وضع داكن
01-04-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 070 أ - اسم الله الودود 1
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  من أسماء الله الحسنى الودود:


أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الودود.
 

ورود اسم الودود في القرآن الكريم فقط:


هذا الاسم أيها الإخوة؛ ورد معرفاً ومنوّناً، معرف بألف ولام، منون على صيغة نكرة، في قوله تعالى:

﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾

[ سورة البروج ]

وورد أيضاً في قوله تعالى:

﴿ وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90)﴾

[ سورة هود ]

ولم يرد هذا الاسم في السنة إلا في سرد الأسماء الحسنى عند الترمذي، وهذه الأسماء من إدراج الوليد بن مسلم كما تقدم.
 

المعنى اللغوي لكلمة ودود:


الآن المعنى اللغوي للـودود، الودود من صيغ المبالغة، وتعلمنا كثيراً أن صيغ المبالغة تعني مبالغة كم، ومبالغة نوع، مودة الله عز وجل لعباده كبيرة جداً، ومتنوعة جداً، من حيث النوع، ومن حيث العدد، ودَّ الشيء وُدّاً، ووِدّاً، ووَدّاً، العلماء تسمي هذه الكلمات التي تأتي على حركات ثلاثة كلمات مثلثة، كأن تقول: مُصحف، ومِصحف، ومَصحف، وكل هذه الصيغ صحيحة، نقول: هذه كلمة مثلثة، تأتي على حركات ثلاثة بمعنى واحد، لكن هناك كلمات وهذا من دقة اللغة العربية مثلثة، ولكن كل حركة لها معنى، قَدُم: أصبح قديماً، قَدِم: حَضَر، قَدَم: سبقه بقدمه، خُلُق: من الأخلاق، خَلِق: من الاهتراء، خَلْق: من البنية، خَلْق، وخُلُق، وخَلِق، بَر: اليابسة، بُر: القمح، بِر: الإحسان، من دقة اللغة العربية كل حركة من حركات الكلمة تعني شيئاً، فهناك كلمات مثلثة معناها واحد، وهناك كلمات مثلثة ذات معان ثلاث.
أيها الإخوة؛ إذاً ودَّ الشيء، المصدر وُدّاً، ووِدّاً، ووَدّاً، بالتثليث.
 

الودود من صيغ المبالغة وهي كلمة مثلثة معناها واحد؛ من معانيها:  


1 ـ التمني:

المعنى الأول: التمني:

﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)﴾

[ سورة البقرة ]

أي إنسان يعتني بصحته عناية فائقة، جيد، جيد جداً، لكن لو أنه مقيم على معصية مهما عمّر لابد من الوفاة، كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والـــجبروت.

والليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر     والعمر مهما طال فلابد من نزول القبر

[ صالح بن محمد بن عبد الله ]

* * *

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته          يوماً على آلة حدباء محمول

فإذا حملت إلى القبــور جنــازة          فاعـلم بأنـك بعدهـا محمـول

[ كعب بن زهير ]

* * *

إذاً: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ .

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)﴾

[ سورة الغاشية ]

﴿ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15)﴾

[ سورة الزمر ]

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)﴾

[ سورة الكهف ]

المعنى الأول: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ أي يتمنى أحدهم، من التمني. 

2 ـ المحبة:

المعنى الثاني: الودّ بمعنى المحبة كما في قوله تعالى:

﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)﴾

[ سورة المجادلة ]

هذا المعنى في هذه الآية ينقلنا إلى ما يسمى بالولاء والبراء، فالمؤمن الصادق بل من لوازم إيمانه أنه يوالي المؤمنين، ولو كانوا فقراء وضعفاء، والمؤمن الصادق ومن لوازم إيمانه أنه يتبرأ من الكفرة، والضالين، والمشركين ولو كانوا أقوياء وأغنياء، إلى من تنتمي أنت أيها المؤمن؟ تنتمي إلى أهل الإيمان، إذاً المعنى الثاني من معاني الودّ الولاء والبراء أي الحب، ﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ . 

3 ـ المعية والمرافقة والمصاحبة:

الودّ أيضاً في اللغة قد يأتي على معنى المعية، والمرافقة، والمصاحبة، هذا معنى ثالث، كلازم من لوزام المحبة، إن أحببت إنساناً رافقته، صاحبته، كنت معه، كنت كظله، من المعاني الفرعية الناتجة عن الحب الملازمة، فلذلك المعنى دقيق جداً ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم

(( في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن دينار: عن عبد الله بن عمر: أنَّهُ كانَ إذَا خَرَجَ إلى مَكَّةَ، كانَ له حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عليه إذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ، وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بهَا رَأْسَهُ، فَبيْنَا هو يَوْمًا علَى ذلكَ الحِمَارِ، إذْ مَرَّ به أَعْرَابِيٌّ، فَقالَ: أَلَسْتَ ابْنَ فُلَانِ بنِ فُلَانٍ؟ قالَ: بَلَى، فأعْطَاهُ الحِمَارَ، وَقالَ: ارْكَبْ هذا، وَالْعِمَامَةَ، قالَ: اشْدُدْ بهَا رَأْسَكَ، فَقالَ له بَعْضُ أَصْحَابِهِ: غَفَرَ اللَّهُ لكَ! أَعْطَيْتَ هذا الأعْرَابِيَّ حِمَارًا كُنْتَ تَرَوَّحُ عليه، وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بهَا رَأْسَكَ، فَقالَ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يقولُ: إنَّ مِن أَبَرِّ البِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ، وإنَّ أَبَاهُ كانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ. ))

[  صحيح مسلم ]

 

من فضل الله على الإنسان أنه يسمح له بأن يكون باراً بوالديه بعد موتهما:


مرة شخص سأل النبي عليه الصلاة والسلام وقد توفي والداه: ماذا بقي عليّ من برّ والدي بعد موتهما؟ قال: أربعة أشياء، أن تدعو لهما، الدعاء أثناء صلاة الجنازة، وأن تستغفر لهما، ربي اغفر لي ولوالدي، وأن تُنْفذ عهدهما، قبل أن يموت الأب عهد إلى أولاده شيئاً، أن تنفذ عهدهما، وأن تصِل صديقهما، وأن تصِل الرحم التي لم يكن لها صلة إلا بهما، فهذا الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما، أي من فضل الله عز وجل أتاح الله للابن أن يكون باراً بوالديه بعد موتهما حينما يصِل الرجل أهل ودّ أبيه، حينما يُنفذ عهد أبيه، حينما يصلي على أبيه صلاة الجنازة، حينما يدعو له في كل صلاة، هذه من مسلكيات البر بعد الموت.
 

الله عز وجل ودود يُحِبّ رسله وأولياءه ويتودد إليهم بالنعم التي أحاطهم بها:


أيها الإخوة؛ اسم الودود اسم له خصوصية، الآن الله عز وجل ودود كيف؟ قال: الودود هو الذي يُحِبّ رسله، وأولياءه، ويتودد إليهم، الله عز وجل كيف يتودد إليك؟ هو غني عنا جميعاً،

(( عن أبي ذر الغفاري: لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنسَكم وجِنَّكم كانوا على أفجرِ قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم كانوا على أتْقَى قلب رجل واحدِ منكم ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ، ذلك لأن عطائي كلام، وأخذي كلام، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ. ))

[  صحيح مسلم ]

أيها الإخوة؛ الله عز وجل ودود، يتودد إلينا بهذه النعم التي أحاطنا بها، أي بشكل أو بآخر الله عز وجل ودود أي تودد إلى عباده بالنعم التي هم فيها، أي نعمة الألوان، هناك مخلوقات لا ترى إلا الأبيض والأسود، أحياناً صورة أبيض وأسود لا تعجبك أما ملونة، وهناك ألوان زاهية أحياناً، أعطاك الألوان، أعطاك اللون الأخضر، وقد يغطي مساحات شاسعة، جعل السماء زرقاء، جعل البحر أزرق اللون، في البيت طفل صغير ممتلئ حيويةً وجمالاً وروعةً وبهاءً، أليس هذا من الود؟ كل النعم التي يتمتع بها الإنسان تندرج تحت اسم الودود.
 

من أحبّ الله وأحسن إلى عباده أحبه الله عز وجل:


الودود إذاً هو الذي يحب رسله، وأولياءه، ويتودد إليهم، أي تأكد أنك إذا كنت مستقيماً على أمر الله، تأكد أنك إذا خطبت ودّ الله، تأكد أنك إذا أحسنت إلى العباد الله يحبك، والله مرة سمعت كلمة من متكلم في عقد قران روى حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخاطب النبي به معاذ قال:

(( عن معاذ بن جبل: واللهِ يا معاذُ إني لأُحبُّك. ))

[ صحيح أبي داود ]

أي شيء لا يُقَدّر بثمن أن يحبك رسول الله، أو أن يحبك المؤمنون، أو أن يحبك الله عز وجل.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)﴾

[  سورة المائدة ]

 بل إن الله أراد أن تكون العلاقة بينه وبين عباده علاقة حب، علاقة محبوبية لهذا قال:

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)﴾

[ سورة البقرة  ]

يريدك أن تأتيه محباً، طائعاً، برغبة منك، بمبادرة منك، من دون قهر، من دون إكراه.
 

من أحبه الله ألقى محبته في قلوب الخلق جميعاً:


لذلك الله ودود أي يُحِبّ عباده، كيف يحبهم؟ يرضى عنهم، كيف يحبهم؟ يغفر لهم، كيف يحبهم؟ يرحمهم، كيف يحبهم؟ يتوب عليهم، كيف يحبهم؟ يستجيب دعاءهم، كيف يحبهم؟ يتقبل أعمالهم، وكيف يحبهم؟ يوددهم إلى خلقه، أي إذا أحبك الله ألقى محبتك في قلوب الخلق، فهو ودود، إذا أحبك الله جعل الخلق يحبونك، هذا من نعم الله الكبرى.
 لذلك لا تتوهم أن الخلق إذا أحبوك بجهدك، وبذكائك، وبحنكتك، لا، ألقى الله في قلوب الخلق محبتك، إذا أحبّ الله عبداً ألقى محبته في قلوب الخلق، والدليل قوله تعالى:

﴿ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)﴾

[ سورة طه ]

ألقيت عليك محبة في قلوب الخلق مني، أنا السبب، وأحياناً الله عز وجل يُلقي بغض إنسان في قلوب الخلق، لا أحد يحبه، يكون على مستوى عالٍ من الذكاء، من الجمال، من المال، من القوة، لا يُحَب، أن يحبك الناس هذا أكبر عطاء من الله عز وجل.

  الله عز وجل يتودد إلى عباده بالمغفرة والتوبة واستجابة الدعاء:


إذاً الله ودود يُحِب رسله، يُحِب أولياءه، يتودد إليهم بالمغفرة، بالتوبة، باستجابة الدعاء، يرضى عنهم.

﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18)﴾

[ سورة الفتح ]

أي أنت حينما تكون مستقيماً على أمر الله من فضل الله عليك أنه يُلقي في روعك أنه يحبك، هذا الشعور لا يعرفه إلا من ذاقه، أنت عملك طيب، دخلك حلال، بيتك منضبط، أولادك ربيتهم تربية عالية، بناتك محجبات، البيت إسلامي، الدخل إسلامي، الإنفاق إسلامي، النشاط إسلامي، المحبة لله ورسوله، عندئذٍ الله يحبك، يُلقي في روعك أني أحبك، وإذا أحبك الله وصلت إلى كل شيء، ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحبّ إليك من كل شيء.
 

المؤمن الصادق يجتمع في قلبه تعظيم لله وحبّ له وخوف منه:


أيها الإخوة؛ الآن يوددهم إلى خلقه، يُحبب خلقه بهم، معنى الودود، موقف المؤمن الموقف الذي يليق به أن يُحبب الله إلى عباده، كما أن الله يحبب المؤمنين إليك، أيضاً موقفك الأخلاقي أن تحبب الله إلى عباده، ورد في الأثر أن أحد أنبياء الله عز وجل قال: يا رب أي عبادك أحبّ إليك حتى أحبه بحبك؟ فقال: أحبّ عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أي ما فكر إطلاقاً أن يسيء لإنسان، بل لمخلوق، أحبني، جيد، وأحبّ من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك فكيف أُحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي، أنت إن ذكرت الناس بنعماء الله تُحَبب الله إلى عباده، وإن ذكرتهم ببلاياه، بالبلاء، والشدة، تُخوفهم أن يعصوه، وأنت إن ذكرتهم بآلائه العظيمة يُعظموه، إذاً لابدّ من أن يجتمع في قلب المؤمن تعظيم، وحبّ، وخوف.
 

من شعر أن الله عز وجل يؤثره ويحبه شعر بنشوة عظيمة لا تقدر بثمن:


الآن الآية الكريمة وهي من أروع الآيات:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96)﴾

[ سورة مريم ]

ما قولك؟ المودة مع من؟ مع خالق السماوات والأرض، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ أن تشعر بمودة مع الله عز وجل، أن تشعر أن الله يحبك، أن تشعر أن الله يؤثرك، الدعاء الشريف: اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا ، أنت حينما تشعر أن الله يؤثرك، ويحبك، ويعطيك، هذه نشوة ما بعدها نشوة.
 

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً: من معاني هذه الآية:

 

1 ـ شعور الإنسان بمودة عظيمة بينه وبين الله عز وجل:

لذلك المعنى الأول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ فيما بينهم وبين الله، تحس بمودة، بالتعبير الدارج أنت غالٍ على الله. 

2 ـ شعور الإنسان بمودة عظيمة بينه وبين المؤمنين:

هناك معنى آخر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ فيما بينهم، يوجد مودة بين المؤمنين لا يستطيع شيء في الأرض أن يقوضها.

﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)﴾

[ سورة الأنفال ]

 

من علامة إيمان المؤمن أنه يُحِبّ الله ويُحِبّ المؤمنين:


من علامة إيمانك أنك تحب المؤمنين، أنك تُضحي من أجلهم، أنك تُؤثرهم على كل شيء، علامة الإيمان الحب بين المؤمنين، وعلامة النفاق بغض المؤمنين.

﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50)﴾

[ سورة التوبة ]

اجعل هذا مقياساً لك، أي إذا أخوك المؤمن أخذ شهادة عليا تتألم؟ إن تألمت علامة نفاق، إذا أخوك المؤمن تزوج زوجة صالحة تنزعج؟ علامة نفاق، إذا أخوك المؤمن أسس عملاً ونجح هذا العمل، فالمؤمن إذا قَوِي قوته للمؤمنين، إذا اغتنى غناه للمؤمنين، إذا تفوق تفوقه للمؤمنين، فهذا مقياس دقيق، علامة إيمانك أنك تفرح لكل مؤمن بعطاء الله له، أما إذا تألمت بادرة غير طيبة إطلاقاً هي علامة نفاق حينما يقول الله عز وجل:

﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)﴾

[ سورة آل عمران ]

أي:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)﴾

[ سورة النور ]

يا لطيف، ما فعل شيئاً، ما تكلم كلمة، ما تحرك، ما غمز، ما لمز أبداً، لكن ارتاح، لما الله دمّر إنساناً، والإنسان محسوب مؤمن ارتاح، هذا شعور مخيف أن تتمنى أن يُدمّر المؤمنون، أن تتمنى ألا ينتصر المؤمنون، أن تتمنى أن يكون المؤمنون فقراء، ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ لذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ فيما بينهم،

(( في البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنَّ اللَّهَ إذا أحَبَّ عَبْدًا دَعا جِبْرِيلَ فقالَ: إنِّي أُحِبُّ فُلانًا فأحِبَّهُ، قالَ: فيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنادِي في السَّماءِ فيَقولُ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فأحِبُّوهُ، فيُحِبُّهُ أهْلُ السَّماءِ، قالَ: ثُمَّ يُوضَعُ له القَبُولُ في الأرْضِ، وإذا أبْغَضَ عَبْدًا دَعا جِبْرِيلَ فيَقولُ: إنِّي أُبْغِضُ فُلانًا فأبْغِضْهُ، قالَ فيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنادِي في أهْلِ السَّماءِ إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلانًا فأبْغِضُوهُ، قالَ: فيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ له البَغْضاءُ في الأرْضِ. ))

[ صحيح البخاري ]

قَبِله الناس، أحبّ الناس كلامه.
 

الله عز وجل مع الصادقين بالتوفيق والتأييد والنصر والحفظ:


ابن عباس يُعَرِّف الودود بأنه الحبيب، المجيد، الكريم، الآن الله عز وجل ودود لأنه يؤيد رسله، ينصرهم، وعباده الصالحين بمعيته الخاصة، قال تعالى:

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)﴾

[ سورة الحديد ]

معية عامة، الله مع الكافر، مع الملحد، مع المجرم، بعلمه، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ بعلمه أما:

﴿ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)﴾

[ سورة الأنفال ]

﴿ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)﴾

[ سورة البقرة ]

إن الله مع الصادقين، أي معهم بالتوفيق، معهم بالنصر، معهم بالتأييد، معهم بالحفظ، إذا كنت مع الله كان الله معك، وإذا كان الله عليك فمن معك؟ وإذا كان معك فمن عليك؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟ الله عز وجل ودود، يؤيد رسله وعباده الصالحين بمعيته الخاصة، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ مع الصادقين، أي معهم بالحفظ، بالتأييد، بالنصر.
فلا يُخَيب رجاءهم، ولا يَرُدّ دعاءهم، وهو عند حُسن ظنهم به، وهو الودود لعامة خلقه بواسع كرمه، وسابغ نعمه، يرزقهم، الآن عامة الخلق يرزقهم، يؤخر العقاب عنهم، لعلهم يرجعون إليه.
 

الله سبحانه وتعالى هو وحده من يستحق أن تعبده وأن تحبه:


قال ابن القيم: أما الودود ففيه قولان؛ أحدهما أنه بمعنى فاعل، الذي يُحب أنبياءه ورسله والمؤمنين، والثاني-دقق هذا معنى جديد-والثاني بمعنى مودود أي محبوب، أي أن الله سبحانه وتعالى هو وحده يستحق أن تعبده، ويستحق أن تحبه، هو أهل لمحبتك، وأن يكون أحبّ إلى العبد من سمعه، وبصره، وجميع محبوباته.
لذلك أيها الإخوة؛ ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ* ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ*فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ يحبك، ويتودد إليك فينبغي أن تحبه، وأن تتودد إليه بالأعمال الصالحة لخدمة خلقه.
 

الدين هو اتصال بالله وإحسان إلى المخلوق:


المؤمن من خصائصه أنه يُحِبّ الله، ويُحسن إلى خلقه، وسيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام في القرآن ورد:

﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31)﴾

[ سورة مريم ]

لخص بكلمتين حقائق الدين؛ اتصال بالله، وإحسان إلى المخلوق، ﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً﴾ .

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور