك متماسكاً، التوحيد يجعلك عزيزاً.
اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
[ ابن عطاء الله السكندري ]
أيها الإخوة؛ الإيمان له منعكس مريح جداً، لذلك:
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ ما قال: والشر، لأن إيتاء الملك خير، ونزعه خير، الإعزاز خير، والإذلال خير، لأن الله جلّ جلاله يُذِلّ ليعز، ويأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، ويخفض ليرفع، ويضر لينفع، هكذا أفعال الله عز وجل:
(( عن صهيب الرومي: عَجَبا لأمر المؤمن! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له، وليس ذلك لغير المؤمن. ))
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الملف مدقق