وضع داكن
22-08-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 094 أ - اسم الله المؤخر 1
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
 

من أسماء الله الحسنى المُؤخِّر:


أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم المُؤخِّر.
 

ورود اسم المُؤخِّر في السنة النبوية:


هذا الاسم كالاسم السابق المُقدِّم لم يرد في القرآن الكريم، ولكن النبي عليه أتمّ الصلاة والتسليم سمّى ربه به، فقد ورد في السنة الصحيحة في قوله صلى الله عليه وسلم في دعاء التهجد:

(( عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا قامَ مِنَ اللَّيلِ يَتَهَجَّدُ قال: اللهُمَّ لكَ الحَمدُ أنتَ قَيِّمُ السَّمَواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ، ولَكَ الحَمدُ لكَ مُلكُ السَّمَواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ، ولَكَ الحَمدُ أنتَ نورُ السَّمَواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ، ولَكَ الحَمدُ أنتَ مَلِكُ السَّمَواتِ والأرضِ، ولَكَ الحَمدُ، أنتَ الحَقُّ ووعدُكَ الحَقُّ، ولقاؤُكَ حَقٌّ، وقَولُكَ حَقٌّ، والجَنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ، والنَّبيُّونَ حَقٌّ، ومُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَقٌّ، والسَّاعةُ حَقٌّ، اللهُمَّ لكَ أسلَمتُ، وبكَ آمَنتُ، وعليك تَوكَّلتُ، وإليكَ أنَبْتُ، وبكَ خاصَمتُ، وإليكَ حاكَمتُ، فاغفِرْ لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسرَرتُ وما أعلَنتُ، أنتَ المُقدِّمُ، وأنتَ المُؤَخِّرُ، لا إلَهَ إلَّا أنتَ -أو: لا إلَهَ غَيرُكَ- قال سُفيانُ: وزادَ عبدُ الكَريمِ أبو أُمَيَّةَ: ولا حَولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ، قال سُفيانُ: قال سُلَيمانُ بنُ أبي مُسلِمٍ: سَمِعَه مِن طاوُسٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما، عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.))

[ صحيح البخاري ]

 

ورود اسم المؤخر كوصف فعل في القرآن الكريم:


لكن ورد هذا الاسم كوصف فعل في القرآن الكريم في قوله تعالى: 

﴿ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10)﴾

[ سورة المنافقون ]

طبعاً الاشتقاق من الفعل مرجعيته إلى النص الأصلي في تسمية النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنتَ المُقَدِّمُ، وأنت المؤخِّرُ)) وليس إلى اجتهادي الشخصي، فدور العلماء حيال الأسماء الحسنى الجمع والإحصاء ثم الحفظ والدعاء، وليس الاشتقاق والإنشاء، ولهذا فإن اسم المُؤخِّر ثابت في السنة الصحيحة.
 

المُؤَخِّر في اللغة:


أما في اللغة فالمُؤخِّر عكس المُقدِّم، قدّم وأخّر، لذلك يوجد باللغة ظاهرة اسمها التطابق، وهناك التعاكس، الليل والنهار، الحق والباطل، الخير والشر، هذا من باب ذكر الشيء ونقيضه، فالله عز وجل يُقدِّم ويُؤخِّر.
أيها الإخوة؛ الفعل أخّر، يؤخر، تأخيراً،

(( وقد ورد عند البخاري من حديث عمر بن الخطاب أنه قال: لمَّا مات عبدُ اللهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سلولٍ، جاء ابنُه عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقال: يا رسولَ اللهِ! إنَّ أبي قد مات فصلِّ عليه، فقام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقام معَه أصحابُه وقمتُ، فلمَّا قام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ليُصلِّي عليه قمتُ في صدرِه، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ! تُصلِّي على عدوِّ اللهِ القائلِ يومَ كذا وكذا، والقائلِ يومَ كذا كذا وكذا، أَعْدُدُ أيامَه الخبيثةَ، قال: فلمَّا أكثرتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال: دعْني يا عمرُ فإني قد خُيِّرْتُ: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً، فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} ولو علمتُ أني إذا زدتُ على السبعينَ مرةً غُفِرَ لهم لزدتُ، قال: فصلَّى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، ثم قام على قبرِه قال: فعجبتُ من جرأتي على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فما برحتُ حتى نزلت الآيةُ: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا، وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} قال: فما صلَّى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على أَحَدٍ منهم، ولا قامَ على قبرِه.))

[ صحيح البخاري ]

هذا رأس المنافقين، ودُعِي له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، يقول سيدنا عمر: ((فلمَّا قام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ليُصلِّي عليه قمتُ في صدرِه، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ! تُصلِّي على عدوِّ اللهِ القائلِ يومَ كذا وكذا والقائلِ يومَ كذا كذا وكذا؟ أَعْدُدُ أيامَه الخبيثةَ)) .

﴿ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8)﴾

[ سورة المنافقون ]

فتبسم عليه الصلاة والسلام وقال: ((دعْني يا عمرُ فإني قد خُيِّرْتُ)) ، ((قال: فلمَّا أكثرتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال: دعْني يا عمرُ فإني قد خُيِّرْتُ)) هذا قراري  ((ولو علمتُ أني إذا زدتُ على السبعينَ مرةً غُفِرَ لهم لزدتُ)) ، (({اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً، فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ})) ، ((ولو علمتُ أني إذا زدتُ على السبعينَ مرةً غُفِرَ لهم لزدتُ)) ، ((قال: فصلَّى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، ثم قام على قبرِه قال: فعجبتُ من جرأتي على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فما برحتُ حتى نزلت الآيةُ: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا، وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ})) ، ((قال: فعجبتُ بعدُ من جُرْأَتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ والله ورسولُهُ أعلم، فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق، ولا قام على قبره حتى قَبضَهُ اللهُ)) ، وهذه من موافقات سيدنا عمر، كان يُدلي برأي فيأتي الوحي ويؤيده به، هذا رواه الإمام البخاري والترمذي والنسائي.

(( وعند البخاري أيها الإخوة؛ من حديث عبد الله بن عمرو أن الرسول صلى الله عليه وسلم: ما سُئِلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يومئذ عن شيءِ قُدَّمَ ولا أُخَّرَ، إلا قال: افْعَلْ، ولا حَرَج. ))

[ صحيح البخاري ]

هذه في الحج.

(( وعند البخاري أيضاً من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر إلى وقت العصر ثم يجمع بينهما، وإذا زاغت صلى الظهر ثم ركب. ))

[ صحيح البخاري ]

هذا في النصوص الصحيحة التي ورد فيها اسم المُؤخِّر صراحة أو وصف فعله.
 

من معاني المُؤخِّر:

 

1 ـ الله عز وجل يُؤخر الأشياء فيضعها في مواضعها:

أما إذا قلنا: الله جلّ جلاله هو المُؤخِّر، هو المُقدِّم وقد تحدثنا عن ذلك مطولاً في الدرسين السابقين، أما إذا قلنا: الله جلّ جلاله هو المُؤخِّر أي هو الذي يؤخر الأشياء فيضعها في مواضعها، إما تأخيراً كونياً كما ورد عند مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن أم حبيبة قالت:

(( عن ابن مسعود: اللَّهمَّ أَمتعني بِزَوجي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وبأَبي أبي سفيان، وبأَخي معاوية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سَأَلْتِ الله لآجالٍ مَضْروبة، وأَيَّامٍ مَعدودةٍ، وأرزاقٍ مقسومة -أي سؤالك لا يقدم ولا يؤخر-لن يعَجِّلَ شيئاً منها قبل حِلِّه ولا يُؤَخِّرَ، ولو كنْتِ سألتِ الله أَنْ يُعِيذَك من عذابٍ في النَّار وعذابٍ في القبرِ كان خيراً وأفضلَ. ))

[ صحيح مسلم ]

إذاً الأولى أن تسأل الله شيئاً سمح لك أن تسأله، هناك من يقول: يا رب لا تسألنا عن شيء، هذا كلام ليس له معنى، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

[  سورة الحجر  ]

فأي سؤال متعلق بالقضاء والقدر لا يُقدِّم ولا يُؤخِّر، هذا سؤال لا معنى له بحسب توجيه النبي عليه الصلاة والسلام.
 

التأخير نوعان كوني وشرعي:


إذاً هناك تقديم وتأخير كوني أو شرعي، الكوني؛ فلان ولد قبل فلان، مُقَدِّم، مُؤخِّر: فلان جاء بعد فلان، فالتقديم والتأخير الكوني متعلق بالآجال، أما الشرعي كما قال عليه الصلاة والسلام كما ورد عند مسلم من حديث أبي عطية أنه قال:

(( عن أبي عطية قال: دخلتُ أنا ومسروق بن الأجدع على عائشةَ أمِّ المؤمنين فقلتُ: يا أمَّ المؤمنين، رَجُلانِ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحدهما يعجِّلُ الإِفطار، ويعجِّل الصلاة، والآخرَ يؤخِّرُ الإِفطارَ ويؤخِّر الصلاةَ، قالت: أيُّهما الذي يُعجِّل الإِفطار ويعجِّل الصلاةَ؟ قال: قلنا: عبد الله بن مسعود، قالت: كذا كان يصنع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ))

[ صحيح مسلم  ]

الآن في العبادات الأولى أن نعجل هذه الصلاة أم أن نؤخرها؟ النبي أخّر صلاة العشاء أحياناً، فقضايا العبادات، والصلوات، والصيام، والإفطار، والسحور، هذه أشياء تسمى تأخيراً تشريعياً، هناك تأخير كوني متعلق بالولادة والوفاة، وهناك تأخير تشريعي، ((قالت: أيُّهما الذي يُعجِّل الإِفطار ويُعجِّل الصلاةَ؟ قال: قلنا: عبد الله بن مسعود، قالت: كذا كان يصنع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم)) إذاً هناك تأخير كوني متعلق بالآجال، وهناك تأخير شرعي، والتأخير الكوني متعلق بالأعمال، الله عز وجل قدّم فلاناً وأخّر فلاناً، قدّم فلاناً في المال، وأخّر فلاناً في المال، الأول غني والثاني فقير، قدّم فلاناً في العلم، وأخّر فلاناً، الأول عالم والثاني أقل علماً، قدّم فلاناً في المكانة، رفع ذكره، وأخّر فلاناً في المكانة، الأول لامع والثاني خامل، فالله فضلاً عن الآجال؛ المكانة، والغنى، والوسامة، والطلاقة، يقدم أناساً، يؤخر أناساً.
أحياناً امرأة قدمها في الجمال، وأخّر هذه في الجمال، أما المؤخرة في الجمال قدمها في العلم، وأخّر الأولى في العلم، يُقدم ويُؤخر، هذا التقديم والتأخير الكوني، أما الشرعي شرع لنا أن نقدم الإفطار مباشرة، أن نؤخر مثلاً السحور، قدّم الإفطار وأخّر السحور. 

2 ـ الله عز وجل يُؤخِّر العذاب بمقتضى حكمته ورحمته ابتلاء لعباده لعلهم يتوبوا إليه:

المُؤخِّر الآن معنى جديد، هو الذي يُؤَخِّر العذاب بمقتضى حكمته ورحمته ابتلاء لعباده لعلهم يتوبوا إليه قبل أن يستحقوا العذاب، الله حليم، يرتكب إنسان معصية يعطيه فرصة، يروى أن سيدنا عمر أراد أن يُعاقب سارقاً، فقال: والله يا أمير المؤمنين إنها المرة الأولى، قال له: كذبت إن الله لا يفضح من المرة الأولى، الله حليم.
أي بصراحة الإنسان إذا ارتكب ذنباً وأصرّ عليه، وما تاب منه، وتباهى به، وافتخر به، يأتي العقاب، أما ارتكب ذنباً الله يعطيه مهلة، فإذا ندم فالندم توبة، إذا أقلع فالإقلاع توبة، فالله عز وجل لا يسمح بإنزال العقاب على عبد إلا بعد أن يُصِرّ على ذنبه. 

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135)﴾

[ سورة آل عمران ]

 

تأخير الله عز وجل البلاء لحكمة بالغة:


إذاً الله عز وجل يؤخر البلاء لحكمة بالغة، ولرحمة بالغةٍ بعباده العصاة، ابن آدم اطلبنِي تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، عباده إن تابوا فهو حبيبهم، وإن لم يتوبوا فهو طبيبهم، يبتليهم بالمصائب ليطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عند الله بعشرة أمثالها ويزيد، والسيئة بمثلها ويعفو، والله عز وجل أرأف بعبده من الأم بولدها، الآية التي تؤكد تأخير العقاب هي قوله تعالى:

﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (61)﴾

[ سورة النحل ]

 

الله عز وجل خلق الإنسان ليرحمه ويسعده:


أحياناً يقول أحدهم: إن الله عز وجل خلقنا للعذاب، هذا كلام يتناقض مع القرآن، الله قال: 

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

[  سورة الذاريات  ]

الله عز وجل قال:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)﴾

[ سورة هود ]

خلقهم ليرحمهم، لكن إذا اقتضت حكمته أن يُؤدب عبداً سها ولها، ونسي المبتدا والمنتهى، من الحكمة أن يعالجه الله عز وجل قبل أن يموت، فلذلك ما يرى الإنسان من مصائب تنزل بالناس هي محض رحمة من الله عز وجل لقوله تعالى:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾

[ سورة السجدة ]

 

المصائب خمسة أنواع:


العلماء قالوا: المصائب خمسة أنواع؛ نوعان يصيبان أهل الفسق والفجور، ونوعان يصيبان المؤمنين، ونوع يصيب الأنبياء والمرسلين، أما مصائب الفُجّار والمشركين مصائب الردع والقصم، ردع وقصم، إذا فيه بقية خير، واحد بالألف خير الله عز وجل يرسل له مصيبة يردعه بها عن فجوره، وعن عدوانه، وعن طغيانه، فالأولى مصيبة ردع، أما إذا علِم الله أنه لن يرتدع، ولن يؤمن، يرسل له مصيبة يقصمه بها، هاتان المصيبتان مصيبة القصم والردع تصيب أهل الكفر والفجور والعدوان والطغيان، الله عز وجل منتقم، أي ينتقم من الفاجر، ينتقم من المجرم، ينتقم من العابث، يوقفه عند حدّه، هذه مصائب أهل الفسق والفجور، والطغيان والعدوان، مصائب قصم أو مصائب ردع، أما المؤمنون: 

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)﴾

[ سورة البقرة ]

﴿رَاجِعُونَ﴾ بها، أي من نعم الله الكبرى أن يتولانا الله بالتربية، أن يتولانا بالعناية المشددة.
 

مصيبة المؤمن مصيبة دفع إلى باب الله أو مصيبة رفع لمقامه:


أنا أقول أيها الإخوة؛ دائماً المؤمن في العناية المشددة، بل إن رأيت أن الله يتابعك ويحاسبك حساباً دقيقاً على كل زلة وعلى كل كلمة فاشكر الله عز وجل، لأنك في عنايته المشددة، لأنه مطموع بك، لأن المشكلة التي بينك وبينه تُحَل، تماماً كما لو أن طبيباً رأى قريبه المريض يعاني في التهاب في المعدة، هذا المرض قابل للشفاء، يعطيه حمية قاسية جداً، ويُشدد عليه، لأن مرضه قابل للشفاء، أما لا سمح الله ولا قدر لو أن لهذا الطبيب مريضاً مصاباً بورم خبيث منتشر في أمعائه، يقول له: كُلْ ما شئت، لأنه لا أمل في شفائه، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾

[ سورة الأنعام ]

هذه المصيبة تصيب المؤمنين، مصيبة النقص، ﴿نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ مصيبة الدفع إلى باب الله، مصيبة الحث على مزيد من الطاعة، لكن هناك مصيبة أخرى، مستقيم وابتلاه الله بمصيبة ليرفع أجره عنده، مصيبة رفع، أي بإمكان هذا المؤمن أن يكون بوضع أحسن، هو الآن جيد، ومستقيم، لكن بإمكانه أن يكون بوضع أعلى من ذلك، أي له عند الله مكانة، لم ينلها بعمله الصالح، ينالها بصبره على هذا البلاء، فإما أن تكون مصيبة المؤمن مصيبة دفع إلى بابه، أو أن تكون المصيبة مصيبة رفع لمقامه، على كلٍّ:

(( عن صهيب الرومي: عَجَبا لأمر المؤمن! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له، وليس ذلك لغير المؤمن. ))

[ صحيح مسلم ]

الآن الله عز وجل إذاً يُؤخر العقاب من أجل أن يتوب العباد قبل استحقاق العقاب، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

[  سورة إبراهيم  ]

إذاً الله عز وجل يُؤخر العقاب عن المؤمنين المقصرين، وعن الظُّلّام.
 

تعاريف أخرى للمُقدِّم والمُؤخِّر:


بعضهم قال: المُؤخِّر هو الذي يُنْزِل الأشياء منازلها، يُقدم ما يشاء بحكمته ويُؤخر ما يشاء بحكمته، المُؤخِّر دلّ على صفة من صفات الذات، ودلّ على صفة أيضاً من صفات الأفعال، في ذاته مُؤخِّر، وفي أفعاله مُؤخِّر.
وقال بعضهم: المُؤخِّر في حقّ الله تعالى هو الذي يُؤخر المشركين، ويُقدم المؤمنين، يُؤخر العصاة، ويُرفع الطائعين، وقال بعضهم: المُقدِّم والمُؤخِّر هو الذي يُقدم من شاء، ويُؤخر من شاء على بابه، يُطرَق بابه يفتح لواحد، ولا يفتح للآخر بحسب حكمته.
 

بعض الأمثلة عن التقديم والتأخير:


أيها الإخوة؛ بعض الأمثلة؛ أبو سفيان زعيم قريش، يحتل أعلى مكانة في قريش، لم يؤمن برسول الله، بل حارب رسول الله، كان مُقَدَّماً في قومه، عَلِيَّ الجاه، عَلِيَّ المكانة، زعيم قريش، فلما أعرض عن ذكر ربه أخّره الله، أي تروي بعض الحكايات أنه مرة وقف على باب عمر مدة طويلة، ولم يؤذن له، يرى صهيباً وبلالاً يدخلان ويخرجان بلا استئذان، فآلمه ذلك، قال: يا أمير المؤمنين أبو سفيان يقف ببابك ولا يؤذن له وصهيب وبلال يدخلان ويخرجان بلا استئذان؟! ماذا قال له؟ قال له: أنت مثلهما؟ بلال عبد، وصهيب رومي، لكن لأنهما عرفا ربهما قدمهما الله عز وجل، أي الله يُقدم ويُؤخر.
امرأة في قصر العزيز تعرف يوسف عبداً مملوكاً، وقد دخل السجن، فلما رأته عزيز مصر قالت: سبحان من جعل العبيد ملوكاً بطاعته! وسبحان من جعل الملوك عبيداً بمعصيته!
 

كل مؤمن خطب ودّ الله واستقام على أمره رفع الله ذكره وقدّمه على غيره:


الله يُقدِّم إنساناً يرفعه، فأنا أقول دائماً: المؤمن له من آية: 

﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾

[  سورة الشرح  ]

نصيب، كل مؤمن خطب ودّ الله، واستقام على أمره، وأناب إليه، وأقبل عليه، يرفع الله ذكره، فقبل الإيمان ما كان متقدماً، بعد الإيمان الله قدّمه، والإنسان الذي كان على شيء من التدين ثم خرق استقامته، والتفت إلى الدنيا، ولم يعبأ بعباداته، كان مُقدّماً فأخّره الله عز وجل.
أذكر مرة اثنان قادمان إلى بلدهما من أوروبا، نزلا في فندق في بلد أوروبي شرقي، روى لي القصة أحدهما، قال لي: طُرِق الباب ليلاً، والأمر معروف، أحياناً إذا نزيل بفندق وهناك نساء منحرفات هن يتحرشن به، قال لي: أنا ما فتحت الباب، صديقي فتح الباب، أي أحدهما ارتكب الفاحشة، والآخر لم يرتكب، الذي ما ارتكب خوفاً من الله، سبحان الله! بعد عدة سنوات الأول في عمله صاعد، والثاني في عمله هابط، إلى أن ضاق به الأمر سلّم المحل وأصبح بلا عمل، واحد صاعد كان مُؤخّراً فقدمه الله عز وجل، والثاني كان مُقدَّماً فأخّره الله عز وجل.
أي بلال كان عبداً، كان أمية بن خلف يضربه ضرباً مُبرحاً، جاء سيدنا الصديق واشتراه منه، قال صفوان لسيدنا الصديق: والله لو دفعت به درهماً لبعتكه، قال له: والله لو طلبت مئة ألف لأعطيتك إياها، ودفع ثمنه، ووضع يده تحت إبطه وقال: هذا أخي حقاً، فكان الصحابة الكرام إذا ذكروا الصّدّيق قالوا: هو سيدنا وأعتق سيدنا، أي بلالاً، معقول عبد حبشي يأتي إلى المدينة فيخرج عمر عملاق الإسلام خليفة المسلمين لاستقباله؟! هذه مقاييس الإسلام، كان عبداً حبشياً، وكان صهيب رومياً، فلما أسلما وتعرفا إلى الله رفع الله ذكرهما، فالله يُقدم ويُؤخر، وأحياناً يؤخر العقوبة لحكمة بالغة، حكمة بالغةٍ بالغة، فالإنسان إذا أُخِّر فلحكمة بالغة، وإذا قُدّم فبفضل من الله عز وجل، والدعاء: اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور