وضع داكن
23-04-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 076 أ - اسم الله المجيد 1
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
 

من أسماء الله الحسنى المجيد:


أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم المجيد.
المجيد اسم من أسماء الله الحسنى ورد في القرآن الكريم، وفي السنة، قال تعالى:

﴿ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73)﴾

[ سورة هود ]

وقال تعالى: 

﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾

[ سورة البروج ]

 

دقة اللغة العربية:


﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ إذاً هو اسم من أسماء الله الحسنى، و: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ قُرئت هكذا، إذاً هو صفة، حركة واحدة جعلت هذه الكلمة اسماً، وحركة أخرى جعلته صفة، اللغة العربية دقيقة جداً، أحياناً حركة واحدة تنقل الإنسان من الجنة إلى النار، الصحابي الجليل قبل أن يُقتل قال:

ولست أبالي حين أُقْتَل مسلماً              على أي جنب ألقى في الله مصرعي 

[ خبيب بن عدي الأنصاري ]

* * * 

إلى الجنة، أما إذا قُرئ هذا البيت:

ولست أبالي حين أَقْتُلُ مسلما ً              على أي جنب ألقى في الله مصرعي 

[ * * *  ]

إلى جهنم وبئس المصير، حركة واحدة تنقل إنساناً من الجنة إلى النار، أي كلمة تجارِب، جمع تجربة، هناك من يتفاصح ويقول: تجارُب، العدوى بالجرب فقط، التجارُب العدوى بالجرب، أما التجارِب جمع تجربة، حركة واحدة، يكتب الطبيب على البطاقة: أخصائي، أي الذي يُخصي، وصوابها: اختصاصي، هناك أخطاء شائعة في اللغة العربية كثيرة جداً، يقول أحدهم: أنا مُوَلّع بالمطالعة، المُولّع هو الثور الأحمر، ينبغي أن يقول: أنا مُوْلَعٌ بالمطالعة، حركة واحدة من مُطالِع إلى ثور، تقول: قِمة، وقُمة، إن قلت: قُمة من القمامة، وإن قلت: قِمة من الذورة.
 

الله عز وجل اختار اللغة العربية لتكون لغة كلامه:


الله عز وجل قال: 

﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)﴾

[ سورة التوبة ]

الإنسان قد يتوهم يتابع: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾ وَكَلِمَةَ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا المعنى فاسد، ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾ بعد أن كانت عليا، لكن لا يصح أن نقول، وَكَلِمَةَ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، ماذا كانت قبل ذلك؟ ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾ وقف، ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ دائماً، حركة واحدة تنقل الإنسان من الكفر إلى الإيمان، أو من الإيمان إلى الكفر، أو من الجنة إلى النار، أو من النار إلى الجنة، لغة عربية اختارها الله لتكون لغة كلامه،

(( عند البخاري من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه: يا رَسولَ اللهِ كيفَ نُصَلِّي عليك؟ فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: قولوا: اللهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ وأزواجِه وذُرِّيَّتِه كما صَلَّيتَ على آلِ إبراهيمَ، وبارِك على مُحَمَّدٍ وأزواجِه وذُرِّيَّتِه كما بارَكتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ. ))

[ صحيح البخاري ]

فمجيد من أسماء الله الحسنى.
 

معاني المجيد في اللغة:


الآن المجيد في اللغة من صيغ المبالغة على وزن فعيل، ماجد، مجيد، فعله مَجَد، يمجد، مجداً، وتمجيداً، الماضي، والمضارع، والمصدر، والمجيد هو الكريم الفِعال، وقيل: إذا جُمع في الإنسان شرف الذات إلى حُسن الفِعال سُمِّي مجيداً، وفعيل أبلغ من فاعل، فاعل قد يعني مرة واحدة، كاتب، قارئ.
إذاً المجيد هو الذي يجمع معنى الجليل، والوهاب، والكريم، عظيم، وهّاب، كريم، المجد المروءة والكرم، والسخاء والشرف، والفخر والحسب، والعِزة والرفعة، والمجد أيضاً الأخذ من الشرف والسؤدد ما يكفي، أي هناك بحياتنا أشخاص كُبراء، يقول له: أنت كبير، الكبير يكبر، ويكبر، ويكبر ولا نرى كبره فيتضاءل أمامه كل عظيم، وغير الكبير يصغر، ويصغر، ويصغر ولا نرى صغره فيتعاظم عليه كل حقير، تحس أحياناً إنساناً كبيراً، كبيراً بعلمه، كبيراً بأخلاقه، كبيراً بعفوه، كبيراً بتسامحه، كبيراً بعطائه، وأنا أرى الإنسان ليس له سقف، النبي عليه الصلاة والسلام إنسان واحد جاء إلى الدنيا وغادرها، ونشر الهدى في الآفاق، أينما ذهبت ترى مسلمين لهم مسجدهم، لهم أخلاقهم، لهم مبادئهم، لهم قيمهم، بفضل هذا الإنسان الأول الذي اصطفاه الله هادياً للناس ورحمة للعالمين.
ما الذي يمنع أن تكون كبيراً؟ ما الذي يمنع أن تكون رقماً صعباً؟ ما الذي يمنع أن تحمل همّ أمتك؟ ما الذي يمنع أن تكون في قلوب الخلق؟
 

من ارتقى مقامه عند الله اتسعت دائرة اهتماماته:


﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)﴾

[ سورة النحل ]

أمة، يوجد إنسان يأتي إلى الدنيا ويغادرها، همّه الوحيد أن يأكل، وأن يشرب، وأن يسكن في بيت، همومه صغيرة، إذاً هو رقم تافه لا معنى له، وهناك إنسان همّه كبير، همّه الإنسانية، وكلما علا مقام الإنسان اتسعت دائرة همومه، وهناك إنسان همّه أسرته فقط، هناك إنسان همّه أسرته الكبيرة، له ابن عم، له ابن أخت، يعانيان ما يعانيان، يحمل هذا الهم، وكلما ارتقى مقامك عند الله اتسعت دائرة همومك، وكلما ارتقى مقامك عند الله اتسعت دائرة رؤيتك، قل لي ما الذي يهمك أقل لك من أنت؟ هل يهمك أمر المسلمين؟ هل تتألم إن رأيت المسلمين في بعض أقطارهم يعانون ما يعانون؟ قتل، ونهب، وقهر، وإذلال، وأنت ما عندك مشكلة معافى، هل تقول: ما لي ولهم؟ لا، يمتحنك الله أحياناً حينما تطّلع على مأساة يعاني منها المسلمون وأنت لا تتأثر، كلما ارتقى مقامك عند الله اتسعت دائرة اهتمامك بل كلما ارتقى مقامك عند الله ازدادت مسؤوليتك عند الله.
أيها الإخوة؛ أحياناً تقرأ كتاباً تافهاً، ثمانمئة صفحة، قصة تنتهي من قراءتها تتثاءب وتنام، وأحياناً تقرأ كتيباً صغيراً، مقالة صغيرة تنتهي من قراءتها فتبدأ متاعبك، وضعك هذا الكتب أمام مسؤوليتك.
 

على كل مؤمن أن يؤمن بالله العظيم ويثني عليه:


أيها الإخوة؛ المجد: المروءة، والكرم، والسخاء، والشرف، والفخر، والحسب، والعزة، والرفعة، ولا تنسوا المرأة التي قالت: وا معتصماه، كيف ردّ عليها المعتصم، وقد قال بعض الشعراء: 

ربّ وامعتصماه انطلقت           ملء أفواه الــبنات اليتّـــم

لامست أسـماعهم لـكنها           لم تلامس نخوة المعتصـم

[ عمر أبو ريشة ]

* * *

فالمجد المروءة، والكرم، والسخاء، والشرف، والفخر، والحسب، والعزة. والرفعة.
الآن أمجده ومجّده أي عظّمه وأثنى عليه، والمؤمن يُمَجِّد الله عز وجل ويُعظّمه.

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33)﴾

[ سورة الحاقة ]

آمن بالله خالقاً، لكن ما آمن به عظيماً، العبرة أن تؤمن بالله العظيم.
 

تمجيد الله عز وجل وتعظيمه مهمة المؤمن الأساسية:


أيها الإخوة؛ لا تنسوا أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41)﴾

[ سورة الأحزاب  ]

الأمر علام ينصب؟ على الذكر الكثير، لأن المنافق يذكر الله، ولكن يذكره ذكراً قليلاً، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام أعطى مقاييس، قيل: برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله، وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده، وبرئ من الشح من أدى زكاة ماله، إذاً كما أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ قال: ﴿إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ تحت كلمة ﴿الْعَظِيمِ﴾ خط، أي الأمر يتعلق بأن تؤمن بالله العظيم، إبليس آمن بالله، قال ربي: 

﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82)﴾

[ سورة ص  ]

آمن به رباً وعزيزاً، آمن به خالقاً قال: 

﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)﴾

[ سورة الأعراف ]

آمن باليوم الآخر: 

﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14)﴾

[  سورة الأعراف  ]

ومع ذلك هو إبليس اللعين، ﴿إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ إذاً لا يصح إيماننا إلا إذا مجدنا ربنا وعظمناه، أمجده ومجده أي عظّمه وأثنى عليه، وتماجد القوم فيما بينهم ذكروا أمجادهم، هذا ما يتعلق باللغة. 
 

القرآن مجيد لأنه كلام الله وصفة الكلام من صفات الله العليا:


أما الله جلّ جلاله وصف في كتابه العزيز وصف قرآنه الكريم قال: 

﴿ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1)﴾

[ سورة ق ]

أي الله عز وجل قال: 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)﴾

[ سورة الأنعام ]

بآية ثانية:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1)﴾

[ سورة الكهف ]

كأن الكون كله في كفة، والقرآن المجيد في كفة.
أيها الإخوة؛ القرآن مجيد لأنه كلام الله، وصفة الكلام من صفات الله العليا، والقرآن كريم فيه الإعجاز والبيان، وفيه روعة الكلمات، وحسن المعاني، وفيه كمال السعادة للإنسان فهو كتاب مجيد، عظيم، رفيع الشأن.
 

المجيد سبحانه وتعالى هو الذي علا وارتفع بذاته:


الآن المجيد سبحانه وتعالى، الآن دخلنا في صلب الموضوع، المجيد سبحانه وتعالى هو الذي علا وارتفع بذاته، له المجد في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، مجْدُ الذات الإلهية بيّن في جمال الله،

(( عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قال رجل إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال: إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس.  ))

[ صحيح مسلم  ]

مجد الذات الإلهية بيّن في جمال الله، وسعته، وعلوه، واستوائه على عرشه، فعند مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله جميل يحب الجمال)) هذا مجد الذات، مجد الذات أنه جميل،

(( وروي أيضاً من حديث عن أبي موسى الأشعري: قامَ فِينا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بخَمْسِ كَلِماتٍ، فقالَ: إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ لا يَنامُ، ولا يَنْبَغِي له أنْ يَنامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهارِ، وعَمَلُ النَّهارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجابُهُ النُّورُ ، وفي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: النَّارُ، لو كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهَى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِن خَلْقِهِ. ))

[ صحيح مسلم  ]

نور:

﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35)﴾

[ سورة النور ]

هذا جمال الذات.
 

الله عز وجل عليّ بذاته على خلقه:


أما كيفية جمال الذات أمر لا يدركه أحد، عين العلم به عين الجهل به، وكل شيء خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، والعجز عن إدراك الإدراك إدراك، كيفية جمال الذات لا يعلمه إلا الله، وليس عند المخلوقين منه إلا ما أخبر به عن نفسه من كمال وصفه، سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، كمال وصفه وجلال ذاته وكمال فعله، ومن مجْد ذاته أنه استوى على العرش، فهو العلي بذاته على خلقه.

﴿ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7)﴾

[ سورة طه ]

في ملكه، وهو القائم عليهم والمحيط بهم، قال تعالى: 

﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)﴾

[ سورة طه ]

الاستواء معلوم، والكيف مجهول، وهناك آيات معدودة من الحكمة البالغة أن تُفوّض معناها إلى الله، الاستواء معلوم والكيف مجهول، الآن ثبت أن العرش أعلى المخلوقات، والله جلّ جلاله فوق ذلك محيط بالخلائق والكائنات، ويعلم ما هم عليه،

(( روى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فإذا سألتُم الله فاسألوه الفِرْدَوس، فإنه أوسطُ الجنة وأعلى الجنة، وفوقَه عرش الرحمن، ومنه تَفَجَّرُ أنهار الجنة. ))

[ صحيح البخاري ]


الله جلّ جلاله من كمال مجده أنه خصّ الكرسي بالذكر دون العرش:


ذكر الله جلّ جلاله: من كمال مجده الكرسي، خصه بالذكر دون العرش في أعظم آية في كتاب الله، فقال: 

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)﴾

[ سورة البقرة ]

لقد بيّن الله جلّ جلاله في كتابه الكريم من كمال وصفه وسعة ملكه لمن أعرض عن طاعته وتوحيده في عبادته أن مُلك من أشركوا لو بلغ السماوات السبع، ولو بلغ الأراضين كلها وما فيهن، وما بينهن، على عرضهن، ومقدارهن، وسعة حجمهن، لا يمثلن شيئاً في الكرسي الذي تحت قدم الملك، فما بالك بعرشه ومجده؟! وما بالك باتساع ملكه؟! أي هذا الإله العظيم ألا يُخطب وده؟ ألا تُرجى جنته؟ ألا تُتقى ناره؟

تعصي الإله وأنت تظهر حبه              ذاك لعمري في الــمقال شنيع

لـو كان حبك صادقا لأطعتــه              إنّ المـــحب لمن يحب يطيــع

[ الشافعي ]

* * *

 

عظمة الله عز وجل لا نهاية لها:


الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي هو الذي: 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41)﴾

[ سورة فاطر ]

﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي لا يُعجزه حفظهما، لأنه لا يقوى غيره على حفظهن، وإدارتهن حتى لو ادّعى لنفسه ملكهن، فالله من حلمه على خلقه أمسكهن بقدرته، وأبقاهن لحكمته لذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويُعبَد غيري، وأرزق ويُشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أُقَنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها،

(( ورد عند ابن حبان من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة. ))

[ ابن حبان: صحيح لطرقه: السلسلة الصحيحة ]

أي لا نهاية لعظمة الله،

(( وصحّ عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً أنه قال:  الكرسيُّ موضعُ القدميْنِ، والعرشُ لا يقدِرُ قدرَه إلا اللهُ تعالى. ))

[ ابن خزيمة: صحيح موقوف ]

 

المجيد وصف جامع لكل أنواع العلو التي يتصف بها الله عز وجل:


أيها الإخوة؛ أما مجد أوصافه، تحدثنا عن مجد ذاته، وعن مجد أفعاله، والآن عن مجد أوصافه، له علو الشأن، لا سَمِي له أي لا شبيه له، لا ندّ له، لا مثل له، ولا نظير، ولا شبيه له، ولا مثيل، فالمجد وصف جامع لكل أنواع العلو التي يتصف بها المعبود، فهو العلي العظيم، لأن أي معبود سواه إذا علا مجده بعض الخلق، وغلب على العرش، واستقر له الملك، فإنه مسلوب العظمة، أي عظيم سواه مسلوب العظمة في علوه إما لمرضه، الأقوياء يمرضون، والأقوياء ينامون، والأقوياء يموتون، أو لغلبة غيره على ملكه، أية عظمة في علو المخلوق وهو يعلم أن قدرته محدودة، وأيامه معدودة، أيستحق المخلوق أن يكون معبوداً؟ لأنه يموت، كل مخلوق يموت.
أيها الإخوة الكرام؛ من لوازم الإيمان أن نُمَجِّد الله سبحانه وتعالى، من لوازم الإيمان أن نذكر الله ذكراً كثيراً، من لوازم الإيمان أن نحبه حباً عظيماً، من لوازم الإيمان أن نخضع له، بل إن قمة لوازم الإيمان أن نعبده، والعبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تُفضي إلى سعادة أبدية.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور