الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى الواحد:
أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الواحد.
أيها الإخوة؛ ورد هذا الاسم الواحد في قوله تعالى:
﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48)﴾
وقال تعالى:
﴿ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22)﴾
وفي قوله تعالى:
﴿ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16)﴾
اقتران اسم الواحد باسم القهّار لأنه وحده قهر كلّ متكبر:
أيها الإخوة؛ في الأعمّ الأغلب يقترن اسم الله الواحد باسمه القهار، لأن علوه علو قهر، هو وحده:
﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)﴾
هو وحده:
﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107)﴾
هو وحده قهر كل متكبر، لذلك ما أهلك الله قوماً إلا ذكّرهم بأنه أهلك من هو أشدّ منهم قوة، إلا قوم عاد حينما أهلكهم قال:
﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15)﴾
أي قوم عاد ما كان فوقها إلا الله، ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ .
فيا أيها المؤمن؛ أنت حينما تعبد الواحد القهّار أنت أقوى الأقوياء، خالق السماوات والأرض، الواحد القهّار هو معك، وإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ أنت بالدعاء أقوى إنسان، وأنت إذا كنت مع الواحد القهّار أنت عزيز.
اجعل لربك كلّ عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
[ ابن عطاء الله السكندري ]
عاد نموذج للأمة الطاغية.
﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾
﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)﴾
لئلا تيأس أيها المؤمن، لئلا تتطامن، لئلا تَذِل، اعتز بالله، اعتز بالله الواحد القهّار.
الله عز وجل مع المؤمنين بالتأييد والنصر:
هذا الاسم ورد في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، وقد ورد مقترناً مع اسم القهّار، لأن علو الله جلّ جلاله علو قهر، قهر لمن؟ قهر للطغاة، قهر للظالمين، أما المؤمنون هو معهم.
﴿ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)﴾
هذه المعية معية التأييد، هذه المعية معية الحفظ، هذه المعية معية التوفيق، هذه المعية معية النصر، لذلك العلماء قالوا: هناك معية عامة، وهناك معية خاصة.
﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)﴾
هو مع الكافر، مع الظالم، مع الملحد، مع المتكبر، مع المعتدي، معه بعلمه، أما هو مع المؤمنين بتأييده، بنصره، بحفظه، بتوفيقه، ولا تنسوا أنه إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟
ورود اسم الواحد في السنة الصحيحة:
هذا الاسم ورد أيضاً في السنة الصحيحة،
(( فعند النسائي من حديث حنظلة بن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فإذا رجل قد قضى صلاته، وهو يتشهد، فقال: عن محجن بن الأدرع سمع رجلًا يقول في تشهُّدِه: اللهم إني أسألُكَ يا اللهُ الواحدُ الأحدُ الصمدُ، الذي لم يلد ولم يُولد، ولم يكن لهُ كُفُوًا أحدٌ أن تغفرَ لي ذنوبي، إنك أنتَ الغفورُ الرحيمُ، فقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: قد غُفِرَ لهُ قد غُفِرَ له. ))
[ أخرجه أبو داود: إسناده صحيح ]
والله عز وجل كما قال:
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾
(( عن أنس بن مالك: قال اللهُ تعالى: يا بنَ آدمَ! إِنَّكَ ما دَعَوْتَنِي ورَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لكَ على ما كان فيكَ ولا أُبالِي يا بنَ آدمَ! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنانَ السَّماءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لكَ ولا أُبالِي يا بنَ آدمَ! لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرضِ خطَايا ثُمَّ لَقِيْتَني لا تُشْرِكْ بِيْ شَيْئَا لأتيْتُكَ بِقِرَابِها مَغْفِرَةً. ))
وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا، وما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا، ففي الحديث الصحيح
(( عن أبي هريرة: إن الله يمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول نزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من سائل؟ هل من داع؟ حتى ينفجر الفجر. ))
هذا في الصحاح.
المؤمن له صلة مع الله، له ابتهاله، له دعاؤه، له تذلله، يُمرغ جبهته في أعتاب الله، هو يتذلل أمام ربه لكن الله يرفع قدره، لكن الله يُعِزه، يُعلي شأنه، يجعله عزيزاً، يُكسبه مهابة، إذا أعطاك الله مهابة هابك كل شيء، أما إذا نزع عنك المهابة تطاول عليك أقرب الناس إليك،
(( وقد روى البخاري من حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: عن أبي سعيد: أَيَعْجِزُ أحدُكُم أَن يقرأ ثُلث القرآن في ليلة؟ فشقَّ ذلك عليهم، وقالوا: أَيُّنا يُطيق ذلك يا رسولَ الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الله الواحد الصمد ثلثُ القرآن. ))
﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)﴾
هذه السورة القصيرة سورة الإخلاص بنص كلام النبي في صحيح البخاري تعدل ثلث القرآن،
(( وعند مسلم وأحمد من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ والسماوات وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، قلت: أين الناس يومئذ؟ قال عليه الصلاة والسلام: على الصراط. ))
الذكي من تكيف مع أخطر حدث في حياة الإنسان ألا وهو مغادرة الدنيا:
إخوتنا الكرام؛ بطولة الإنسان لا أن يعيش الماضي، ولا أن يعيش الحاضر، ولكن بطولة الإنسان أن يعيش المستقبل، أخطر حدث في المستقبل لنا جميعاً مغادرة الدنيا، هذه المغادرة كما قال علماء النفس في تعريف للذكاء جامع مانع: الذكاء هو التكيف، فأنت حينما تتكيف مع حدث قادم لابدّ منه فأنت أذكى الأذكياء، أنت الموفق، وأنت الفالح، وأنت الناجح، وأنت العاقل، وأنت الذكي، حينما تتكيف مع حدث مستقبلي لابدّ منه، هل يستطيع أحد أن يوقن أنه يستطيع أن يستيقظ كل صباح كاليوم السابق إلى ما شاء الله؟ مستحيل وألف ألف ألف مستحيل، لابدّ من بوابة الخروج، بوابة الخروج مرض الموت، مرض الموت يتفاقم، جميع الأمراض لها دواء،
(( عن أبي هريرة رضي الله عنه: ما أنْزَلَ اللَّهُ داءً إلَّا أنْزَلَ له شِفاءً. ))
إلا مرض الموت، مع الأنبياء يتفاقم، فإذا تفاقم المرض، وعجز الأطباء قالوا:
إن الــطبيب له علم يُدلّ بــــــــه إن كان للناس في الآجال تأخير
حتى إذا ما انتهت أيام رحلتـــــه حار الطبيب وخانته الــعقاقيــر
إن الــطبيب له علم يُدلّ بـــــــــــه إن كان للناس في الآجال تأخير
بشرط:
إن الــطبيب له علم يُدلّ بـــــــه إن كان للناس في الآجال تأخير
حتى إذا ما انقضت أيام رحلتـه حار الطبيب وخانته الــعقاقيـــر
من هو الذكي؟ هو الذي يتكيف مع أخطر حدث في حياة الإنسان، مغادرة الدنيا، من بيت فخم إلى قبر، من زوجة، وأولاد، وبنات، وأصهار، ولقاءات، وولائم، وسهرات، ورحلات، ونزهات، ولقاءات، إلى قبر، من مركبة فارهة إلى قبر، من مكتب تجاري فخم إلى قبر، لذلك الذكي:
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبــور جنــازة فاعـلم بأنـك بعدهـا محمـول
أي كما قرأت: بعض الصالحين حفر في صحن داره قبراً صغيراً، وكان يضطجع فيه كل خميس، ويتلو قوله تعالى:
﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)﴾
فيخاطب نفسه ويقول: قومي لقد أرجعناك.
معاني اسم الواحد في اللغة العربية:
الواحد في اللغة اسم فاعل، تحدثنا كثيراً عن أن هذه اللغة العربية من أرقى اللغات الإنسانية، ولكنها إذا ضعُفت فلضعف أهلها، ففي اللغة العربية مصدر كالجد، وفعل ماضٍ، وفعل مضارع، وفعل أمر، واسم فاعل، واسم مفعول، واسم زمان، واسم مكان، واسم آلة، واسم تفضيل، وصفة مشبهة باسم الفاعل، واسم الفاعل، هناك اسم فاعل ثلاثي، وهناك رباعي، وهناك مبالغة اسم الفاعل، أي لغة رائعة جداً لكنها ضعُفت بضعف أهلها.
فالواحد اسم فاعل على وزن فاعل، للموصوف بالوحدانية أو الواحدية، وحّده توحيدياً جعله واحداً، والواحد أول أرقام الحساب، واحد، اثنان، ثلاثة، وهو يدل على الإثبات، في البيت رجل واحد، في الإثبات، لكن: دخلت البيت فما رأيت فيه من أحد، أحد للنفي، واحد للإثبات.
والواحد هو الله سبحانه وتعالى، القائم بنفسه، المنفرد بوصفه، الذي لا يفتقر إلى غيره، يحتاجه كل شيء في كل شيء، ولا يحتاج إلى شيء، الذي لا يفتقر إلى غيره أزلاً وأبداً، وهو الكامل في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، الكامل في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي أفعاله، هو سبحانه وتعالى كان ولم يكن معه شيء، لا شيء قبله، ولا شيء بعده، ومازال بأسمائه وصفاته واحداً أولاً قبل خلقه، وجود المخلوقات لم يزده كمالاً كان مفقوداً، أو يزيل نقصاً كان موجوداً، فالوحدانية قائمة على معنى الغنى بالنفس، والانفراد بالكمال، وبكمال الوصف.
قال ابن الأثير: الواحد في أسماء الله تعالى هو الفرد الذي لم يزل وحده، ولم يكن معه آخر.
أيها الإخوة؛ من منسياتكم أن العدد يأخذ معنيين، معنىً كمياً، ومعنىً نوعياً، فإذا قلت، جاء أربعة رجال، كمياً أربعة، واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، فإذا قلت: هذا الطالب ترتيبه في الصف الرابع، هو واحد، لكن تسلسل نجاحه كان الرابع، فالرابع المعنى النوعي للعدد، أما أربعة طلاب المعنى الكمي.
الله عز وجل واحد لا شريك له أحد لا مثيل له:
الآن إذا قلنا: الله واحد، أي لا شريك له، فإذا قلنا: الله أحد، أي لا مثيل له، فرق دقيق، واحد تعني المعنى الكمي، واحد لا شريك له، أما أحد تعني المعنى النوعي، أي لا مثيل له، واحد لا شريك له، أحد لا مثيل له، هو جلّ جلاله واحد أحد، فرد صمد،
﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ*وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (( روى البخاري من حديث عمران رضي الله عنه: إنِّي عِنْدَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذْ جَاءَهُ قَوْمٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ، فَقالَ: اقْبَلُوا البُشْرَى يا بَنِي تَمِيمٍ، قالوا: بَشَّرْتَنَا فأعْطِنَا، فَدَخَلَ نَاسٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ، فَقالَ: اقْبَلُوا البُشْرَى يا أهْلَ اليَمَنِ، إذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ، قالوا: قَبِلْنَا، جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ في الدِّينِ، ولِنَسْأَلَكَ عن أوَّلِ هذا الأمْرِ ما كَانَ، قالَ: كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شيءٌ قَبْلَهُ، وكانَ عَرْشُهُ علَى المَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأرْضَ، وكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّ شيءٍ، ثُمَّ أتَانِي رَجُلٌ، فَقالَ: يا عِمْرَانُ أدْرِكْ نَاقَتَكَ فقَدْ ذَهَبَتْ، فَانْطَلَقْتُ أطْلُبُهَا، فَإِذَا السَّرَابُ يَنْقَطِعُ دُونَهَا، وايْمُ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أنَّهَا قدْ ذَهَبَتْ ولَمْ أقُمْ. ))
وقال تعالى:
﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51)﴾
الآن الإنسان يتطاول على الله، يقول لك: كان هناك كائن وحيد الخلية، تطورت، تطورت، تطورت فأصبحت إنساناً، ويلغي أن أصل البشر سيدنا آدم وأمنا حواء، لكن مرة ذكرت كلمة صُعِق من حولي، قلت لهم: أنا مؤخراً آمنت بنظرية دارون، لكنها معكوسة، كان إنساناً فأصبح قرداً، ألم يقل الله عز وجل عن بعض الأقوام التي غضِب الله عليها مسخهم:
﴿ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166)﴾
وخنازير، المعنى الواسع في هذه الآية أن القرد همه بطنه، وأن الخنزير همه فرجه، فإذا كان الإنسان يهتم بطعامه وشرابه والجنس فهو قرد وخنزير، ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ما كانوا معي ﴿وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ .
الله عز وجل وحده منفرد بالملك وليس لأحد في ملكه شرك:
هو سبحانه وحده الذي خلق الخلق بلا معين، ولا ظهير، ولا وزير، ولا مشير، فإنه وحده المنفرد بالملك، وليس لأحد في ملكه شرك كما قال تعالى:
﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22)﴾
يحتاجه كل شيء في كل شيء، ولا يحتاج إلى شيء، لا شيء قبله، ولا شيء بعده، بالمناسبة من بديهيات الأمور أنه لا يجوز أن يكون في السماوات والأرض آلهة متعددون، بل لا يكون الإله إلا واحداً، وهو الله جلّ جلاله، ولا صلاح للسماوات والأرض بغير الوحدانية، فلو كان للعالم إلهان، ربان، معبودان لفسد النظام.
والآن بأي شركة، بأي مؤسسة، بأي دائرة، بأي وزارة، بأي جامعة، بأي مستشفى هناك مئات الموظفين، لكن في النهاية هناك قرار بيد واحد هو المدير العام، الطائرة يوجد قبطان، ويوجد مساعد قبطان، ولكن في الأزمات القرار للقبطان، قال تعالى:
﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22)﴾
التوحيد والتقوى فحوى دعوة الأنبياء جميعاً:
إخوتنا الكرام؛ التوحيد مشتق من الواحد، يقول لك: التوحيد، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، التوحيد هو الدين، التوحيد مشتق من الواحد، وكل مؤمن يعلم علم اليقين أنه ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، وأن نهاية العلم التوحيد، وأن نهاية العمل التقوى، فمن وحّد الله وأطاعه فقد حقق الهدف من وجوده، فلذلك هل تصدقون أن فحوى دعوة الأنبياء جميعاً من دون استثناء كلمتان: التوحيد والتقوى.
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾
الآن فحوى دعوة الأنبياء جميعاً ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ التوحيد عقيدة، وهو نهاية العلم، والعبادة نهاية العمل، وحينما توحده وتعبده حققت الهدف من وجودك.
التوحيد توحيدان توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية:
أيها الإخوة؛ التوحيد هو الدين، أن تؤمن بأن الله خالق السماوات والأرض هذا الإيمان آمن به إبليس، قال ربي:
﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82)﴾
أما الدين هو التوحيد، ألا ترى مع الله أحداً، ألا ترى إلا يد الله تعمل وحدها، التوحيد أن ترى أن الله وحده هو المعطي، وهو المانع، وهو الرافع، وهو الخافض، وهو المُعِز، وهو المُذل، وهو الموفق، لكن لابدّ من تفصيل، التوحيد عند بعض العلماء توحيدان؛ توحيد ربوبية، وتوحيد ألوهية، توحيد الربوبية أن تشهد أن الله سبحانه وتعالى واحد في ملكه، وهو الذي خلق، ورزق، وأعطى، وهو الذي منع، وهو الذي رفع، وهو الذي خفض، وهو الذي قبض، وهو الذي بسط، وهو الذي أعزّ، وهو الذي أذلّ، هذا توحيد الربوبية، لا رازق، ولا معطي، ولا محيي، ولا مميت، ولا مدبر لأمر الكون كله ظاهراً وباطناً إلا الله، ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن، ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا يحدث حادث إلا بعلمه، ولا تسقط من ورقة إلا يعلمها:
﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)﴾
و:
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3)﴾
إلا أحصاها، أحاط بها علمه، وأحاطت بها قدرته، ونفذت فيها مشيئته، واقتضتها حكمته، فتوحيد الربوبية أن تؤمن أنه الواحد في تدبيره وفي ملكه، هذه الربوبية.
أما توحيد الألوهية أن تعبده وحده، ولا تعبد أحداً سواه، وألا ترى له نداً، ولا مدبراً، ولا معطياً، ولا مانعاً إلا هو، توحيد الربوبية رؤية، وتوحيد الألوهية أن تعبده وحده، والدين رؤية وعمل، عقيدة وسلوك، علم وعمل، هذا هو الدين، توحيد الربوبية أن ترى أنه المدبر الأوحد، وتوحيد الألوهية أن تعبده وحده.
الله سبحانه وتعالى واحد في ذاته وصفاته وأفعاله:
لذلك أيها الإخوة؛ نحن أمام حقيقتين، حقيقة أن نشهد أن الله واحد في ذاته، واحد في صفاته، واحد في أفعاله، وأنه الخالق والرازق والممد والمحيي والمميت، وأنه المعطي والمانع، والرافع والخافض، والقابض والباسط، وهو على كل شيء قدير، والتوحيد ألا تشهد مع الله إلهاً آخر، هذه كلمة تُلقى، وفكرة تُسمع وتُدرك، لكن شتان بين أن تدرك هذه الكلمات بعقلك، وبين أن تفهمها وأن تعيشها بنفسك.
فيا أيها الإخوة الكرام؛ خلاصنا في التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، والتوحيد يلخص كل شيء.
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ﴾
أحد أكبر أسباب عذاب الإنسان أن يدعو مع الله إلهاً آخر عن علم، أو عن غير علم.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الملف مدقق