وضع داكن
18-06-2026
Logo
الخطبة : 1055 - الإرث ، حرمان البنات والزوجات من الميراث - الظلم بين أفراد الأسرة .
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الخــطــبـة الأولــى: 

الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلن تجد له وليّاً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكَفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سَمعت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومَن والاه، ومَن تبعه إلى يوم الدين. 
اللهم لا عِلم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا عِلماً، وأرِنا الحقَّ حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبِعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرِجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.

مقدمة:


أيُّها الإخوة الكرام: قبل حين سألني أخٌ كريم: كيف تنتقي موضوعات الخُطبة؟ قلت له: من بعض الأسُس التي أعتمدها في اختيار الموضوع، أنني لشهرٍ أو أقل أو أكثر، الاتصالات الهاتفية التي تَعرِضُ عليَّ مُشكلات المسلمين، لو أنَّ سبعين بالمئة من المُشكلات تحوم حول موضوعٍ واحد، اخترت هذا الموضوع للخُطبة، وأنا من شهرٍ تقريباً، أُعالج مُشكلاتٍ أفضى بعضها إلى الطلاق، بسبب عدم العدل في توزيع الإرث، أو بسبب حِرمان الزوجات، أو حِرمان البنات، فلذلك هذا الموضوع من صُلب الدين.

حرمان الإناث من الميراث:


1 – حرمان الإناث من الميراث مِن عمل الجاهلية الأولى:

الحقيقة الأولى في هذه الخُطبة: حِرمان الزوجات من ميراث أزواجهنّ، وكذلك حِرمان البنات من ميراث آبائهنّ، من فِعل الجاهلية، لأنَّ الجاهليين هُم الذين يَحرِمون الإناث من الميراث، لأنهم يقولون: إنما يستحق الإرث مَن يحمي الذِمار، ويحمل السلاح، فهم يحرمون النساء والصغار من الميراث. 

2 – الإسلام أعطى المرأة حقَّها من الميراث:

والله جلَّ في عُلاه، جعل للزوجات ميراثاً، لقوله تعالى:

﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ۚ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)﴾

[ سورة النساء ]

كذلك جعل للبنات نصيباً من ميراث آبائهنّ، قال تعالى:

﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11)﴾

[ سورة النساء ]

هذا هو دين الإسلام، الذي أنصف المرأة فأعطاها نصيبها، قال تعالى:

﴿ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (7)﴾

[ سورة النساء ]

لذلك أيُّها الإخوة: مرةً ثانية، حِرمان البنات من الإرث عادةٌ جاهلية، أبطلها الله عزَّ وجل بنَص القرآن بآياتٍ قطعية الدلالة، حرمانهم من العقار، أو من الأنواع المرغوب بها، كمحلٍ تجاري رائجٍ جداً، أو عقارٍ في موقعٍ ممتازٍ جداً، حِرمان البنات من عقارٍ، أو من محلٍ له أهميةٌ بالغة، أيضاً نوعٌ من الحِرمان.
أيُّها الإخوة الكرام: في الحديث الشريف الصحيح: 

((  من رأى منكم منكرًا فليغيرْه بيدِه فإن لم يستطعْ فبلسانِه، فإن لم يستطعْ فبقلبِه، وذلك أضعفُ الإيمانِ ))

[ أخرجه مسلم وابن ماجه وأحمد ]

كما في صحيح مسلم.

الحُكم الشرعي فيمن أخذ فوق ما يستحق:


الآن ما الحُكم الشرعي ممن أخذ فوق ما يستحق؟ قال: فإن لم يستطع التغيير بحالٍ من الأحوال، فواجبه عندئذٍ أن يتخلَّص مما هو زائد على حقِّه، ويقسِّمه بين الورثة، إن لم يستطع إقناع بقية الورثة، بإحقاق الحقّ والتوزيع وفق الكتاب والسُنَّة، فليتخلص مما ليس له. 
كثير من المغتصبين ذوو كفاءاتٍ علمية بل من روَّاد المساجد !!! 
لكن الذي يلفِت النظر، أنَّ من يستبد ويظلِم ليس جاهلاً، ولا أُميَّاً، ولا إنساناً غير سوي، بالمفهوم المُصطلح عليه، بل إنَّ بعضهم يعملون في المُحاماة والهندسة والتجارة، ويُديرون أعمالاً، ويعرفون حقوق وواجبات الأهل والأبناء والأصدقاء، ولكن يتجاهلون حقوق الميراث، ميراث إخوتهم من البنات، بل إنَّ بعض الذين يحرمون البنات من روَّاد المساجد! وكنت أقول لكم دائماً ولمراتٍ عديدة: الدين الحقيقي ليس في المسجد، وأنت توزِّع الإرث، وأنت تَهبُ لأولادك وبناتك، وأنت في دكانك، وأنت في عيادتك، وأنت في مكتب المُحاماة، وأنت في الحقل، وأنت في متجرك، الدين هو أن تكون مستقيماً على منهج الله، تأتي العبادات الشعائرية التي في المسجد كي تقبض الثمن، أمّا من دون أن تستقيم على أمر الله، فلا معنى للعبادات الشرعية، ولمئات المرَّات كنت أقول: الصلاة والصيام والحج والزكاة، إن لم تسبقها استقامةٌ على منهج الله فلا قيمة لها عند الله، وترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةٍ بعد حجة الإسلام. 
أيُّها الإخوة الكرام: حينما يستفتي إنسانٌ من يعمل في الحقل الديني، ويُقرّه على ذلك، فالإثم مُضاعف، لأنَّ الذي يُفتي بلا علمٍ يُحاسَب عند الله، لكن الذي يُفتي بخلاف عِلمه له حسابٌ أشدُّ بكثير. 

لو جاز التفضيل في عطية الأولاد لفُضِّلت النساء:


أيُّها الإخوة الكرام: هل تصدقون أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام في بعض أحاديثه يقول: 

(( ساوُوا بَينَ أولادِكم في العَطيَّةِ، فلو كُنتُ مُفضِّلًا أحَدًا لَفَضَّلتُ النِّساءَ ))

[ أخرجه الطبراني والبيهقي ]

لأنهنّ أكثر طواعيةً، وأكثر حُبّاً، وأكثر وفاءً لآبائهنّ (فلو كُنتُ مُفضِّلًا أحَدًا لَفَضَّلتُ النِّساءَ)

قسمة الميراث تولّى الله أمرها في القرآن جُملةً وتفصيلاً: 


ولكن الحقيقة التي سوف أعدُّها محور هذه الخُطبة، إنَّ الله جلَّ في عُلاه، لم يسمح لنبيِّه المُصطفى المعصوم، الذي هو سيد الخلق وحبيب الحقّ، أن يتولى توزيع التَرِكة، بل تولاها الله بذاته العليّة في القرآن الكريم، فأحكام الميراث ليست في السُنَّة، ولكنها في الكتاب بواضح الآيات، وذات دلالةٍ قطعية.
أيُّها الإخوة: يقول الله عزَّ وجل: (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا) مِن قِبَل مَن؟ مِن قِبَل الواحد الديان، مِن قِبَل قيوم السماوات والأرض، مِن قِبَل الذي أنزل القرآن.

﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا (8)﴾

[ سورة النساء ]

مِن هذه الآية أُخذَت الوصية الواجبة، أن يُعطى أولاد المتوفى في حياة أبيه، نصيب أبيهم كما لو كان حيّاً.

﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9)﴾

[  سورة النساء ]

الذي يحدث في الأعمِّ الأغلب، أنَّ الابن البكر يأخُذ أكبر نصيب، يشتري له بيتاً، ويُزوجه، ويدخُل معه في المحل التجاري، وله نصف الأرباح، وله أخٌ صغير، لكن الأخ الأكبر أخذ النصيب الأكبر، ولم يترُك للصغير شيئاً، وهذه الآية تقول: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) ماذا يمنع أن يكون نصيب الكبير دَيناً عليه، فإذا وزِّعت التَرِكة طُرِح هذا المبلغ من نصيبه، فكان العدل أساس هذا التقسيم. 

وعيدٌ يقصم الظهر لمن أكل مال اليتيم ظلماً وعدواناً:


الآن الآية التي تقصِم الظهر:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)﴾

[ سورة النساء ]

حينما يأكل الأخ الأكبر حقَّ إخوته الصغار، الذين أصبحوا يتامى بعد موت أبيهم (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) هذا كلام مَن؟ ليس كلام إنسانٍ لا يعني ما يقول، وليس كلام إنسانٍ قد لا يستطيع أن يفعل ما يقول، هذا كلام خالق السماوات والأرض.
أنا أُخاطِب الإخوة الكبار، الذين أخذوا وكالاتٍ من أخواتهم البنات والصغار، وبهذه الوكالة العامة، ضمّوا ميراث الأب إليهم، وحَرموا أخواتهم البنات وإخوتهم الصغار، أقول لهؤلاء: اقرؤوا هذه الآية، وضَعوها مُعلَّقةً في بيوتكم: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) .

هناك فرقٌ بين العدل والمساواة: 


 (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ) بالنظام الإسلامي المرأة تأخُذ المهر، وليس عليها نفقةٌ إطلاقاً، بينما الرجُل يدفع المهر، وعليه تأسيس البيت، وشراء البيت، والإنفاق، لذلك العدل غير المُساواة، هذه الآية محضُ عدلٍ، لكن ليس بها مُساواة، فالذي يدفع غير الذي يأخُذ، هي تأخُذ المهر، ونفقتها على أبيها أو على زوجها، ليست مسؤولةً أن تُنفِق إطلاقاً. 

آيتان عظيمتان في موضوع المواريث:


الآية الأولى:

فلذلك يقول الله عزَّ وجل: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ)
دققوا الآن: (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) .
في موقعٍ معلوماتي طالعته اليوم، ذَكر أنَّ إنساناً ترك عشرين مليون ريال في جدة، أي مئتين وعشرين مليون ليرة، ابنته تسكن في غرفةٍ قميئة، وتعيش من الصدقات، وأخوها معه مئتان وعشرون مليوناً، لم يُعطِها شيئاً.
إخوانّا الكرام: لأنه في هذا الشهر أكبر موضوعٍ جاءني فيه شكوى، أو اتصالاً هاتفياً، أو لقاءً شخصياً، هو أنَّ هناك مضاعفاتٌ خطيرة جداً انتهت بالطلاق، أُسرتان أو أكثر في هذين الأسبوعين، تفكَّكت الأُسرة، وطُلِّقَت المرأة، وتشرَّد الأولاد، لأن الأهل لم يُعطوا أُختهم شيئاً. 

الآية الثانية:

أيُّها الإخوة الكرام: ( وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ۚ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) .

 خاتمة وعيدية تحذيرية لتعدي حدود قسمة الميراث:


الآن التعقيب الذي جاء بعد آيات الميراث:

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (14)﴾

[ سورة النساء ]

بأي موضوع؟ التعليق بعد آيات المواريث (وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) في آيات المواريث: (وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) ألا تكفي هذه الآية لمَن تُحدِّثه نفسه ألّا يُعطي أخته شيئاً؟ كيف الطريق؟ 
المرأة في عصور التخلُّف مُستضعفة، تُجبَر على توقيع وكالةٍ عامة لأخيها، وأخوها يأخُذ كل شيء، وقد يُعطيها الفُتات، والله علِمت أنَّ إنساناً مات في مدينةٍ في الشمال ترك ألف مليون، ترك ابناً وبنتاً، الابن لم يُعطِ أخته شيئاً، والقصة طويلة، وإنسانٌ آخر في دمشق ترك ما يزيد على ألف مليون، أحد أولاده يعمل على شاحنةٍ يعيش كَفاف يومه، والأخ الثاني باسمه ثمانون محضراً سكنياً، هذه وقائع، وأنا لا أخطُب من فراغ، لا أختار موضوعاً من خيالي وأتكلم به، لأنه أكبر مشكلةٍ الآن في مجتمع المسلمين، في مجتمع الذين يقرؤون القرآن، في مجتمع الذين يرتادون المساجد، في مجتمع الذين يجلسون مع العلماء، ويُمجِّدون دروسهم، ويثنون على خُطبتهم، هؤلاء هُم أنفسهم الذين يحرمون البنات. 

ما جاء في السُنَّة من أحكام الميراث والهبات والعطايا: 


أيُّها الإخوة الكرام: هذا في القرآن فماذا في السُنَّة الشريفة؟ 

الحديث الأول:

(( عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ  رضي الله عنهما قَالَ:  تَصَدَّقَ عليَّ أبي ببَعضِ مالِه، فقالت أُمِّي عَمرةُ بنتُ رَواحةَ: لا أرضى حتَّى تُشهِدَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فانطَلَقَ أبي إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليُشهِدَه على صَدَقَتي، فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أفَعَلتَ هذا بولَدِكَ كُلِّهم؟ قال: لا، قال: اتَّقوا اللَّهَ، واعدِلوا في أولادِكُم، فرَجَعَ أبي، فرَدَّ تلك الصَّدَقةَ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

وفي أُخرى قال عليه الصلاة والسلام: 

(( أنَّ أُمَّه بنتَ رَواحةَ سَألَت أباه بَعضَ المَوهِبةِ مِن مالِه لابنِها، فالتَوى بها سَنةً، ثُمَّ بَدا له، فقالت: لا أرضى حتَّى تُشهِدَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على ما وهَبتَ لابني، فأخَذَ أبي بيَدي وأنا يَومَئذٍ غُلامٌ، فأتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أُمَّ هذا بنتَ رَواحةَ أعجَبَها أن أُشهِدَكَ على الذي وهَبتُ لابنِها، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا بَشيرُ، ألَكَ ولَدٌ سِوى هذا؟ قال: نَعَم، فقال: أكُلَّهُم وهَبتَ له مِثلَ هذا؟ قال: لا، قال: فلا تُشهِدْني إذًا، فإنِّي لا أشهَدُ على جَورٍ ))

[ اخرجه البخاري ومسلم والنسائي  ]

هل هناك أوضح من هذا الكلام؟ هل هناك أدق من هذا الكلام؟ هل هناك أبيَن من هذا الكلام؟ 
  وفي روايةٍ أُخرى:

(( إنَّ أبي نحَلني كذا وكذا فأتى بي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِيُشهِدَه فقال: أكُلَّ ولدِك أعطَيْتَ مِثْلَ ما أعطَيْتَ؟ فقال: لا، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : أشهِدْ على هذا غيري، هذا جَوْرٌ، ثمَّ قال: أتُحِبُّون أنْ يكونوا في البِرِّ سواءً؟  قال: نَعم قال: فلا إذًا ))

[ أخرجه مسلم والنسائي وأبو داود ]

 أخرجه البخاري ومسلم، وما في البخاري ومسلم من أصحِّ الأحاديث بعد كتاب الله جلَّ جلاله.
 وفي روايةٍ لمسلم، يقول النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ أباه أعطاه عطيةً فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: 

((  ما هذا الغلامُ؟ قالَ: غلامي أعطانيهِ أبي، قالَ: فَكلَ إخوتِك أعطى كما أعطاكَ؟ قالَ: لا، قالَ: فاردُدْه ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود ]

من هُنا جاء الحُكُم، أنه مَن أخذ أكثر ما يستحق عليه أن يَردَّ الباقي على إخوته.
والله أعرف شخصين جاءني أخٌ كريمٌ إلى المسجد، وقد كتب له أبوه كما قلت قبل قليل ثمانين محضراً سكنياً، ثمنها قريباً من ألف مليون ليرة، قال: وأخي يعمل على شاحنة، وقررت أن أوزِّع التَرِكة بين إخوتي جميعاً بالعدل، قلت له: والله إن لم يكن لك إلا هذا العمل لكفاك لدخول الجنَّة، ابنٌ صالح وَزَّعَ الثروة بأكملها وفق أحكام الإرث الشرعي (قالَ: فاردُدْه) .
وفي روايةٍ: 

(( أن النعمان بن بشير قال: إن أباه بشيرا أتي به إلى النبي، فقال: إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: لا، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: فارتجعه ))

[ أخرجه البخاري ومسلم  ]

ولأبي داود أيضاً:

((  أنحلَني أبي نُحلًا، قالَ إسماعيلُ بنُ سالمٍ من بينِ القومِ نِحلةً غلامًا لهُ – قالَ: فقالَت لهُ أمِّي: عَمرةُ بنتُ رَواحةَ ائتِ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فأشهِدهُ فأتَى النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فأشهدَهُ فذكرَ ذلِكَ لهُ، فقالَ لهُ: إنِّي نَحَلتُ ابني النُّعمانَ نُحلًا وإنَّ عَمرةَ سألَتني أن أُشهِدَكَ علَى ذلِكَ، قالَ: فقالَ: ألَكَ ولدٌ سِواه؟ُ قالَ: قلتُ: نعَم، قالَ: فكُلَّهُم أعطَيتَ مثلَ ما أعطَيتَ النُّعمانَ؟ قالَ: لا، قالَ: فقالَ بعضُ هؤلاءِ المحدِّثينَ: هذا جَورٌ، وقالَ بعضُهُم: هذا تلجِئةٌ، فأشهِد علَى هذا غَيري، قالَ مُغيرةُ في حديثِهِ: ألَيسَ يسرُّكَ أن يَكونوا لَكَ في البرِّ واللُّطفِ سواءً؟ قالَ: نعَم قالَ فأشهِد علَى هذا غَيري، وذكرَ مُجالدٌ في حديثِهِ إنَّ لَهُم علَيكَ منَ الحقِّ أن تعدِلَ بينَهُم كما أنَّ لَكَ عليهِم منَ الحقِّ أن يبَرُّوكَ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والطبراني  ]

وفي روايةٍ عن مغيرة في حديثه: (ألَيسَ يسرُّكَ أن يَكونوا لَكَ في البرِّ واللُّطفِ سواءً؟ قالَ: نعَم قالَ فأشهِد علَى هذا غَيري، وذكرَ مُجالدٌ في حديثِهِ إنَّ لَهُم علَيكَ منَ الحقِّ) دقق الآن: (أن تعدِلَ بينَهُم كما أنَّ لَكَ عليهِم منَ الحقِّ أن يبَرُّوكَ) .
وقال عليه الصلاة والسلام:

(( اعدلوا بينَ أبنائِكُم، اعدلوا بينَ أبنائِكُم ))

[ أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد ]

وفي حديثٍ: ولو في القُبَل، وفي الابتسامة، وفي النظرة، أمامك أولادك، عينك على واحدٍ فقط، هذا غلط، اعدلوا بينهم في القُبَل، وفي الابتسامة، وفي النظرة.
أيُّها الإخوة الكرام: حديثٌ واضحٌ كالشمس، وآياتٌ واضحةٌ كالشمس، والمسلمون لم يأخذوا من الدين إلا العبادات الشعائرية، أحدهم يقول: عامل ثمانية وثلاثين عُمرةً، بارك الله بك، ثم ظَلمتَ بين أولادك! يأخذون العبادات الشعائرية ولا يهتمون بالعبادات التعاملية، مع أنَّ العبادات التعاملية هي الأصل. 

الحديث الثاني:

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ:  أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى ابْنِي بِصَدَقَةٍ، فَاشْهَدْ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ وَلَدٌ غَيْرُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَعْطَيْتَهُمْ كَمَا أَعْطَيْتَهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: لا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ))

[ سنن النسائي ]

هذا موضوعٌ آخر، صحابيٌ آخر

الحديث الثالث:

أمّا الحديث الذي يقصِم الظهر، شهر بن حوشب،

(( يروي أبو هريرة أنه حدَّثه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  إِنَّ الرجلَّ ليعملُ والمرأةُ بطاعَةِ اللهِ ستينَ سنة ثُمَّ يحضرُهما الموتُ فيُضَارَّان في الوصِيَّةِ فتَجِبُ لهما النارُ ثُمَّ قرأَ أبو هريرَةَ: {مِنْ بعدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غيرَ مضارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ} .. إلى قولِهِ تعالى: {ذَلِكَ الفوزُ العظيمُ} ))

[ أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد ]

(إِنَّ الرجلَّ ليعملُ والمرأةُ بطاعَةِ اللهِ ستينَ سنة) يعيش ستّين سنةً، خمسُ صلواتٍ، وصومٍ، وزكاةٍ، وحجٍ، وطاعة.

الحديث الرابع:

الآن هناك حيلةٌ شرعية، يكتُب الأبُ لابنه سند دَين بمليون ليرة، فالدَين يُحسَم من الإرث، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن ماجه: 

(( مَن فرَّ مِن ميراثِ وارثِهِ، قَطعَ اللَّهُ ميراثَهُ مِنَ الجنَّةِ يومَ القِيامَةِ ))

[ أخرجه ابن ماجه والديلمي ]

هذا فِرارٌ، حيلةٌ بأن يُعطي قرضاً لابنه أن عليه مبلغا كبيراً جداً، هذا القرض يُحسَم من الإرث، ويوزَّع الباقي، فيكون قد ضرَّ في الوصية، إذاً: (قَطعَ اللَّهُ ميراثَهُ مِنَ الجنَّةِ يومَ القِيامَةِ) .
يبدو أنه كانت هناك عادةٌ جاهليةٌ قديمة، فالسيدة عائشة فيما ورد عنها، أنها ذكرت صدقات الناس اليوم، وإخراج الرجال بناتهم منها، كيف يُخرِج الرجُل بناته من ميراثه؟ تقول: ما وجدت للناس مثلاً اليوم في صدقاتهم إلا كما قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا ۖ وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ ۚ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139)﴾

[ سورة الأنعام ]

هذه دعوةٌ جاهلية. 

العُرف إذا عارض الشرع فهو باطل:


الحقيقة الأخيرة أيُّها الإخوة الكرام: إنَّ العُرف يبطُل إذا خالف نصَّاً شرعياً، الأعراف والتقاليد تُركل بالقدم إذا خالفت نصَّاً شرعياً، فإذا كان هذا من أعراف المسلمين، أعرافهم غير الإسلامية، بل الجاهلية، وخالفت نصَّاً إسلامياً، فينبغي أن تُرَدّ، وأن تبطُل، وألّا يؤخَذ بها، بل هي دعوةٌ جاهلية، ينبغي أن تُركل بالأقدام. 
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، وسيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتَّخِذ حِذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله ربِّ العالمين.

***

الخطبة الثانية: 

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

لا بُدَّ من تحكيم الشرع في قضايانا: 


أيُّها الإخوة: أنا أُركِّز على هذه الفكرة كثيراً، لقد ألِفَ المسلمون أنَّ دينهم دين صلاةٍ وصيامٍ وحجٍ وزكاة، وفيما سوى ذلك تحكمهم الأعراف والتقاليد، وما هُم عليه الناس، وما يأتيهم عن الغرب، فالمفارقة الحادَّة أنك تجد المُسلم مُسلماً في المسجد، أمّا في مُعاملاته، ففيها بضاعةٌ مُحرَّمة! يقول لك: رائجة كثيراً، الله يغفر لنا، وفي توزيع الإرث تقول له: حرمتَ البنات، يقول: الأصهار لا يُعطَون وجهاً، نخاف أن يذهب المال إليهم فيتحكموا بنا!
ترى إنساناً لا يحكمه القرآن الكريم، مَن هو المؤمن؟ الذي تجده وقَّافاً عند كتاب الله، الذي تجده وقَّافاً عند الحلال والحرام، مَن هو المؤمن؟ أن يراك الله حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك.

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)﴾

[ سورة يونس ]

انظُر الى أين ينتهي مصيرك؟!! 
أيُّها الإخوة: دققوا: القبر حُفرةٌ في الأرض، أنت حينما تُشيِّع جنازةً، ألا ترى مصير الإنسان؟ قد يكون من أغنى أغنياء البلد، قد يكون من أكبر علماء البلد، قد يكون من أقوى أقوياء البلد، حفرةً، أين البيت الفخم؟ أين المركبة الفارهة؟ أين المكتب التجاري الرائع؟ أين الدخل الفلكي؟ أين الحَشَم والخدَم الذين حوله؟ أين الأتباع؟ وأين هُم؟ تركوه، ونزل إلى القبر وحده، ونزل معه عمله، فإن كان عمله كريماً أكرمه، وإن كان عمله سيِّئاً أَسلمه.

(( أَلَا يا رُبَّ نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا، جائعةٍ عاريةٍ يومَ القيامةِ، أَلَا يا رُبَّ نفسٍ جائعةٍ عاريةٍ في الدنيا، طاعمةٍ ناعمةٍ يومَ القيامةِ، أَلَا يا رُبَّ مُكْرِمٍ لنفسِه وهو لها مُهِينٌ، ألا يا رُبَّ مُهِينٍ لنفسِه وهو لها مُكْرِمٌ، أَلَا يا رُبَّ متخوِّضٍ ومتنعِّمٍ في ما أفاء اللهُ على رسولِه ما له عند اللهِ من خَلَاقٍ، أَلَا وإن عملَ النارِ سهلةٌ بسَهْوَةٍ، أَلَا يا رُبَّ شهوةِ ساعةٍ أَوْرَثَتْ حُزْنًا طويلًا ))

[ أخرجه ابن سعد في الطبقات و ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني و القضاعي في مسند الشهاب ]


الدَين خطير عليكم بأدائه ومنه توزيع التركة على الوجه الشرعي: 


ترى عند المسلمين سبعمائة ألف دعوى كيدية، اغتصاب أموال، اغتصاب شركات، اغتصاب بيوت، ديون لا تؤدَّى، مع أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: 

(( يُغفَرُ للشَّهيدِ كُلُّ ذَنبٍ إلَّا الدَّينَ ))

[ صحيح مسلم ]

للشهيد، لمَن أدى حياته، وهي أثمن ما يملِك في سبيل الله، الديون لا تُغفر له، فكيف بالذي لا يُقيم شرع الله في الميراث، لولا أنها مشكلةٌ عامة، لولا أنَّ سبعين بالمئة حتى أكون دقيقاً، سبعون بالمئة من الأُسر يحرمون البنات، ويُعطون الذكور، لم يكن هذا الموضوع، لكن لأنه موضوعٌ ساخن، وطافٍ على السطح، وموضوعٌ متكرر، وموضوعٌ ينتهي إلى الطلاق، وانتهت أُسرتان في أسبوعين إلى الطلاق، لأنَّ الأهل أحجموا عن إعطاء ابنتهم حصّتها من الميراث. 

لن ننتصر وحالنا كما هو: 


أيُّها الإخوة الكرام: ألا تتصور ما هي الأسباب الكبيرة، التي وراء أنَّ الله تخلّى عنّا؟ أهذا حال المسلمين في التاريخ؟ أهكذا كان حالنا؟ كنت في مدينةٍ في أوروبا اسمُها آخِن، هي عاصمة الإمبراطورية سابقاً، كان فيها المَلِك شارلمان، جاءته هديةٌ من هارون الرشيد، موضوعة بأعلى مقامٍ افتخاراً، الدولة الإسلامية كانت في أعلى مقام، هل هذا حالنا الآن؟ لماذا؟ لأننا فهمنا الدين عباداتٍ شعائرية، ولم نفهمه عباداتٍ تعاملية، فهمنا الدين صلاةً وصياماً وحجَّاً، وزكاةً، ولم نفهمه أداءً للحقوق، الدين عدل.
لمّا أرسل النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن رواحة ليُقيِّم تمر خيبر أغرَّوه بحلي نسائهم، فقال: 

(( أفاءَ اللهُ خَيبَرَ على رَسولِه، فأقَرَّهُم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وجعَلَها بَينَه وبَينَهُم، فبَعَثَ عَبدَ اللهِ بْنَ رَواحةَ فخرَصَها عليهم، ثم قال: يا مَعشَرَ يَهودَ، أنتُم أبغَضُ الخَلْقِ إليَّ، قتَلتُم أنبياءَ اللهِ، وكَذَبتُم على اللهِ، وليس يَحمِلُني بُغْضي إيَّاكم أنْ أَحيفَ عليكم، قد خَرَصتُ عِشرينَ ألْفَ وَسْقٍ من تَمرٍ، فإنْ شِئتُم فلكُم، وإنْ أبَيتُم فلي، قالوا: بهذا قامَتِ السَّمَواتُ والأرضُ، قد أخَذْناها، قال: فاخْرُجوا عنَّا))

[ أخرجه الدارقطني وأبو داود والطحاوي ]

المجتمع الإسلامي أساسه الأُسرة، وهناك ظلمٌ بين أفراد الأُسرة لا يعلمه إلا الله، زوجاتٌ مظلومات، بناتٌ مظلومات، أخٌ ظالمٌ يأخُذ كل المُلك له، لا يُعطي شيئاً، وقد تُعاني أخته من آلام الجوع هي وأولادها، ونصيبها من الميراث من خمسٍ وعشرين سنةً لم توزَّع التَرِكة، هكذا.
أيُّها الإخوة الكرام: أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الخُطبة باعثةً للمسلمين، أو لمن يسمعها على أن يؤدّي الحقوق لأصحابها، فترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةٍ بعد حجة الإسلام، الدانق سدس الدرهم، ثلاثون قرشاً سورياً، أدِّ الحقَّ إلى صاحبه. 

الدعاء: 


اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلُّ مَن واليت ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هَبّ لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك.
اللهم اعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا ولا تؤثِر علينا، ارضنا وارضَ عنّا.
اللهم أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، و أصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلِح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا ربَّ العالمين.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك.
اللهم لا تؤمنَّا مكرك، ولا تهتِك عنّا سترك، ولا تُنسنا ذِكرك.
اللهم اسقِنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تُهلكنا بالسنين، ولا تؤاخذنا بفعل المُسيئين يا ربَّ العالمين.
اللهم ارفع مقتكَ وغضبكَ عنّا، ولا تُعاملنا بما فعل السُفهاء منّا، استُر عيوبنا، واغفر ذنوبنا، وارحم ضعفنا، واقبَل توبتنا، وأقِل عسارنا يا ربَّ العالمين. 
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصُر الإسلام وأعزَّ المسلمين، وخُذ بيد ولاتهم إلى ما تُحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

الملف مدقق

والحمد لله ربِّ العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور