وضع داكن
25-04-2026
Logo
الخطبة : 1058 - الحج ، خصائص ومكانةهذه العبادة - خطبة النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع .
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الخطبة الاولى: 

الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ، أو سمعت أُذُنٌ بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومَن والاه ومَن تَبِعه إلى يوم الدين.
اللهم لا عِلم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا عِلماً، وأرِنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبِعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات. 

مقدمة لعبادة الحج: 


أيُّها الإخوة الكرام: نحن على مشارف عبادةٍ كُبرى من عبادات الإسلام، إنها عبادة الحج، والعبادات كما تعلمون تعامُلية وشعائرية، فالشعائرية يقع على رأسها الصلاة، ولا خير في دينٍ لا صلاة فيه، ومن أقام الصلاة فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدَم الدين.
أيُّها الإخوة: الصلاة شِحنةٌ يومية، شِحنةٌ روحيةٌ علميةٌ يومية، علميةٌ، لأنه ليس للمرء من صلاته إلا ما عَقِل منها، وإيمانيةٌ هي قُربٌ من الله عزَّ وجل.

﴿ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب ۩ (19)﴾

[ سورة العلق  ]

هي دُعاء، هي ذِكر.

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)﴾

[ سورة طه ]

شِحنةٌ علميةٌ روحية، وخُطبة الجمعة شِحنةٌ أسبوعية، ورمضان شِحنةٌ سنوية، بينما الحج شِحنةُ العُمر. 

من خصائص الحج:


1 – الحج يفتح للمسلم صفحة بيضاء:

(( من حجَّ فلم يرفُث ولم يفسُق رجعَ كيومِ ولدتهُ أمُّه ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

كما أنَّ الصيام فرصة كي تفتح مع الله صفحةً جديدة، كذلك الحج فرصةُ العمر كي تَخرُج من ذنوبك كيوم ولدتك أُمك. 

2 – الحج مغادرة الأهل والولد والمكانة:

أيُّها الإخوة الكرام: إلا أنَّ عبادة الحج لها خصائص، الصلاة والصيام والزكاة والنطق بالشهادة تؤدّى وأنت في بيتك، وأنت في مكان إقامتك، إلا أنَّ هذه العبادة تحتاج إلى تفرغٍ تام، إذاً ينبغي أن تُغادر مدينتك، أن تُغادر بلدتك، أن تُغادر بيتك، أن تُغادر مركز عملك، أن تُغادر مكانتك في بلدك، أن تُغادر ما أَلِفته من نعيم الدنيا، إنها رحلةٌ قبل الأخيرة، كيف أنَّ الرحلة الأخيرة رحلةٌ إلى القبر، لا يأخُذ الإنسان معه إلا الكفن. 

3 – الحج تذكيرٌ بالرحلة الأخيرة للإنسان إلى ربِّه:

وكأنَّ الله أرادنا من خلال هذه العبادة، ألّا ننسى الموت، ألا ننسى أنَّ الإنسان ينتقل بالموت، من دُنياه العريضة إلى قبرٍ صغير، وليس عليه إلا كفنٌ يسير.
لذلك رحلة الحج رحلةٌ تُذكِّرُنا بالآخرة، رحلةٌ تُذكِّرُنا بأنَّ كل الأقنعة التي يتواضع الناس على قيمتها لا قيمة لها، لا يستطيع الغني أن يرتدي ثياباً غالية، ولا يستطيع ذو الرتبة العسكرية أن يضع النياشين وهو يطوف، كل هذه الأقنعة التي ألِفناها في دُنيانا، سوف تُنزَع عنّا في الحج، وكأنَّ الله سبحانه وتعالى أرادنا أن نَصْحُوَ من غفلتنا. 

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيل


يا أيُّها الإخوة الكرام: إن البيت العتيق هو أول بيتٍ وضِعَ للناس، هو أول بيتٍ أُقيم في الأرض لعبادة الله، ومُجدِّدُ بنائه هو الخليل إبراهيم، وولده الذبيح إسماعيل، وهُما الرسولان الكريمان، اللذان جعل الله في ذُريتهما هذه الأُمة المُسلمة، واستجاب دعوتهما الخالصة، وهُما يُشيدان هذا البناء:

﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(128)﴾

[ سورة البقرة ]

دققوا الآن:

﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)﴾

[ سورة البقرة ]

لذلك قال عليه الصلاة والسلام: 

(( عن أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنهم قالوا له أَخبِرْنا عن نفسِك قال نعم أنا دعوةُ أبي إبراهيمَ وبُشرى عيسى عليهما السلامُ ورأَتْ أمي حين حملتْ بي أنه خرج منها نورٌ أضاءت له قصورُ الشام واستُرضِعْتُ في بني سعدِ بنِ بكرٍ فبينا أنا في بَهمٍ أتاني رجلان عليهما ثيابٌ بِيضٌ معهما طَستٌ من ذهبٍ مملوءٍ ثلجًا فأضجعاني فشقَّا بطني ثم استخرجا قلبي فشقَّاه فأخرَجا منه علقةً سوداءَ فألقَياها ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلجِ حتى إذا أَلقياه ردَّاه كما كان ثم قال أحدُهما لصاحبه زِنْه بعشرةٍ من أمَّتِه فوزنَني بعشرةٍ فوزنتُهم ثم قال زِنْه بمائةٍ من أمَّتِه فوزنني بمائةٍ فوزنتُهم ثم قال زِنْه بألفٍ من أمتِه فوزنني بألفٍ فوزنتُهم فقال دَعْه عنك فلو وزنتَه بأمَّتِه لوزنَهم ))

[ أخرجه ابن إسحاق في سيرته واللفظ له، والحاكم في مستدركه والبيهقي في دلائل النبوة والطبري في تفسيره ]

 4 – الحج دليلُ حبِّ المسلمِ لربِّه:

أيُّها الإخوة: الحج بُرهانٌ عمليٌ يُقدِّمه المؤمن لربِّه ولنفسه، على أنَّ تلبية دعوة الله عزَّ وجل، بدافع محبَّته وابتغاء رضوانه، أفضلُ عنده من ماله، وأهله، وولده، وعمله، ودياره.
ومما تتميز هذه العبادة، أنها تحتاج إلى تَفرُّغٍ تام، فلا تؤدّى إلا في بيت الله الحرام، إذاً لا بُدَّ من مغادرة الأوطان، وترك الأهل والخُلان، وتحمُّل مشاق السفر، والتعرُّض لأخطاره، وإنفاق المال في سبيل رضوانه. 

5 – الحج يمحو الذنوب:

وإذا صحَّ أنَّ ثمن هذه العبادة باهظ التكاليف، فإنه يصح أيضاً أنَّ ثمرة هذه العبادة باهرةُ النتائج، حيث قال المصطفى صلى الله عليه وسلم، فيما رواه البخاري ومسلم: (من حجَّ فلم يرفُث ولم يفسُق رجعَ كيومِ ولدتهُ أمُّه) كالصيام تماماً.
وقال أيضاً: 

(( فلمَّا جعل اللهُ الإسلامَ في قلبي أتيْتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقلتُ يا رسولَ اللهِ ابسُطْ يمينَك لأبايعَك فبسط يدَه فقبضْتُ يدي فقال ما لك يا عمرُو قال أردْتُ أن أشترِطَ قال تشترِطُ ماذا قال أن يُغفرَ لي قال أما علمتَ يا عمرُو أنَّ الإسلامَ يهدِمُ ما كان قَبلَه وأنَّ الهِجرةَ تهدِمُ ما كان قبلَها وأنَّ الحجَّ يهدِمُ ما كان قبلَه ))

[ أخرجه ابن خزيمة واللفظ له ومسلم وابن الحداد في جامع الصحيحين ]

(( الحجُّ المبرورُ ليسَ لهُ جزاءٌ إلَّا الجنَّةُ قيلَ وما بِرُّهُ؟ قالَ إطعامُ الطَّعامِ وطيبُ الكلامِ ))

[ أخرجه أحمد واللفظ له والفاكهي في أخبار مكة والعقيلي في الضعفاء الكبير والطبراني في المعجم الأوسط ]

((  الحجَّاجُ والعمَّارُ وفدُ اللهِ، إن دعوه أجابهم، وإن استغفَروه غفَر لهم ))

[ أخرجه ابن ماجه والطبراني ]

(( تابِعوا بينَ الحجِّ والعمرةِ، فإنَّهما ينفِيانِ الفقرَ والذُّنوبَ، كما ينفي الْكيرُ خبثَ الحديدِ والذَّهبِ والفضَّةِ وليسَ للحجِّ المبرورِ ثوابٌ دونَ الجنَّةِ  ))

[ أخرجه الترمذي والنسائي وأحمد ]

6 – الحج راحة من هموم الدنيا:

أيُّها الإخوة الكرام: بل إنَّ النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله، يذهب المسلم إلى بيت الله الحرام، ويُخلِّف في بلدته هموم المعاش، هموم الرزق، هموم العمل والكسب، هموم الزوجة والولد، هموم الحاضر والمستقبل، وبعد أن يُحرِم من الميقات يبتعد عن الدنيا كُليِّاً، ويتجرَّد إلى الله عزَّ وجل ويقول: "لبَّيك اللهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إنَّ الحمدَ والنِعمة لك والمُلك، لا شريك لك"

مقاصد أعمال الحج: 


1 – التلبية:

هذه التلبية ما معناها؟ أنا أقول لفُلان: تعال إلي، فيقول: لبَّيك، هي استجابةٌ لنداءٍ ودعوةٍ يقعان في قلبه، أن يا عبدي خلِّ نفسك وتعال.
تعال يا عبدي لأُريحك من همومٍ كالجبال.
تعال يا عبدي لأُريحك من همومٍ كالجبال تجثُم على صدرك.
تعال يا عبدي لأُطهرك من شهواتٍ تُنغِّص حياتك.
تعال يا عبدي وذُق طعم محبَّتي.
تعال يا عبدي وذُق حلاوة مُناجاتي، "لبَّيك اللهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إنَّ الحمدَ والنِعمة لك والمُلك، لا شريك لك".
تعال يا عبدي لأُريك من آياتي الباهرات.
تعال لأُريك ملكوت الأرض والسماوات.
تعال لأُضيء جوانحك بنوري الذي أشرقتْ به الظلمات.
تعال لأعمُر قلبك بسكينةٍ عزَّت على أهل الأرض والسماوات.
تعال لأملأ نفسك غنىً ورضىً شقيَت بفقدهما نفوسٌ كثيرات.
تعال يا عبدي لأُخرِجك من وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.
تعال يا عبدي لأُنقذك من وحشة البُعد إلى أُنس القُرب.
تعال لأُخلِّصك من رُعب الشِرك وذُل النِفاق إلى طمأنينة التوحيد وعز الطاعة، "لبَّيك اللهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إنَّ الحمدَ والنِعمة لك والمُلك، لا شريك لك".
تعال يا عبدي لأنقلك من دُنياك المحدودة، وعملك الرتيب، وهمومك الطاحنة، إلى آفاق معرفتي، وشرف ذكري، وجنَّة قُربي.
تعال يا عبدي وحُطَّ همومك ومتاعبك ومخاوفك عندي، أنا أضمن لك زوالها.
تعال يا عبدي واذكُر حاجاتك وأنت تدعوني، فأنا أضمن لك قضائها.

(( قال اللهُ تعالى: إن بيوتي في الأرضِ المساجد، وإنَّ زُوّاري فيها عمَّارُها، فطوبى لعبدٍ تطهَّر في بيتِه ثم زارني في بيتي، فحُقَّ على المزورِ أن يُكرمَ زائرَه ))

[ ابن حجر العسقلاني الكافي الشاف ]

كيف يكون إكرامي لك إذا قطعت المسافات، وتجشمت المشقَّات، وتحمَّلت النفقات، وزُرتني في بيتي الحرام؟ ووقفت بعرفة تدعوني وتسترضيني، "لبَّيك اللهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إنَّ الحمدَ والنِعمة لك والمُلك، لا شريك لك" .
تعال يا عبدي وزُرني في بيتي لتنزاح عنك الهموم، ولتُعاين الحقائق وتستعد للقاء. 

(( إنَّ اللهَ يقولُ: إِنَّ عبدًا أَصْحَحْتُ لهُ جِسْمَهُ، و وسَّعْتُ لهُ في مَعِيشَتِه، تَمْضِي عليهِ خمسَةُ أَعْوَامٍ لا يَفِدُ إِلَيَّ إنَّهُ لَمَحْرُومٌ ))

[ أخرجه أبو يعلى وابن حبان والطبراني في المعجم الأوسط ]

 2 – الطواف حول الكعبة:

تعال يا عبدي وطُف حول الكعبة طواف المُحِب حول مَحبوبه، واسعَ بين الصفا والمروى سعي المُشتاق لمطلوبه.
تعال يا عبدي وقبِّل الحجر الأسود، يميني في الأرض، واذرُف الدمع على ما فات من عُمرٍ ضيَّعتَه، في غير ما خُلِقت له، وعاهدني على ترك المعاصي والمُخالفات، وعلى الإقبال على الطاعات والقُربات، وقد وَرَدَ في الأَثَرِ كما ذَكَرَهُ ابنُ القَيِّمِ في مَدَارِجِ السَّالِكِينَ: أَوحَى اللهُ إلى مُوسَى: "كُنْ لي كَمَا أُريدُ، أَكُنْ لَكَ كَمَا تُريدُ، كُن لي كما أُريد ولا تُعلمني بما يُصلحك"
يُروى أنَّ الله تعالى قال لداوود: "يا داوود، أنت تُريد وأنا أُريد، ولا يكون إلا ما أُريد، فإن سلّمت لما أُريد كفيتك ما تُريد، وإن لم تُسلِّم لما أُريد أتعبتك فيما تُريد، ثم لا يكون إلا ما أُريد" .

(( ومما جاء في الأثار القدسية من الكتُب السماوية السابقة: << خلقت لك السماوات والأرض من أجلك فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك>>. ))

[ ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ]

"لبَّيك اللهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إنَّ الحمدَ والنِعمة لك والمُلك، لا شريك لك" .

3 – الوقوف في عرفة:

تعال يا عبدي إلى عرفات، يوم عرفة هو يوم اللقاء الأكبر، تعال لتتعرَّض إلى نفحةٍ من نفحاتي تُطهِّر قلبك من كل درنٍ وشهوة، وتُصفّي نفسك من كل همٍّ وشائبة، هذه النفحات تملأ قلبك سعادةً وطمأنينة، وتُشيعُ في نفسك سعادةً لو وزِّعت على أهل بلدٍ لكفتهم، عندئذٍ لا تندم إلا على ساعةٍ أمضيتها في:

(( إنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُم ثَلاثًا: قيلَ وقال، وإضاعةَ المالِ، وكَثرةَ السُّؤالِ ))

[ أخرجه البخاري ]

تعال يا عبدي إلى عرفات، يوم عرفة لتعرف أنك المخلوق الأول من بين كل المخلوقات، ولك وحدك سُخِّرت الأرض والسماوات، وأنك حُمِّلت الأمانة التي أشفقت من حملها الجبال والأرض والسماوات، وأني جئتُ بك إلى الدنيا لتعرفني، وتعمل صالحاً يؤهلك لجنَّة الخُلد.
تعال إلى عرفات، يوم عرفة لتعرف: 

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)﴾

[ سورة العصر ]

وقد ذكر ابن القيِّم في طريق الهجرتين هذا الأثر: "ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فُتُّك فاتك كل شيء، والله أحب إليك من كل شيء" .
بعد أن يذوق المؤمن في عرفات، من خلال دُعائه وإقباله واتصاله روعة اللقاء، وحلاوة المُناجاة، ينغمس في لذة القُرب، عندئذٍ تصغُر الدنيا في عينيه، وتنتقل من قلبه إلى يديه، ويُصبِح أكبر همِّه الآخرة، فيسعى إلى:

﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ (55)﴾

[ سورة القمر ]

وقد يُكشَف للحاج في عرفات، أنَّ كل شيءٍ ساقه الله له مما يكرهه، هو محضُ عدلٍ، ومحضُ فضلٍ، ومحضُ رحمةٍ، ويتحقَّق قوله تعالى:

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)﴾

[ سورة البقرة ]

وبعد أن يفيض الحُجَّاج من عرفات، وقد حصلت لهم المعرفة، واستنارت قلوبهم، وصحَّت رؤيتهم، يرون أنَّ السعادة كلها في طاعة الله، وأن الشقاء كله في معصيته، عندئذٍ يرى عداوة الشيطان، وكيف أنه يعِد أولياءه بالفقر إذا أنفقوا، ويُخوفهم مما سوى الله إذا عملوا الصالحات، وإذا أنابوا وتابوا:

﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120)﴾

[ سورة النساء ]

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)﴾

[ سورة إبراهيم ]

4 – رمي الجمرات:

عندئذٍ يُعبِّر الحاج عن عداوته للشيطان، تعبيراً رمزياً برمي الجِمار، ليكون الرمي تعبيراً مادياً، وعهداً موثَّقاً في عداوة الشيطان، ورفضاً لوساوسه وخطراته.
يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: "اعلم أنك في الظاهر ترمي الحصى في العقبة، وفي الحقيقة ترمي بها وجه الشيطان وتقصِم ظهره - دققوا -  ولا يحصل إرغام أنفه إلا بامتثالك أمر الله تعالى، فإذا عُدت كما كنت قبل الحج، كان الشيطان هو الذي رجَم هذا الإنسان"

5 – الهدي والأضاحي:

وحينما يتَّجه الحاج لسَوق الهدي، ونحر الأضاحي، وكأنَّ الهديَ هديةٌ إلى الله، تعبيراً عن شُكره لله على نِعمة الهُدى، التي هي أثمن نعمةٍ على الإطلاق، وكأنَّ ذبح الأُضحية ذبحٌ لكل شهوة، ورغبةٌ في إرضاء الله عزَّ وجل، وتضحيةٌ بكل غالٍ ورخيص، ونفسٍ ونفيس في سبيل مرضاة الله ربِّ العالمين.

﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)﴾

[ سورة الحج ]

6 – طواف الإفاضة والوداع:

ثم يكون طواف الإفاضة تثبيتاً لهذه الحقائق وتلك المشاعر، ثم يطوف طواف الوداع لينطلق منه إلى بلده إنساناً آخر، إنساناً استنار قلبه بحقائق الإيمان، وأشرقت نفسه بأنوار القُرب، وعقَدَ العزم على تحقيق ما عاهد الله عليه، وإذا صحَّ أنَّ الحج رحلةٌ إلى الله، فإنه يصحّ أن يكون الرحلة قبل الأخيرة، لتكون الرحلة الأخيرة مُفضيةً إلى جنَّةٍ عرضها السماوات والأرض. 

7 – معاني زيارة المدينة النبوية:

وبعد أن ينتهي الحُجَّاج من مناسك الحج، يتَّجهون إلى المدينة المنورة التي هي من أحب بلاد الله إلى الله، يتَّجهون إليها لزيارة سيد الأنام صلى الله عليه وسلم، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: 

(( من زارني بعد موتي فكأنَّما زارني وأنا حيٌّ، ومن زارني كنتُ له شهيدًا أو شفيعًا يومَ القيامةِ ))

[ الدار قطني عن عبدالله بن عمر ]

وقد عُلِّقَت في مكانٍ بارزٍ من الحُجرة الشريفة الآية الكريمة:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا (64)﴾

[ سورة النساء ]

وقد أشار الإمام القُرطبي، إلى أنَّ الآية تصدق على زيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته، وليس هذا لغير النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد أورد الإمام القاسمي صاحب التفسير الشهير في تفسير هذه الآية، أنَّ في هذه الآية تنويهاً بشأن النبي صلى الله عليه وسلم، فالرجُل حينما يظلم نفسه بمعصية ربِّه، من خلال خروجه عن سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، وجب عليه أن يستغفر الله أولاً، وأن يعتذر من رسول الله ثانياً، فلا تتم التوبة إلى الله، ولا تُقبَل إلا إذا ضمَّ إلى استغفار الله استغفار رسوله صلى الله عليه وسلم، فطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام عين طاعة الله، ورفض سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم عين معصية الله، وإرضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هو عين إرضاء الله، يُستنبَط هذا من إفراد الضمير في قوله تعالى عند كلمة يرضوه:

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62)﴾

[ سورة التوبة ]

بضمير المفرد، لأنَّ إرضاء النبي عليه الصلاة والسلام عين إرضاء الله، ومعصية النبي عين معصية الله، ولا أَدلَ على ذلك من قوله تعالى:

﴿ مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80)﴾

[ سورة النساء ]

﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (31)﴾

[ سورة آل عمران ]

ولعلَّ سر السعادة التي تغمُر قلب المُسلم، حينما يزور مقام النبي صلى الله عليه وسلم، أنه ما إن يرى معالِم المدينة حتى يزداد خفقان قلبه، وما إن يُبصِر الروضة الشريفة حتى يجهَش بالبُكاء، عندئذٍ تُصبِح نفس الزائر صافيةً من كل كَدَر، نقيةً من كل شائبة، سليمةً من كل عيب، مُنتشيةً بحبها له صلى الله عليه وسلم وقُربها منه، هذه الحقيقة هي حقيقة الشفاعة التي أشار إليها النبي عليه الصلاة والسلام: 

(( مَن جاءَني زائرًا لم تَنزِعهُ حاجةٌ إلَّا زِيارَتي كان حقًّا عليَّ أن أكونَ لهُ شَفيعًا يومَ القيامةِ ))

[ أخرجه الطبراني وأبو نعيم ]

وإن شئت الدليل القرآني على ما يشعُر به المُسلم من سكينةٍ وسعادةٍ، حينما يتَّصل برسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوٍ أو بآخر، هو قوله تعالى:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(103)﴾

[ سورة التوبة ]

وقال الرازي في تفسيره: <<إن روح محمدٍ صلى الله عليه وسلم كانت روحاً قويةً صافية، مُشرقةً باهرة لشدة قُربه من الله، ولأنَّ قلبه الشريف مَهبِط تجليات الله عزَّ وجل، فإذا ذكر أصحابه بالخير والود، أو ذَكره المؤمنون بالحُب والتقدير، فاضت آثارٌ من قوته الروحانية على أرواحهم، فأشرقت بهذا السبب نفوسهم، وصفت سرائرهم>> .
وهذه المعاني تُفسِّر قوله تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56)﴾

[ سورة الأحزاب ]

رويَ أنَّ بلالاً رضي الله عنه سافر إلى الشام، وطال به المُقام بعد وفاة سيد الأنام صلى الله عليه وسلم، وقد رأى وهو في منامه وهو في الشام، رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما آن لك أن تزورني، فانتبه حزيناً، وركب راحلته، وقصد المدينة، فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل يبكي عنده كثيراً، فأقبل الحسن والحسين رضي الله عنهما، وجعل يضمُّهما ويُقبِّلهُما، فقالا: نشتهي أن نسمع أذانك الذي كنت تؤذِّن به لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصرَّا عليه، فصعد على سطح المسجد، ووقف موقفه الذي كان يقفه، ولمّا بدأ بقوله الله أكبر، وتذكَّر أهل المدينة عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ارتجَّت المدينة، وخرج المسلمون من بيوتهم، فما رأيت يوماً أكثر باكية وباكياً في المدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك اليوم، لقد صدق أبو سفيان رضي الله عنه حينما قال: "ما رأيت أحداً يُحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً" .
هذه الحقيقة ينبغي أن تنسحب على كل مؤمنٍ إلى يوم القيامة، يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم: 

((  لا يُؤْمِنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من ولدِهِ، ووالدِهِ، والناسِ أجمعينَ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتخذ حِذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله ربِّ العالمين.

* * *

الخطبة الثانية 

الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. 

حقائق خطبة الوداع وحاجة الناس إليها اليوم: 


أيُّها الإخوة الكرام: لقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، خُطبةً جامعةً مانعة، تضمَّنت مبادئ إنسانيةً سيقت في كلماتٍ سهلةٍ سائغة، كيف لا وقد أوتي جوامع الكلم، فلقد استوعبت هذه الخُطبة جملةً من الحقائق، التي يحتاجها العالم الشارد اليوم، المُعذَّب ليرشُد ويسعَد.

﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ (123)﴾

[ سورة طه ]

لا يضل عقله ولا تشقى نفسه، إن الله جلَّ وعلا ربّى محمداً صلى الله عليه وسلم ليُربّي به العرب، وربّى العرب بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم ليُربّي بهم الناس أجمعين، قال تعالى:

﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ(78)﴾

[ سورة الحج ]

الآية الدقيقة: (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) الله عزَّ وجل حمَّل هذه الأُمة مهمةً عظيمة، وهي نقل هذا الدين إلى بقية الأُمم والشعوب، فما لم نكن في أعلى درجات التفوُّق ديناً وخُلقاً ودُنيا، فلن نستطيع أن نُقنِع العالَم بهذا الدين العظيم. 

1 – الإنسانية متساوية القيمة:

الآن من المبادئ التي انطوت عليها خُطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، أنَّ الإنسانية متساوية القيمة في أي إهابٍ تبرُز، وعلى أية حالةٍ تكون، وفوق أي مستوىً تتربع.
خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق خطبة الوداع، فقال: " يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم،

(( ألا هل بلغت؟ "، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " فليبلغ الشاهد الغائب "  ))

[ البيهقي في الجامع لشعب الإيمان ]

الناس سواسية، لا فرق بين أحمرهم وأبيضهم وأسودهم وغنيِّهم وفقيرهم وقويِّهم وضعيفهم ووسيمهم، لا فرق بين واحدٍ منهم (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) هذا أول مبدأ بحقوق الإنسان، البشرية متساوية في أي إهاب، من أي جنس، من أي طائفة، من أي لون، من أي ثقافة، الكبير والصغير، الحاكم والمحكوم، القوي والضعيف، الوسيم والدميم. 

2 – الإيمان بالله واليوم الآخر ضمان لسلامة الإنسان:

البند الثاني: النفس الإنسانية ما لم تكن مؤمنةً بربِّها، مؤمنةً بوعده ووعيده، مؤمنةً بأنه يعلم سرِّها وجهرها، النفس الإنسانية إن لم تكن كذلك تدور حول آثرتها، ولا تُبالي بشيءٍ في سبيل غايتها، فرُبما بَنَت مجدها على أنقاض الآخرين، رُبما بَنَت غناها على فقرهم، بَنَت عزَّها على ذُلهم، بَنَت حياتها على موتهم، لذلك قال عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع: 

(( قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: أيُّها الناسُ اسْمَعُوا قَوْلِي فإني لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَلْقَاكُمْ بعدَ يومِي هذا في هذا المَوْقِفِ، أيُّها الناسُ، إِنَّ دِماءَكُمْ وأَمْوَالَكُمْ حرامٌ إلى يومِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يومِكُمْ هذا في شهرِكُمْ هذا في بَلَدِكُمْ هذا، و إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عن أَعْمالِكُمْ، وقَدِ بَلَّغْتُ، فمَنْ كان عندَهُ أَمانَةٌ فَلْيُؤَدِّها إلى مَنِ ائْتَمَنَهُ عليْها، وإِنَّ كلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ ولَكُمْ رُؤوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ، قَضَى اللهُ أنْ لا ربًا، وإِنَّ رِبا عَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كلُّهُ، وإِنَّ كلَّ دَمٍ كان في الجاهليةِ مَوْضُوعٌ، وإنَّ أولَ دمائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابنِ رَبيعَةَ بنِ الحارِثِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، كان مُسْتَرْضَعًا في بَنِي لَيْثٍ فقتلَتْهُ هذيلٌ فهوَ أولُ ما أبدأُ بهِ من دِماءِ الجاهليةِ، أما بَعْدُ أيُّها الناسُ فإنَّ الشيطانَ قد يَئِسَ أنْ يُعْبَدَ بِأرضِكُمْ ولَكِنَّهُ إنْ يطعَ فيما سِوَى ذلكَ مِمَّا تُحَقِّرُونَ من أَعْمالِكُمْ فقد رضيَ بهِ فَاحْذَرُوهُ أيُّها الناسُ على دِينِكُمْ، وإنَّ النَّسِيء زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى قولِهِ ما حَرَّمَ اللهُ وإِنَّ الزَّمانَ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِه يومَ خلقَ اللهُ السمواتِ والأرضَ، وإِنَّ عِدَّةَ الشُّهورِ عندَ اللهِ اثْنا عشرَ شهرًا مِنْها أربعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثٌ مُتَوَالِياتٌ ورَجَبُ مُضَرَ الذي بين جُمادَى وشَعْبانَ  ))

[ أخرجه البخاري مسلم ]

(( أَلَا لا تَظْلِموا، أَلَا لا يَحِلُّ مالُ امرِىءٍ إلا بِطِيبِ نفسٍ منه ))

[ أخرجه أحمد والبزار وابن حبان ]

3 – خطورة الرِبا:

والمال أيُّها الإخوة قِوام الحياة، وينبغي أن يكون متداولاً بين كل الناس، وأنه إذا ولَدَ المالُ المال، من دون جُهدٍ حقيقي يُسهِمُ في عِمارة الأرض، وإغناء الحياة، فتجمَّع في أيدٍ قليلة، وحُرِمَت منه الكثرة الكثيرة، عندها تضطرب الحياة، ويظهر الحقد، ويُلجأ إلى العُنف، ولا يلد العُنف إلا العُنف، والرِبا يُسهِم بشكلٍ أو بآخر في هذه النتائج المأساوية، التي تعود على المجتمع البشري بالويلات، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في خُطبة حجة الوداع: (وإِنَّ كلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ ولَكُمْ رُؤوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ، قَضَى اللهُ أنْ لا ربًا، وإِنَّ رِبا عَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كلُّهُ) .

4 – النساء شقائق الرجال:

الفقرة الرابعة: النساء شقائق الرجال، ولأنَّ المرأة مساويةٌ للرجُل تماماً، من حيث إنها مُكلَّفةٌ كالرجُل في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق، ومساويةٌ له من حيث استحقاقها الثواب والعقاب، وأنها مساويةٌ له تماماً في التشريف والتكريم، لهذا قال عليه الصلاة والسلام في خُطبة حجة الوداع: 

(( ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هن عوانٌ عندكم، ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجعِ واضربوهن ضربًا غير مبرِّحٍ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا، ألا إنَّ لكم على نسائكم حقًّا، ولنسائكم عليكم حقًّا، فأما حقُّكم على نسائكم فلا يوطئنَ فرُشَكم من تكرهون ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقُّهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن ))

[ أخرجه ابن ماجه والنسائي والطحاوي ]

5 – اتقوا الله في دماءِ المسلمين:

لكن الفقرة الخامسة تُشير إلى ما آلت عليه حال المسلمين في آخر الزمان: 
 

(( قال لي رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حَجَّةِ الوداعِ: استَنصِتِ النَّاسَ، ثُمَّ قال: لا تَرجِعوا بَعدي كُفَّارًا، يَضرِبُ بَعضُكُم رِقابَ بَعضٍ ))

[ أخرجه مسلم وابن ماجه والنسائي ]

مليون قتيل في العراق (لا تَرجِعوا بَعدي كُفَّارًا، يَضرِبُ بَعضُكُم رِقابَ بَعضٍ) .

6 – التمسُّك بالكتاب والسُنَّة:

(( إنَّ الشيطانَ قد يَئِسَ أن يُعبَدَ بأرضِكم، و لكن رضِيَ أن يُطاعَ فيما سِوى ذلك مما تُحاقِرون من أعمالِكم، فاحْذَروا، إني قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتُم به فلن تَضِلُّوا أبدًا، كتابَ اللهِ، و سُنَّةَ نبيِّه ))

[ أخرجه الحاكم والبيهقي ]

(( عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال: وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ اللهُمَّ اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ  ))

[ رواه أبو داوود وابن ماجه والبيهقي ]


خاتمة: 


أيُّها الإخوة الكرام: هذه لقطاتٌ وومضاتٌ مما ينبغي أن يكون عليه الحاج إذا ذهب إلى بيت الله الحرام، ولكنك أحياناً تلتقي بحاجٍ حجَّ بيت الله الحرام، فيُحدِّثك ساعاتٍ طويلة عن كل شيء إلا عن الحج، عن كل شيء، عن بيته، وعن الطرقات، وعن الماء البارد، وعن التنظيم الرائع، عن كل شيء إلا عن الحج، إلا بماذا شعر وهو يطوف حول الكعبة، وهو يسعى بين الصفا والمروة، كيف ناجى ربَّه في عرفات، كيف زار سيد الأنام، فلذلك حينما تبتعد العبادة عن أسرارها وعن حكمتها، تقترب من الطقوس التي لا معنى لها. 

الدعاء : 


اللهم اهدنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هَب لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك.
اللهم اعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا ولا تؤثِر علينا، ارضِنا وارضَ عنّا، اقسِم لنا من خشيتك، ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تُبلِّغنا به جنَّتك، ومن اليقين ما تُهوِّن به علينا مصائب الدنيا، ومتِّعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوّتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منّا، واجعل ثأرنا على مَن ظلمنا، وانصُرنا على مَن عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا ولا مبلَغ علمنا، ولا تُسلِّط علينا مَن لا يخافُك ولا يرحمنا مولانا ربَّ العالمين. 
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك.
اللهم لا تؤمِنّا مكرك، ولا تهتِك عنّا سترك، ولا تُنسِنا ذِكرك يا ربَّ العالمين.  
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحقِّ والدين، وانصُر الإسلام وأعز المسلمين، وخُذ بيد ولاتهم إلى ما تُحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.
اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تُهلكنا بالسنين، ولا تؤاخذنا بفعل المُسيئين يا ربَّ العالمين.

الملف مدقق

والحمد لله ربِّ العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور