وضع داكن
26-06-2026
Logo
الخطبة : 1052 - قوانين القرآن الكريم - قانون الالتفاف والانفضاض
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الخــطــبـة الأولــى: 

الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلن تجد له وليّاً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمَن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ، أو سَمِعَت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى  صحابته الغُرِّ الميامين، أُمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنّا وعنهم يا ربَّ العالمين. 
اللهم لا عِلم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا عِلماً، وأرِنا الحقَّ حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبِعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
اللهم أخرِجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.

لله في خلقه سُنَن وقوانين لا تتبدَّل: 


أيُّها الإخوة الكرام: في القرآن الكريم بضعُ آياتٍ تُشير إلى أنَّ لله في خلقه سُنَناً، أي قوانين، هذه السُنَن لن تجد لها تبديلاً، ولن تجد لها تحويلاً، لا تتبدَّل، ولا تتغيَّر، ولا تُعدَّل، ولا تُجمَّد، ولا تُطوى، ولا تُلغى.

﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62)﴾

[ سورة الأحزاب ]

﴿ اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43)﴾

[ سورة فاطر ]

يعني قواعدٌ مُطّردة وشاملة في كل زمانٍ ومكان.
والمؤمن أيُّها الإخوة: حينما يتعامل مع الله بقواعدٍ ثابتة، وقوانينٍ مُحكمة، وسُنَنٍ راسخة، يرتاح في علاقته مع الله، هناك مُقدِّمات، وهناك نتائج، فمَن قدَّم المُقدِّمات نالَ النتائج. 

من سُنَن الله في التعامُل مع الخلق:


1 – قانون الالتفاف والانفضاض: 

أيُّها الإخوة الكرام: من هذه القوانين ما يُسمّى بقانون الالتفاف وقانون الانفضاض، متى يلتَّف الناس حولك؟ ومتى ينفضّون عنك؟ هل القضية مزاجية؟ لا، القضية علمية، هذا القانون ورد في قوله تعالى:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾

[ سورة آل عمران ]

أي بسبب رحمةٍ استقرَّت في قلبك يا محمد، من خلال اتصالك بنا، كنت ليّناً لهم، فلمّا كنت ليّناً لهم التفّوا حولك، وأقبَلوا عليك، وأصغوا إليك، وانصاعوا لأمرِك، ولو كنت مُنقطعاً عنّا، لامتلأ القلبُ قسوةً، وانعكست القسوة غِلظةً، فانفضّوا من حولك، أي اتصال رحمة لين التفاف، انقطاع قسوة غِلظة انفضاض. 

من يحتاج هذا القانون؟


من يحتاج هذا القانون؟ يحتاجه الأب حتى يلتَّف أولاده حوله، حتى يخضعوا لتوجيهاته، حتى يقتدوا به.
من يحتاج هذا القانون؟ الأم.
من يحتاج هذا القانون؟ المُعلِّم.
إنَّ أيُّ منصِبٍ قيادي صاحبه يحتاج إلى هذا القانون، إذا كان قلبه من خلال اتصاله بالله ممتلئاً رحمةً، تنعكس هذه الرحمة في السلوك ليناً، وهذا اللين يجذِب الناس إليك، فيلتفّون حولك، يتأثرون بدعوتك، يقتدون بك، ينصاعون لك (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) .
أيُّها الإخوة الكرام: كل أبٍ في الثقافة الإسلامية مُحترم، ولكن ليس كل أبٍ يُحَبّ، لا يُحَبُّ إلا إذا كان كاملاً، إن أردت أن تأخُذ بيد أولادك إلى الله ورسوله، إن أردت أن يكون أولادك صالحين، إن أردت أن يكون أولادك قُرة عينٍ لك ولأُمهم، فاحكِم اتصالك بالله، من أجل أن يمتلئ قلبك رحمةً، من أجل أن تنعكس الرحمة ليّناً، من أجل أن يلتَّف أولادك حولك.
مدير المؤسسة، مدير المستشفى، مدير الجامعة، رئيس الدائرة، صاحب المعمل، صاحب المُنشأة، صاحب المزرعة، أيُّ إنسانٍ تحت يده بعض الأشخاص، برحمته ولينه يلتَّف الناس حوله، وبقسوته وغِلظته ينفضّ الناس من حوله.

2 – قانون الأمن:

أيُّها الإخوة الكرام: من هذه السُنَن الثابتة قانون الأمن، وأعظم نعمتين على الإطلاق، نعمة الشِبَع ونعمة الأمن، قال تعالى:

﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (4)﴾

[ سورة قريش ]

أمّا البلدة التي تكثُر فيها المعاصي، ما هي أشدُّ العقوبات عند الله لها؟ 
قال تعالى:

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾

[ سورة النحل ]

أنت من خوف الفقر في فقرٍ، ومن خوف المرض في مرضٍ، وتوقُّع المُصيبة مُصيبةٌ أكبر منها، نعمة الأمن لا تعدلها نعمةٌ على الإطلاق. 

الأمن للمؤمِن والخوف للمُشرِك:


نعمة الأمن لا تكون إلا عند المؤمِن حصراً وقصراً، والدليل قال تعالى:

﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82)﴾

[ سورة الأنعام ]

أمّا الذي أشرَك بالله، فإنَّ من لوازم الشِرك الخوف والرعب، قال تعالى:

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ۖ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151)﴾

[ سورة آل عمران ]

     هذا قانون، هذه سُنَّةٌ ثابتة، إن كنت مؤمناً ولم تُضِف إلى إيمانك ظُلماً، نَعِمّتَ بنعمة الأمن، وإن لم تكن كذلك، فلا بُدَّ من أن يأكل الخوف قلبك (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا) .
 أمّا المؤمِن:
(فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) .

﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51)﴾

[ سورة التوبة ]

كتَبَ لنا لصالحنا، لخيرنا، هذه ثقة المؤمِن بالله.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ (32)﴾

[ سورة فصلت ]

نعمة الأمن لا تعدلها نعمة، نعمة الأمن من خصائص المؤمِن، قال تعالى:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾

[ سورة الشعراء ]


من لوازم الشِرك العذاب النفسي: 


أحد أكبر أسباب العذاب النفسي، أن تدعو مع الله إلهاً آخر، ليس معنى هذه الآية أن تعبُد صنماً، ليس في العالَم الإسلامي مكانٌ للشِرك الجلي، ولكن العالَم الإسلامي ممتلئٌ بالشِرك الخفي، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إنَّ أَخْوَفَ ما أخافُ على أُمَّتِي الإشراكُ باللهِ، أَمَا إني لَسْتُ أقولُ يعبدونَ شَمْسًا ولا قمرًا ولا وثناً، ولكن أعمالًا لغيرِ اللهِ وشَهْوَةً خَفِيَّةً ))

[ أخرجه ابن ماجه وأحمد والطبراني  ]

أيُّها الإخوة الكرام: إن أردت نعمة الأمن، إن أردت نعمة الاستقرار، إن أردت نعمة السكينة، إن أردت نعمة الرضا، فآمِن بالله الإيمان الذي يحملُك على طاعته، وآمِن باليوم الآخِر الإيمان الذي يمنعُك أن تؤذي نملةً، وعندئذٍ تمتَّع بنعمة الأمن، هذه النعمة لا تعدلها نعمةٌ على الإطلاق.

3 – قانون التيسير والتعسير:

أيُّها الإخوة الكرام: مَن منّا لا يُحب التيسير؟ ومَن منّا لا يؤلمه التعسير؟ هناك كلماتٌ يُردِّدُها العوام، كلماتٌ شيطانية لا معنى لها إطلاقاً، يقول أحدهم: لقد قلب لي الدهر ظهر المِجَنّ، ما الدهر؟ عَرِّف الدهر:

(( قال اللهُ عزَّ وجلَّ: يُؤذيني ابنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهرَ، وأنا الدَّهرُ، بيَدي الأمرُ، أُقَلِّبُ اللَّيلَ والنَّهارَ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

سَخِرَ القَدرُ منّي، هذا الإنسان يده خضراء، هذه البنت لا حظ لها مسكينةٌ، هذا كله كلامٌ لا معنى له، الكلام الفصل:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ (6)﴾

[ سورة الليل ]

صدَّق أنه مخلوقٌ للجنَّة، وأن هذه الدنيا ممرٌّ وليست مقرَّاً، هي دار تكليفٍ وليست دار تشريف، هي دار عملٍ وليست دار أمل، هي دار طاعةٍ وليست دار جزاء.
(فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ) الحُسنى هي الجنَّة، صدَّق أنه مخلوقٌ للجنَّة، وبناءً على هذا التصديق، اتقى أن يعصي الله، وبناءً على هذا التصديق بنى حياته على العطاء، صدَّق بالحُسنى، اتقى أن يعصيه، بنى حياته على العطاء، فما الرد الإلهي له؟ ما تكريم الله له؟ 

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ (7)﴾

[ سورة الليل ]

التوفيق، والنصر، والتأييد، والتيسير، هذه مُكافأة الذي آمن بالحُسنى، واتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، إذا كان الله معك فمَن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمَن معك؟ ويا ربّي ماذا فقَدَ من وجدك؟ وماذا وجد من فقَدَك؟
ما من مخلوقٍ يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من مخلوقٍ يعتصم بمخلوقٍ دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطَّعت أسباب السماء بين يديه. 

((  أوْحَى اللهُ تعالى إلى داوُد: ما من عبدٍ يَعتصِمُ بِي دُونَ خَلْقِي، أعرِفُ ذلكَ من نِيَّتِه فَتَكِيدُه السَّمواتُ بِمنْ فيها، إِلَّا جَعلْتُ له من بينِ ذَلِكَ مَخْرَجًا، ومَا من عبدٍ يَعتصِمُ بَمخلوقٍ دُونِي، أعرِفُ ذَلِكَ من نِيَّتِه، إِلَّا قَطعتُ أسبابَ السَّماءِ بين يدَيْهِ، وأَرْسَخْتُ الهَوَي من تحتِ قَدَمَيْهِ، وما من عبدٍ يُطيِعُنِي إِلَّا وأَنا مُعطِيهِ قبلَ أنْ يَسْألَنِي، وغَافِرٌ لهُ قبلَ أنْ يَستغفِرَنِي))

[ الألباني ضعيف الجامع ]


التيسير قانونه الإيمان بالله: 


التيسير ثمنه بل قانونه أن تؤمِن أنك مخلوقٌ للجنَّة، هذا الإيمان يدفعك إلى أن تبتعد عن معصية الله، وأن تبني حياتك على العطاء، أمّا إذا كذَّب بالحُسنى وآمن بالدنيا، استغنى عن طاعة الله، وبنى حياته على الأخذ عندئذٍ:

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ (10)﴾

[ سورة الليل ]

هذه الآية قانون التيسير والتعسير، إن أردت التيسير، إن أردت أن توفَّق، إن أردت أن تنجح، إن أردت أن تُحفَظ، إن أردت أن تُنصَر، إن أردت ما تتمنّى إليه، فطبِّق هذه الآية: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ(5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ (7) وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ (10)) 
أيُّها الإخوة الكرام: لذلك يقع على رأس الهرم البشري زُمرتان، الأقوياء والأنبياء، الأقوياء أخذوا ولم يُعطوا، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء مَلكوا الرِقاب، والأنبياء ملكوا القلوب، الأقوياء عاش الناس لهم، والأنبياء عاشوا للناس، والناس جميعاً من دون استثناءٍ تَبَعٌ لقويٍ أو نبي، الذي يتبَع القوي يستخدِم قوَّته لأخذ ما ليس له، أمّا الذي يتَّبِع النبي فيستخدِم كماله لامتلاك القلوب، والناس جميعاً تَبَعٌ لقويٍ أو نبي، لذلك أحبَّ الناسُ الأنبياء وخافوا من الأقوياء.

4 – قانون الحياة الطيبة والمعيشة الضنك:

أيُّها الإخوة الكرام: قانونٌ رابع وسُنَّةٌ رابعة، هي الحياة الطيِّبة والمعيشة الضنك، سُنَّة الله القانون، والعلاقة الثابتة المطّرِدة في كل زمان، في كل مكان، في كل عصر، في كل مصر، قال تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾

[ سورة النحل ]

المرأة كالرجُل مساويةٌ له تماماً، في التكليف وفي التشريف وفي المسؤولية (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) هذا وعد الله عزَّ وجل، وزوال الكون أهوَن على الله من ألّا يُحقِّق وعوده للمؤمنين.
الحياة الطيِّبة في أي زمان، في أي مكان، في أي عصر، في أي مصر، من حقِّ المؤمِن.

(( بينما أنا رَديفُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليس بَيني وبينَه إلَّا آخِرةُ الرَّحلِ، فقال: يا مُعاذُ بنَ جَبَلٍ، قُلتُ: لَبَّيكَ رَسولَ اللهِ وسَعدَيكَ، ثُمَّ سارَ ساعةً، ثُمَّ قال: يا مُعاذُ، قُلتُ: لَبَّيكَ رَسولَ اللهِ وسَعدَيكَ، ثُمَّ سارَ ساعةً، ثُمَّ قال: يا مُعاذُ، قُلتُ: لَبَّيكَ رَسولَ اللهِ وسَعدَيكَ، قال: هل تَدري ما حَقُّ اللهِ على عِبادِه؟ قُلتُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، قال: حَقُّ اللهِ على عِبادِه أن يَعبُدوه ولا يُشرِكوا به شيئًا، ثُمَّ سارَ ساعةً، ثُمَّ قال: يا مُعاذُ بنَ جَبَلٍ، قُلتُ: لَبَّيكَ رَسولَ اللهِ وسَعدَيكَ، فقال: هل تَدري ما حَقُّ العِبادِ على اللهِ إذا عبدوه؟ قُلتُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، قال: حَقُّ العِبادِ على اللهِ أن لا يُعَذِّبَهم ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

استنبَط الإمام الشافعي من هذا الحديث، أنَّ الله لا يُعذِّب مَن عبَدَه وأخلَص له، أنشأ الله لكَ حقّاً عليه، وهذا قانون الحياة الطيِّبة.

فلو شاهدت عيـناك من حســننـا          الـذي رأوه لما ولَّـيت عنـّا لغـيرنــا

ولو سَمِـعَتْ أُذناك حُسن خطابنا           خلـعت عنك ثيـاب العُجب و جئتـنا

ولـو ذُقت مـن طعم المحـبَّة ذرةً           عــذرت الـذي أضـحى قتيلاً بحـبنا

ولـو نسمـت مـن قربنا لك نسمةٌ           لـمـُتَّ غـريـبـاً واشــتياقـاً لـقربـنــا

ولـو لاح مـن أنـوارنـا لـك لائـحٌ           تـركــت جـميـع الكـائنـات لأجـلـنا

فـما حُبـنا سـهلٌ وكـل مـن ادّعى          ســُهـولتـه قـلـنـا لـه قـد جهـلـتـنـــا

[ علي بن محمد بن وفا ]

أيُّها الإخوة الكرام: أمّا مَن أعرض عن ذكري: 

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (124)﴾

[ سورة طه ]

قوياً كان أو غنياً، بأي وضعٍ في الدنيا (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي) قانون وسُنَّةٌ ثابتة لا تتبدَّل ولا تتغيَّر عبر الزمان والمكان.

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ (126)﴾

[ سورة طه ]

الإنسان أيُّها الإخوة حينما يُعاني ما يُعاني، يجب أن يتَّهِم نفسه، ففي الحديث القدسي الصحيح: 

(( قال اللهُ تعالَى: يا عبادي! إنِّي حرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي وجعلتُه مُحرَّمًا فلا تَظالموا، يا عبادي! إنَّكم تُخطِئون باللَّيلِ والنَّهارِ وأنا أغفِرُ الذُّنوبَ جميعًا ولا أُبالي فاستغفروني أغفِرْ لكم ، يا عبادي! كلُّكم جائعٌ إلَّا من أطعمتُ فاستطعِموني أُطعِمْكم، يا عبادي! لم يبلُغْ ضُرٌّكم أن تضُرُّوني ولم يبلُغْ نفعُكم أن تنفعوني، يا عبادي! لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وجِنَّكم وإِنسَكم اجتمعوا وكانوا على أفجرِ قلبِ رجلٍ منكم لم يُنقِصْ ذلك من مُلكي مثقالَ ذرَّةٍ، ويا عبادي! لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وجِنَّكم وإنسَكم اجتمَعوا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني جميعًا فأعطيتُ كلَّ إنسانٍ منهم مسألتَه لم يُنقِصْ ذلك ممَّا عندي إلَّا كما يُنقِصِ المَخيطُ إذا غُمِس في البحرِ، يا عبادي! إنَّما هي أعمالُكم تُرَدُّ إليكم، فمن وجد خيرًا فليحمَدْني ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلَّا نفسَه ))

[ أخرجه مسلم ]

﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ (30)﴾

[ سورة الشورى ]

(( ما مِن عَثرةٍ، وَلا اختِلاجِ عِرقٍ، وَلا خَدشِ عودٍ، إلَّا بِما قَدَّمَت أَيديكُم، وَما يَعفو اللهُ أكثرُ ))

[ أخرجه ابن عساكر والطبراني ]

5 – قانون العز والذُل:

قانونٌ خامس، سُنَّةٌ إلهيةٌ خامسة، متى يشعر الإنسان بالعِزَّة؟ ومتى يشعر بالذُل؟ إنه قانون العزّ والذُل.

الإحسان يجلب العز: 


أيُّها الإخوة الكرام: الله عزَّ وجل يُجيب عن هذا السؤال، قال تعالى:

﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26)﴾

[ سورة يونس ]

ما دمت مُحسِناً، أنتَ أبٌ مُحسنٌ عزيز النفس.
أنتِ امرأةٌ مُحسنةٌ عزيزةُ النفس.
أنتَ موظفٌ مُحسِنٌ في دوامك، وفي خدمة المواطنين، لك شأنٌ كبير، أنتَ عزيز النفس.
أنتَ مُدرِّسٌ مُحسِنٌ، تُعطي طلابك حقَّهم، أنتَ عزيز النفس عند أولياء الأمور، وعند الإدارة، وعند الطلاب.
أنتَ طبيبٌ مُحسِنٌ تُعطي المريض حقَّه، لا تبتز ماله، لا تغشه، أنت مُحسِنٌ.
الإحسان كلمةٌ شاملة، فضله على الأبوين، والجارين، والأخوين، والصديقين، وأصحاب الحِرف وأصحاب المهمات، الإحسان:

(( إنَّ اللَّهَ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ فإذا قتلتُم فأحسِنوا القِتلةَ وإذا ذبحتُم فأحسِنوا الذِّبحةَ وليُحدَّ أحدُكم شفرتَهُ وليُرِح ذبيحتَه ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي ]

الله عزَّ وجل يقول: (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) .

المعصية تجلب الذُل: 


بالمُقابِل متى يشعُر الإنسان بالذُل؟ متى يُحرَج؟ متى يُضيَّق عليه؟ متى يُحجَّم؟ قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ۖ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27)﴾

[ سورة يونس ]

(وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) أخطأت في عملك، لم تقُم بواجبك، قصَّرت في معالجة هذا المريض، فيشتكي عليك المريض، ويُكتَب عنك في الصُحُف، هذا الذي أصابك بسبب خطأٍ منك (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ) .
لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: 

(( إياكَ وكُلَّ أَمْرٍ يُعْتَذَرُ منهُ ))

[   أخرجه البيهقي  ]

الموقف الذي تُضطر أن تعتذر منه، إيَّاك أن تفعله، تبقى رافع الرأس، تبقى عزيز النفس، يقول سيدنا علي بن أبي طالب: "ابتغوا الحوائج بعز الأنفس، فإنَّ الأمور تجري بالمقادير" ولا ينبغي للمؤمن أن يُذِّل نفسه.

6 – قانون المحبة:

أيُّها الإخوة الكرام: قانون محبَّة الله عَّز وجل، محبَّةُ الله يدَّعيها كل إنسان.

وكُلٌّ يَدَّعي وَصْلاً بِلَيلَى      ولَيلَى لا تُقِرُّ لَهُم بِذاكَ

[ أبو الطيب المتنبي  ]

كثُر مُدَّعو المحبة.

رَضُوا بالأماني وابتُلوا بحظُوظهم     وخاضوا بحار الحُبّ دعوى فما ابتلّوا

[ ابن الفارض  ]

لأنه كثُر مُدَّعو المحبة فطولِبوا بالدليل، الدليل:

﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (31)﴾

[ سورة آل عمران ]

ما لم تتَّبِع منهج النبي عليه الصلاة والسلام، فلن تكون مُحِبَّاً بنَص هذه الآية، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((  ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وجَدَ حلاوَةَ الإيمانِ: أنْ يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه مِمَّا سِواهُما، وأنْ يُحِبَّ المرْءَ لا يُحبُّهُ إلَّا للهِ، وأنْ يَكْرَهَ أنْ يَعودَ في الكُفرِ بعدَ إذْ أنقذَهُ اللهُ مِنْهُ، كَما يَكرَهُ أنْ يُلْقى في النارِ ))

[  أخرجه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه  ]


أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما:

 
     ما معنى قول النبي الكريم: (ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وجَدَ حلاوَةَ الإيمانِ: أنْ يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه مِمَّا سِواهُما) ؟ قال علماء شروح الحديث: أن يكون الله في قرآنه، الأمر القرآني والنهي القرآني، أن يكون الله ورسوله، والرسول في سُنَّته، الأمر النبوي، والنهي النبوي، أحبَّ إليه مما سواهما عند التعارُض، أي حينما تتعارض مصلحتك مع النَص الشرعي، حينما تتعارض مصلحتك المُتوهمة مع النَص الشرعي، وتقف إلى جانب النَص الشرعي، ولا تعبأ بهذه المصلحة المُتوهَمَة، تكون قد دفعت ثمن حلاوة الإيمان، وحلاوة الإيمان شيء وحقائق الإيمان شيءٌ آخر، حقائق الإيمان كمَن يملِك خارطةً لقصرٍ، وليس عنده كوخ، لكن معه خارطة، كمَن يملِك صورةً لمركبةٍ فارهة، وكمَن ينطِق بألف مليون، كلمة، وليس في جَيبه قرشٌ واحد، أمّا حلاوة الإيمان أن تمتلِك ذلك القصر وأن تسكنه، وأن تمتلِك هذه المركبة وأن تركبها، وأن تمتلِك هذا المبلغ، فلذلك حلاوة الإيمان ثمنها باهظ، أن تلتزم جانب الشرع، ولو ضحّيت بمصلحتك.
أيُّها الإخوة الكرام: إذا قرأتم القرآن الكريم، وينبغي أن تقرؤوه كل يومٍ، دققوا في الآيات التي تُعبِّر عن قانون، بالأعم الأغلب هناك اسمُ شرطٍ جازمٍ، وهناك فعلُ شرطٍ، وهناك جوابُ شرطٍ: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) ، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)
جُملة الشرط: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا) وجواب الشرط: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) الآيات التي تأخُذ شكل صيغة الشرط، فعلُ شرطٍ، وجوابُ شرطٍ، واسمُ شرطٍ، هذه الآيات تُعَدُّ في القرآن الكريم قوانين، فتعامل معها.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزَن عليكم، واعلموا أن مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتَّخِذ حِذرنا، الكيِّس مَن دانَ نفسه وعمل لِما بعد الموت، والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله ربِّ العالمين.

* * *

الخطبة الثانية 

الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 

من شعائر العيد التكبير: 


أيُّها الإخوة الكرام: غداً عيد الفطر السعيد، كل عامٍ وأنتم بخير، والله عزَّ وجل في آيات الصيام يقول:

﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)﴾

[ سورة البقرة ]

يعني المُتوقَّع أنك اهتديت إلى الله في رمضان، من شدّة الفرح، من شدّة الفوز، وقد قيل: إذا رجع العبد إلى الله نادى مُنادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله.

1 – يجب أن تقول: الله أكبر، كما ينبغي:

لذلك من شعائر العيد أن تُكبِّر، أن تقول: "الله أكبر" ، ولكن هذه الكلمة يُردِّدُها المُسلمون في شتَّى بقاع الأرض، يُردِّدُها في أيام العيدَين مليار ونصف مليون، وليست كلمتهم هي العُليا، وليس أمرهم بيَدِهم، وللطرف الآخر عليهم ألفُ سبيلٍ وسبيل، لماذا؟ لأنهم ما قالوا: "الله أكبر" كما ينبغي.
دققوا: الذي يغشُّ المسلمين في بضاعتهم ماذا رأى؟ رأى أنَّ هذا المبلغ الذي يُحصِّله من هذا الغشّ، ومن إيذاء المُسلمين، أكبر عنده من الله، فما قال: "الله أكبر" ولا مرة، ولو ردَّدها بلسانه ألف مرة. 

2 – المُطيع لغيره في معصية الله لم يكبِّر حقيقة:

الذي يُطيع زوجته في معصيةٍ ويعصي الله، ما قال: "الله أكبر" ولا مرة، لأنه رأى أنَّ إرضاء زوجته أكبر من إرضاء الله، هذه كلمةٌ خطيرة، إذا قلت: "الله أكبر"، ينبغي ألّا تأخُذك في الله لومة لائم، إن قُلت: "الله أكبر"، ينبغي ألّا تُطيع مخلوقاً وتعصي خالقاً، إن قُلت: "الله أكبر" ينبغي ألّا تفعل شيئاً يؤذي المُسلمين.

3 – كيف انفصَل الدين عن الحياة العامة والخاصة؟!

يا أيُّها الإخوة الكرام: كيف انفصَل الدين عن الحياة؟ كيف أصبح الإسلام في المسجد فقط، أمّا في الأسواق فكذبٌ وتدليسٌ وغِشٌّ وأَيمانٌ كاذبة، كيف؟! لذلك دقِّق فيما تقول، إذا قلت: "الله أكبر" لمُجرَّد أن تؤذي المسلمين مقابل ربحٍ كبير، فأنت رأيت أنَّ هذا المال أكبر عندك من طاعة الله، وأنك رأيت إرضاء الزوجة أكبر عندك من إرضاء الله، فما قال: "الله أكبر" ولا مرة ولو ردَّدها بلسانه ألف مرة، مَن أطاع مخلوقاً وعصى خالقاً ما قال: "الله أكبر" ولا مرة، ولو ردَّدها بلسانه ألف مرة.

4 – إنها مُجرَّد كلماتٍ مفرغة من حقائقها:

لذلك أصبحت الكلمات الكُبرى في حياة المسلمين، كلماتٌ مُفرَّغةً من مضمونها، وهذه مشكلةٌ كبيرة، تقول: "الله أكبر" من كل شيءٍ، من أي عملٍ، من أي لقاءٍ، إذا قال المؤذِّن: "الله أكبر" فهي دعوةٌ إلى الصلاة، هذه الدعوة أكبر عندك من أيُّ شيءٍ، لذلك غداً وأنتم تُردِّدون "الله أكبر" تنبَّهوا إلى أنَّ الإنسان إذا أطاع مخلوقاً وعصى خالقاً، إذا أساء في معاملته للآخرين، ما الذي رآه فعلاً؟ رأى أنَّ هذا المبلغ أكبر عنده من الله، لذلك قالوا: هناك لسان المقال وهناك لسان الحال، وقد يتناقض لسان المقال مع لسان الحال. 

العبادة الأولى في العيد صلة الأرحام: 


أيُّها الإخوة الكرام: شيءٌ آخر، العبادة الأولى في العيد صِلة الأرحام.

ماذا تعني صلة الرحم؟

الرحم ماذا يعني أن تصلها؟ أصبح الوضع أنك تتفضَّل على هذا القريب بأن تطرُق بابه، وتتمنَّى ألّا تجده في البيت، فتضع له البطاقة وانتهى الأمر، ليست هذه صِلة الرحم، صِلة الرحم أن تتصل به، صِلة الرحم أن تزوره، صِلة الرحم أن تتفقَّد شؤونه، صِلة الرحم أن تمُدَّ له يدَ العَون، إن كنت أقوى منه فأعِنه بقوَّتِك، وإن كنت أغنى منه فأعِنه بمالِك، وإن كنت أعلَم منه فأعِنه بعِلمك.
     صِلة الرحم عملٌ صالح، صِلة الرحم تضامنٌ اجتماعي، صِلة الرحم مؤانسة، وقد أجمع العلماء على أنَّ جميع الأقارب من جهة الأب ومن جهة الأم هُم الأرحام، صِلة الرحم تعني زيارةً وتفقُّداً ومساعدة، لكن قمة هذه العبادة التعاملية أن تأخُذ بيَد قريبك إلى الله، أن تدله على الله، أن تأخُذه إلى مسجدك، أن تُعطيه شريطاً، أن تُقنعه بالاستقامة، صِلة الرحم من أعظم القُربات من الله عزَّ وجل.
لذلك أيُّها الإخوة الكرام: نحن في العيد، هناك لقاءاتٌ كثيرة في البيوت، ما الذي يحصَل؟ كلامٌ فارغ، قال تعالى: 

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)﴾

[ سورة المؤمنون ]

كلامٌ فارغ، ومعلوماتٌ يعرفها الجميع، أسمِعتَ هذا الخبر؟ يقول لك: سمِعته، الحديث عن الطقس والأسعار، وأسعار العملات الأجنبية، والوضع العام، والوضع السياسي، هذا كلامٌ يعرفه الجميع، لأن الأخبار لا تترك شيئاً، لكنك ماذا سمِعت في رمضان من ذِكرٍ؟ ماذا سمِعت من آياتٍ؟ من أحاديثٍ؟ ما الذي لفت نظرك في صلاة التراويح؟ ما الذي لفت نظرك في خُطَب الجمعة؟
قال تعالى:

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152)﴾

[ سورة البقرة  ]

(( يقولُ اللهُ تَعالى: أنا عِندَ ظَنِّ عَبدي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَني، فإن ذَكَرَني في نَفسِه ذَكَرتُه في نَفسي، وإن ذَكَرَني في مَلَئٍ ذَكَرتُه في مَلَئٍ خَيرٍ منهم، وإن تَقَرَّبَ إليَّ بشِبرٍ تَقَرَّبتُ إليه ذِراعًا، وإن تَقَرَّبَ إليَّ ذِراعًا تَقَرَّبتُ إليه باعًا، وإن أتاني يَمشي أتَيتُه هَرولةً  ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

أنت إذا ذكرت الله قُمتَ بواجب العبودية له، لكن الله إذا ذكَرَك ماذا يمنحُك؟ يمنحُك الحكمة.

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)﴾

[ سورة البقرة  ]

لكن الله إذا ذكَرَك ماذا يمنحُك؟ يمنحُك نعمة الأمن، لكن الله إذا ذكَرَك ماذا يمنحُك؟ يمنحُك الرضا، لكن الله إذا ذكَرَك ماذا يمنحُك؟ يمنحُك السعادة، لكن الله إذا ذكَرَك ماذا يمنحُك؟ يمنحُك السكينة التي تسعَد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدِها ولو ملكت كل شيء.
أيُّها الإخوة الكرام: صِلوا أرحامكم، وحدِّثوهم عن ربِّكم، وعاونوهم إن كانوا أفقر منكم، وأعينوهم إن كانوا أضعف منكم، وعلِّموهم إن لم ينالوا العِلم، خذوا بيَدِهم إلى الله، حدِّثوهم عن الله.

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾

[ سورة الرعد ]

(( ما اجتمَعَ قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللَّهِ يتلونَ كتابَ اللَّهِ، ويتدارسونَهُ فيما بينَهم إلَّا نزلَت عليهِم السَّكينةُ، وغشِيَتهُمُ الرَّحمةُ، وحفَّتهُمُ الملائكَةُ، وذكرَهُمُ اللَّهُ فيمَن عندَهُ ))

[   أخرجه مسلم  ]

(( ما مِن قومٍ يقومونَ من مجلِسٍ لا يذكُرونَ اللَّه تَعالى فيهِ إلا قاموا عن مِثلِ جيفَةِ حمارٍ، وَكانَ لَهُم حَسرةٌ ))

[  أخرجه أبو داود والنسائي والبيهقي وأحمد  ]

ثلاثة أيام العيد زياراتٌ، ولقاءاتٌ، وأحاديث، اجعَل حديثك عن الله عزَّ وجل.

(( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو: اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي، أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، ‌والقصد ‌في ‌الفقر والغنى، ولذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، وأعوذ بك من ضراء مضرة، ومن فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهديين ))

[ مسند الإمام أحمد ]

(( وكان من جملة ما وصّى به النبيُّ صلى الله عليه وسلم عقبةَ بنَ عامرٍ رضي الله عنه وهو يمشي معه أنه قال له: يا عقبة بن عامر: صِلْ من قطعك، واعطِ من حرمك، واعفُ عمَّن ظلمك، قال عقبة: ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :يا عقبة، امسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك ))

[ رواه الإمام أحمد ]


خاتمة:


أيُّها الإخوة الكرام: أسأل الله لي ولكم أن تكون أيام العيد أيامُ عملٍ صالحٍ، بعيداً عن الغيبة والنميمة، بعيداً عن اللغو الذي لا يُقدِّم ولا يؤخِّر، قريباً من ذِكر الله، وأن تصِل الأرحام بالدرجة الأولى التي لا تصلها إلا في العيدين، هناك من تعيش معه كل يومٍ، الأَولى في العيد أن تزور الذي لا تراه إلا في العيد، لأنَّ هذه الصِلة تزيد في الرزق، وتُنسئ في الأجل.

(( مَن سَرَّه أن يُبسَطَ له في رِزقِه، وأن يُنسَأ له في أثَرِه، فليَصِلْ رَحِمَه ))

[ صحيح البخاري ]

من مكافأة الله عزَّ وجل لمَن يصِل أرحامه في العيد وفي غير العيد، أنَّ هذه الصِلة تزيد في رزقه، وتؤخِّر في أجله. 

الدعاء:


اللهم اهدنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحقِّ ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلُّ من واليت ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
اللهم أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، و أصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلِح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شرّ، مولانا ربَّ العالمين.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك.
اللهم لا تؤمِنّا مكرك، ولا تهتِك عنّا سترك، ولا تُنسنا ذِكرك يا ربَّ العالمين.
اللهم ما رزقتنا مما نُحب فاجعله عوناً لنا فيما تُحِب، وما زويت عنّا ما نُحِب فاجعله فراغاً لنا فيما تُحِبّ.
اللهم صُنّ وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شرَّ خلقك ونُبتلى، بحمد مَن أعطى وبرِّ مَن منع، وأنت من فوقهم وليُّ العطاء وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء.
اللهم كما أقررت أعيُن أهل الدنيا بدنياهم فأقرِر أعيننا من رضوانك. 
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصُر الإسلام وأعزَّ المسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، وخُذ بيَد ولاتهم إلى ما تُحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

الملف مدقق

والحمد لله ربِّ العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور