وضع داكن
16-04-2026
Logo
الخطبة : 1060 - العالم طائع وعاص - الأسباب التي تمنع من المعصية - الدور الحقيقي للذائدة الدودية .
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الخــطــبـة الأولــى :

الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ، أو سمعت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين.
اللهم لا عِلم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علماً، وأرِنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتَّبِعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.

الناس قسمان لا ثالث لهما:


أيُّها الإخوة الكرام: طرقَ سمعي بيتٌ من الشِعر:

ما القوم سوى قومٍ عرفوك      وغــيرهم هَـمجٌ هَمـجُ

[ ابن عربي ]

هذا المعنى في هذه الأيام يبدو واضحاً جداً، فهناك انقسامٌ في العالَم بين مؤمنٍ وغير مؤمن، مُستقيمٍ ومُنحرِف، صادقٍ وكاذب، أمينٍ وخائن، المساحات التي بَينَ بينْ اختفت، المنطقة الرمادية بين الأبيض الناصع والأسود الداكن اختفت.

ما القوم سوى قومٍ عرفوك          وغــيرهم هَـمجٌ هَمـجُ

هذا النَص ذكَّرني بقول الإمام عليٍ رضي الله عنه:

(( أخَذَ بيدي أميرُ المؤمنينَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ بالكوفةِ، فخرَجْنا حتى انتَهَيْنا إلى الجبانِ ، فلمَّا أصحَرَ تنفَّسَ صُعَداءَ، ثمَّ قال لي: يا كُمَيلُ بنَ زيادٍ، إنَّ هذه القلوبَ أَوْعيةٌ، وخيرَها أَوْعاها للعلمِ، احفَظْ عنِّي ما أقولُ لكَ، الناسُ ثلاثةٌ: عالمٌ رَبَّانيٌّ، ومتعلِّمٌ على سبيلِ نجاةٍ، وهمَجٌ رَعاعٌ أتباعُ كلِّ ناعقٍ، يميلونَ مع كلِّ ريحٍ، لم يستضيئوا بنورِ العلمِ، ولم يَلْجؤوا إلى ركنٍ وثيقٍ، يا كُمَيلُ بنَ زيادٍ، العلمُ خيرٌ مِن المالِ، العلمُ يحرُسُكَ، وأنتَ تحرُسُ المالَ، المالُ يُنقِصُه النفقةُ، والعلمُ يزكو على الإنفاقِ، يا كُمَيلُ بنَ زيادٍ، محبةُ العالمِ دِينٌ يُدانُ، تُكسِبُه الطاعةَ في حياتِه، وجميلَ الأُحْدوثةِ بعدَ وفاتِه، ومنفعةُ المالِ تزولُ بزوالِه، العلمُ حاكمٌ، والمالُ محكومٌ عليه، يا كُمَيلُ، مات خُزَّانُ المالِ وهم أحياءٌ، والعلماءُ باقونَ ما بقِيَ الدهرُ، أَعْيانُهم مفقودةٌ، وأمثالُهم في القلوبِ موجودةٌ، وإنَّ ههنا -وأشارَ إلى صَدرِه- لعلمًا جَمًّا لو أصَبتُ حَمَلةً، بلى أصَبتُ لَقِنًا غيرَ مأمونٍ، يَستعمِلُ آلةَ الدِّينِ بالدُّنْيا... وذكَرَ الحديثَ. ))

[ أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء والخطيب في الفقيه والمتفقه وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص ]

(الناسُ ثلاثةٌ: عالمٌ رَبَّانيٌّ، ومتعلِّمٌ على سبيلِ نجاةٍ) فريقٌ أول.
أيُّها الإخوة الكرام: قال ابن القيِّم رحمه الله تعالى: "مِن أعجبِ العَجَب أن تعرفه ثم لا تُحبه، ومن أعجبِ العَجَب أن تُحبه ثم لا تُطيعه" .
لذلك موضوع هذه الخُطبة قضيةٌ واحدة تقسِم الناس إلى قسمين، منهج الله، موقف الناس من منهج الله، موقف الطائعين وموقف العُصاة، بل إنَّ البشر جميعاً لا يزيدون عن نموذجين:
الأول: عرف الله فانضبط بمنهجه، وأحسَن إلى خلقه، فسلِمَ وسعِدَ في الدُنيا والآخرة.
والثاني: نموذجٌ غفل عن الله، وتفلَّت من منهج الله، وأساء إلى خلق الله، فشقي في الدُنيا والآخرة، ولن تجد نموذجاً ثالثاً.
أيُّها الإخوة الكرام:

﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)﴾

[ سورة الأحزاب ]

﴿ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ ۗ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15)﴾

[ سورة الزمر  ]

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)﴾

[ سورة الكهف  ]


﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾

[ سورة الجاثية  ]

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾

[ سورة السجدة ]

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)﴾

[ سورة القلم ]

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾

[ سورة القصص  ]


الموانع التي تحول بين العبد ومعصية ربِّه:


أيُّها الإخوة الكرام: ما الذي يمنعك من معصية الله؟ 

1 – علمُ العبد بقُبحِ المعصية:

أحد هذه الموانع أن يعلم العبدُ قُبح المعصية ودناءتها، وأنَّ الله ما حرَّمها إلا لعلَّة فيها.

الحسَن ما حسَّنه الشرع  والقبيح ما قبَّحه الشرع:


لذلك قالوا: "الحسَن ما حسَّنه الشرع، والقبيح ما قبَّحه الشرع"، لكن القبيح شرعاً قد يكون على الشبكية حسناً فقط، هذا الحُسن الحسّي لا قيمة له إطلاقاً، البطولة في الحُسن العقلي.
الطالب يدرس، وقد ألغى نُزهةً، ألغى سهرةً، ألغى لقاءً، على الشبكية هو يتعب، والطالب الذي لم يدرُس، انغمسَ في ملذَّاتٍ، ومع أصدقائه، وفي مكانٍ لا يُرضي الله، على الشبكية هو في سرور، لكن الحُسن العقلي يشير إلى أنَّ الذي درس، وتعب، وتفوَّق، ونال شهادةً عُليا، وحقَّق مركزاً اجتماعياً، ودخلاً جيداً، وأسَّس أُسرة جيدة، بالحُسن العقلي الأول هو الحسَن، وبالقُبح العقلي الذي لم يدرُس وانغمسَ في الملذَّات، وأصبح رقماً لا معنى له في المجتمع، ضائعاً، شارداً، هذا هو القُبح العقلي بعينه، لذلك العلماء قالوا: "الحسَن ما حسَّنه الشرع والقبيح ما قبَّحه الشرع" .
شيءٌ آخر: هناك علاقةٌ علميةٌ بين الحسَن الشرعي وبين نتائجه، وهناك علاقةٌ علميةٌ بين القُبح الشرعي ونتائجه، وينبغي ألّا نعبأ لصورةٍ تنطبِع على الشبكية، فالذي يملأ عينيه من الحرام مقطوعٌ عن الله عزَّ وجل، مع أنه في الظاهر يُمتِّع عينيه بمحاسِن النساء، والذي يغض بصره عن محارم الله، يورثه الله حلاوةً في قلبه يشعُر بها إلى يوم يلقاه، فلذلك البطولة أن يأتي الحسَن عندك وفق الشرع، وأن يأتي القبيح عندك وفق الشرع .

2 – الحياءُ مِنَ الله عزَّ وجل:

أيُّها الإخوة الكرام: سببٌ آخر يُبعدك عن المعصية، الحياء من الله سبحانه وتعالى، لأنَّ الله ناظرٌ إليك، ولا تجعل الذات الإلهية أهوَن الناظرين إليك.

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(4)﴾

[ سورة الحديد  ]

أما تستحي منّا ويكفيك ما جرى        أما تختشي من عُتبِنا يوم جمعنا

أما آن أن تُقلِع عن الذنب راجعاً        فـانتـظر بـه مـــا جـاء عـهـدنـا

[ علي بن محمد بن وفا ]

الحياء من الله يمنعك أن تعصيه وهو معك، أن تعصيه وهو يراك، أن تعصيه في أرضه، وأن تعصيه وأنت تأكل رزقه.
أيُّها الإخوة الكرام: لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَسْتَحْيِي، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاء ))

[ أخرجه الترمذي وأحمد  ]

لا تجعل الله أهوَن الناظرين إليك، حتى لو أضمرت لإنسانٍ سوءاً فإنَّ القلب منظر الربّ.

(( إِنَّ اللهَ تعالى لَا ينظرُ إلى صُوَرِكُمْ وَأمْوالِكُمْ، ولكنْ إِنَّما ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم ))

[ أخرجه مسلم وابن ماجه وأحمد ]

3 – علمُ الإنسان أن المعصية تزيل النِّعَم:

القُبح الحقيقي للمعصية، القُبح العقلي للمعصية، نتائج المعصية، لأنَّ علاقةً بين المعصية ونتائجها، بل إنَّ في المعصية بذور نتائجها، هذا سبب.
سببٌ آخر: أن يستحي الإنسان من الله حقَّ الحياء. 
السبب الثالث: وهو خطيرٌ جداً، ينطلق من قاعدة أنَّ المعاصي تُزيل النِعم، فما من ذنبٍ يُذنبه العبد، إلا زالت عنه نعمةٌ من الله، بحسب ذلك الذنب، فإن تاب ورجِع رجعت إليه، وإن أصرَّ لم ترجِع إليه، ولا تزال الذنوب تُزيل عنه نعمةً تلو نعمة حتى تُسلَب منه النِعم كلها، قال تعالى: 

﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (11)﴾

[ سورة الرعد  ]


هان أمْرُ الله عند المسلمين فهانوا على الله:


أعظم النِعم الإيمان بالله، فإذا تراكمت الذنوب ضعُف الإيمان، وهان أمر الله على الإنسان فهان على الله.
هذه مشكلة المسلمين اليوم، هان أمر الله على المسلمين، وهُم يعدّون مليار ونصف المليار، يتربعون على ثرواتٍ لا يعلمها إلا الله، يتربعون على مواقعٍ من أهم المواقع في الأرض، وعلى ثرواتٍ لا يعلمها إلا الله، لأنَّ أمر الله هان عليهم هانوا على الله، وأصبح أمرهم بيد غيرهم، وللطرف الآخر عليهم ألفُ سبيلٍ وسبيل، ولم يُستخلَفوا:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)﴾

[ سورة النور  ]

ولم يُمكَّنوا: (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) .
وليسوا آمنين: (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) .
هذه الوعود الإلهية التي يُعد زوال الكون أهوَن على الله من ألّا تُحقَّق، ليست مُحقَّقة، لأنه هان أمر الله على المسلمين فهانوا على الله.
قال بعض العارفين: "إذا كنت في نعمةٍ فارْعَهَا، فإن المعاصي تُزيل النِعم" ، نعمة الأمن تزول، نعمة الصحة تزول، نعمة الوفاق الأُسري تزول، نعمة التوفيق في العمل تزول، نعمة الرؤية الصحيحة تزول، نعمة الحلم تزول، نعمة الصبر تزول، نعمة الرضا تزول، نعمة الحكمة تزول، هذه النِعم العظيمة أن تكون حكيماً، أن تكون راضياً عن الله، أن تكون واثقاً بالله، أن تكون متفائلاً، أن تكون سديد النظر، كلامك في محله، كل هذه النِعم تزول بالمعصية.

شَكَوتُ إِلى وَكِيعٍ سوءَ حِفظي          فَأرشَدني إِلى تَركِ المَعاصي

وأخـبـرنـي بِــأنَّ الـعـلـمَ نــورٌ         ونـورُ اللّهِ لا يُـهدى لِـعاصـي

[ الإمام الشافعي ]

المعاصي كالنار، تأكل النِعم أكلاً، كيف أنَّ النار تأكل الحطب، كذلك المعاصي تأكل النِعم. 

4 – علمُ العبد أن لكل معصيةٍ عقابًا:

أيُّها الإخوة الكرام: هناك سببٌ رابع يمنع الإنسان أن يعصي الله، وهو أن لكل معصيةٍ عقاباً، هناك مؤيد قانوني لشرع الله، هل تُصدِّقون أنَّ قانون سيرٍ في الأرض ليس فيه عقوبات؟ إذاً هو ليس قانون سير، ما من مخالفة سير إلا ولها عقاب، فأيُّ قانونٍ يُقننه الإنسان لا بُدَّ من مؤيدٍ قانونيٍ له، وهو العقوبات، ولكل معصيةٍ عقوبة، المُتكبِّر ينتظره عذابٌ مهين، والمُسرف ينتظره ضيقٌ في الدخل، والذي يُطلِق بصره في الحرام ينتظره شقاءٌ زوجي، والذي يأكل المال الحرام ينتظره إتلافُ هذا المال، فلكل معصيةٍ عقاباً، ومستحيلٌ وألف ألف ألف مُستحيل أن تعصيه وتربح، ومُستحيلٌ وألف ألف مُستحيل أن تُطيعه وتخسر.
لا تنظُر إلى صِغر الذنب، ولكن انظُر على من اجترأت، وهناك عقابٌ قد لا يُرى بالعين، لكن يشعُر به المؤمن، تؤكِّده هذه الحكاية الصغيرة:  أنَّ شاباً سمع من شيخه أنَّ لكل معصيةٍ عقاباً، فلمّا زلَّت قدمه بدأ ينتظر العقاب من الله، مضى أسبوعٌ وأسبوعان ولم يحدُث شيء، ففي أثناء الصلاة ناجى ربَّه وقال: يا ربّي لقد عصيتك فلم تُعاقبنِ، فوقع في قلب هذا الشاب: أنْ يا عبدي قد عاقبتك ولم تدرِ، ألم أحرمك لذة مُناجاتي؟ ألا تكفيك هذه العقوبة؟
إنسانٌ له صلةٌ بالله، إذا وقف في الصلاة فهو خاشع، إذا قرأ القرآن تجلّى الله على قلبه، إذا ذكر الله فاضت عيناه بالدموع، هذه سعادةٌ كبيرةٌ جداً، هذه تُحرَمُها مع المعصية، وإن لم يُصبك شيء، بل إنَّ أهل القُرب من الله يعدّون أكبر عقابٍ لهم أنهم حُجِبوا عن الله.

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)﴾

[ سورة المطففين  ]

أكبر عقابٍ ينزل بالمؤمن المُتصل بالله، أنَّ الله يحجبه بالذنوب، لذلك من أدعية بعض الصالحين: "اللهم لا تقطعنا بقواطع الذنوب، ولا بقبائح العيوب"

5 – الخوف من الحجبِ عن الله بالمعصية:

سببٌ آخر يمنُعك أن تعصي الله، لكن هذا السبب لا يعرفه إلا مَن ذاقه، أنت بطاعتك واستقامتك تشعُر في أعماق أعماقك أنَّ الطريق إلى الله سالك، وأنه في لحظةٍ تنعقد صلةٌ مع الله، هذا الطريق السالك إلى الله إذا قرأت القرآن، إذا وقفت بين يدي الله عزَّ وجل في الصلاة، إذا ذكرت الله تشعُر أنك قريبٌ منه، لكن الذي يمنعك أن تعصي الله، أنك إذا عصيته حُجِبت عنه، فخوفك من أن تزول عنك نعمة القُرب من الله، لعلَّ هذا الخوف يُعدُّ أكبر مانعٍ يمنعك أن تعصي الله، فالتوفيق، والتأييد، والنصر، والحفظ، والإلهام، إنَّ الله يدافع عنك، وكل هذه النِعم حينما يرتكب الإنسان معصيةً يفقدها، ويُصبِح أحمقاً في تصرفاته، وتكون ردود فعله قاسيةٌ جداً، ويصير مُتسرِّعاً، مُتشائماً، عنده إحباط، كل خصائص الإيمان من سكينةٍ ووقارٍ، وحكمةٍ ورؤيةٍ، واتصالٍ ورضاً، وتفاؤلٍ واستسلام، هذه النِعم تزول عن المؤمن إذا عصى الله عزَّ وجل.
لكن هناك مَن يقول: هناك عقابٌ مادي، وهذا صحيح، إنَّ لكل سيئةٍ عقاباً.

لابُدَّ للمؤمن أن يجمع بين حُب الله وإجلاله له:


ولكن مرتبة المؤمن أكبر فيما أتصور من أنه يخاف الله، فيستقيم على أمره خوف العقاب لا خوف الانقطاع، لأنَّ رأس الحكمة مخافة الله، المؤمن القريب من الله، يخشى على هذه الصلة أن تضيع منه، يخشى على هذا القُرب أن يخسره، يخشى على هذه المودَّة أن يفقدها، لكن العلماء قالوا: لا يكفي أن تحبه، يجب أن تُحبه وأن تجلّه، فالحُب وحده يجعل الإنسان في بحبوحةٍ فيتساهل ويقول: الله يُحبني، الحُب وحده قد يحمِلُك على التقصير، فلا بُدَّ من أن يجتمع الحُب مع الإجلال، قال تعالى:

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78)﴾

[ سورة الرحمن ]

بقدر ما هو كريمٌ تُحبه، فينبغي أن تُجلّه بقدر ما هو عظيم، فلا بُدَّ من أن تُضيف إلى الحُبِّ إجلالاً، لذلك:

(( قال داوود عليه السلام فيما يُخاطب ربَّه: يا ربّ أي عبادك أحبُّ إليك أُحبه بحُبَّك؟ قال: يا داوود أحبُّ عبادي إلي نقي القلب ونقي الكفين لا يأتي إلى أحدٍ سوءاً ولا يمشي بالنميمة تزول الجبال ولا يزول أحبَّني وأحبَّ من يُحبني وحبَّبني إلى عبادي، قال: يا ربّ إنك لتعلم أني أُحبك وأُحب من يُحبك فكيف أُحببك إلى عبادك؟ قال: ذكِّرهم بآلائي وبلائي ونعمائي، يا داوود إنه ليس من عبدٍ يُعين مظلوماً، أو يمشي معه في مظلمته إلا أثبت قدميه يوم تزول الأقدام ))

[ أخرجه البيهقي في الشعب وابن عساكر من حديث ابن عباس  ]

ذكِّرهم بآلائي كي يُعظموني، وذكِّرهم بنعمائي كي يُحبوني، وذكِّرهم ببلائي كي يخافوني. 

الشريف يأبى الدنية:


أيُّها الإخوة: قال العلماء: "الشرف مِعوان" ، فالإنسان الشريف يأبى الدنية، يأبى أن يكون في موقفٍ ضعيف، يأبى أن يكون مُهاناً، يأبى أن يعتذر، إيّاك وما يُعتذر منه، قال بعض العلماء: "شرف النفس وزكاتها وفضلها وأنَفَتُها وحميَّتُها تمنعها أن تختار الأسباب التي تضع من قدرها" .
قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا (144)﴾

[ سورة النساء  ]

أنت حينما تأخُذ المال الحرام، جعلت لله عليك سلطاناً أن يؤدِّبك، وأنت حينما تغتاب المسلمين جعلت لله عليك سلطاناً، رجُلٌ اغتاب إنساناً، وهذا الإنسان على عِلمٍ بالله، اشترى له هديةً ثمينة، طبقٌ من الرُطب، وأرسله إليه، وقال له: هذه هديتي إليك، لأنني سآخُذ كل حسناتك، وهي بالتأكيد أكثر من هذه الهدية.
لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام وعدنا لمن اُغتيبَ بريئاً، أن يأخُذ حسنات المُغتاب، وهذا الذي قال له أحدهم: لقد اغتبتني! فقال له: ومَن أنت حتى أغتابك؟ لو كنت مُغتاباً أحداً لاغتبت أبي وأمي، لأنهما أَولى بحسناتي منك.
حينما تعلم أن هذا الذي اغتبته ستأخُذ سيئاته، وستُعطيه حسناتك، هذه حقيقةٌ جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام الذي، ولا ينطق عن الهوى.
فلذلك أيُّها الإخوة: شرف النفس يمنعها أن تقف في موقفٍ ضعيف أن تكذب، المؤمن لا يكذب.

(( يُطبَعُ المؤمنُ علَى الخِلالِ كلِّها إلَّا الخيانَةَ والكذِبَ ))

[ الألباني ضعيف الترغيب ]

شرف المؤمن يمنعه أن يحتال، أن يسلُك طريقاً ملتوياً، أن يتآمر، أن يُظهِر شيئاً ويُخفي شيئاً، أعظم ما في صفات المؤمن أنه موحَّد، ما على لسانه في قلبه، وما في قلبه على لسانه، ظاهره كباطنه، علانيته كَسِرِّه، جلوته كخلوته، واضح، يعمل تحت ضوء الشمس، ما عنده غمزٌ ولا لمز، ولا مَظهَر، ولا موقف مُعلَن وموقف آخر غير مُعلَن، هذا الكلام من صفات المنافقين. 

6 – اليقين بعاقبة المعصية:

أيُّها الإخوة: سببٌ آخر وهو السبب السادس الذي يمنعك أن تعصي الله، اليقين بعاقبة المعصية، فأيُّ إنسانٍ أطاع الله، هو في أعلى علّيين في الدنيا والآخرة.

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) ﴾

[ سورة الرحمن  ]

والذي عصى الله في أسفل سافلين في الدنيا والآخرة، هذا اليقين القطعي.
أنت أمام قانون، وواضع القانون قويٌ ولا يعفو، إذا أيقنت أنَّ عِلم واضع القانون يطولك، وأنَّ قدرته تطولك، لا يمكن أن تعصيه، وهناك أدلةٌ كثيرةٌ جداً، وأوضح دليلٍ: أن تركب مركبة، وتقف عند الإشارة الحمراء، والشرطي واقف، فلو تآمرت معه هناك شرطيٌ آخر على دراجةٍ يلحقك، ولو تآمرت مع الثاني فهناك ضابطٌ في السيارة برُتبة نقيب في المرور، وأنت مواطنٌ عادي من الدرجة الخامسة، هل يمكن أن تتجاوز الإشارة الحمراء؟ لا، ليقينك القطعي أنَّ عِلم واضع القانون يطولُك، من خلال هؤلاء الثلاثة، وأنَّ قدرته تطولُك لأنك مواطنٌ عادي، لكن متى تتجاوزها؟ في حالةٍ واحدة، بعد الساعة الثالثة ليلاً، لأنَّ عِلم واضع القانون لا يطولُك، أو إذا كنت أقوى من واضع القانون، أمّا في الوضع الطبيعي، إذا أيقنت أن عِلم واضع القانون يطولُك، وأن قدرته تطولُك، لا يمكن أن تعصيه.
لذلك العِلم أكبر رادع يردعك على أن تعصي الله عزَّ وجل، المال الحرام يتلَف، ومن يزني يُزنى به ولو بجداره، والكسب غير المشروع حينما يُكشَف يسقط الإنسان من عين مجتمعه، يجب أن تؤمن أنَّ هناك علاقةً علميةً بين الطاعة ونتائجها والمعصية ونتائجها، علاقةٌ علمية، أي علاقةُ سببٍ بنتيجة، ففي الطاعات بذور نتائجها، وفي المعاصي بذور نتائجها.

7 – قِصَرُ الأملِ:

أيُّها الإخوة الكرام: سببٌ آخر يُبعدُك عن المعصية، وقد لا يستطيعه بعض الناس، قِصَرُ الأمل، الدنيا ساعة اجعلها طاعة.
أنا أذكُر أنَّ رجُلاً من الناس، حدَّثني في ساعةٍ عن خططه لعشرين سنةٍ قادمة، وقرأت نعيه في اليوم نفسه، الموت على الأبواب، والموت لا يعرف صغيراً ولا كبيراً، ولا شاباً ولا شيخاً، ولا قوياً ولا ضعيفاً، ولا صحيحاً ولا مريضاً، فلذلك قِصَرُ الأمل يدعوك إلى طاعة الله عزَّ وجل، الإنسان بضعةُ أيامٍ، كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه، الدنيا ساعة اجعلها طاعة، سنواتٌ تمضي، الطائع في جنَّةٍ عرضها السماوات والأرض، والذي عصى الله مضى زمن المعصية سريعاً، وبقيَت تَبِعاتها، الطائع تنتهي متاعب الطاعة وتبدأ ثمار الطاعة، والعاصي تنتهي لذائذ المعصية، وتبدأ تَبِعات المعصية، لذلك إذا مات الإنسان مؤمناً، ورد في بعض الأحاديث:

(( إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ  ))

[ رواه مسلم عن عبدالله بن عمر ]

(إِنَّ الْمَيِّتَ) أي المؤمن، يرى مكانه في الجنَّة فيتألم أشدَّ الألم من بُكاء أهله عليه، هو في جنَّةٍ عرضها السماوات والأرض.
وبعضهم قال: "مُجانبة الفضول في المطعم والمشرَب والملبَس والمنام وكثرة اجتماعه بالناس، وانغماسه في المُباحات، هذه تودي إلى بعض المعاصي والآثام" أي التقليل، فقليلٌ تؤدّي شكره خيرٌ من كثيرٍ لا تؤدّي شكره، وقليلٌ يكفيك خيرٌ من كثيرٍ يُطغيك .

(( بادِروا بالأعمالِ سبعًا: هل تنظرون إلَّا فقرًا مُنسِيًا، أو غنًى مُطغِيًا، أو مرضًا مُفسِدًا، أو هِرَمًا مُفنِّدًا أو موتًا مُجهِزًا، أو الدَّجَّالَ، فشرٌّ غائبٌ يُنتَظرُ، أو السَّاعةُ فالسَّاعةُ أدهَى وأمرُّ ))

[ أخرجه الترمذي وابن أبي الدنيا والعقيلي ]

8 – الإيمانُ القويُّ بوعد الله ووعيده:

أيُّها الإخوة الكرام: آخر هذه الأسباب التي تمنعك عن أن تعصي الله، إيمانك القوي بوعد الله ووعيده، هذه كلها أسباب تمنع من المعصية، والذي يعصي الله هو مع الهمَج، مع الرعاع، مع الهمَج الرعاع الذين يُصغون إلى كل ناعق، ويخضَعون لكل صرعة، يعيشون لحظتهم وينسون آخرتهم.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، وسيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتخِذ حِذرنا، الكيِّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله ربِّ العالمين.

* * *

الخطبة الثانية : 

الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.  

الزائدة الدودية:


1 – خَلقُ الله كامل مُحكَمٌ:

أيُّها الإخوة الكرام: فيما أذكُر من خمسةٍ وعشرين عاماً أو أكثر، بل من خمسةٍ وثلاثين عاماً، وأنا أؤكِّد في كل مناسبة أنَّ كلمة الزائدة الدودية غير صحيحة، لأنه من مُنطلَق الإيمان فقط، لا يُعقَل ولا يُقبَل أن يخلُق الله في الإنسان شيئاً زائداً على الحاجة، لأنَّ كمال الله مُطلَق، وصنعته مُحكمة، الذي أتقن كل شيء.

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾

[ سورة التين  ]

الشيء الزائد لا يُقبَل في حقِّ الله عزَّ وجل، فأنا والله من وقت أن دعوت إلى الله وإلى الآن أقول: ليس اسمها كذلك، اسمها الذائدة الدودية المُدافعة، والفرق كبير جداً بين الزائدة والذائدة، ذاد بمعنى دافع، أمّا الزائدة فبمعنى أكثر مما يحتاج الإنسان. 

2 – الطبُّ الحديث أثبت عملَ ودورَ الزائدة الدودية:

جاءتني رسالة بالبريد الإلكتروني، مُلخَّص هذه الرسالة، أنَّه قال فريقٌ طبيّ في دولةٍ عُظمى متفوقة في الطِب، إنه اكتُشفَ الدور الحقيقي للزائدة الدودية، أنا كان بُرهاني إيمانياً فقط، الآن يُضاف إلى هذا البُرهان الإيماني البُرهان العلمي.
كشف فريقٌ طبيٌ الدور الحقيقي للزائدة الدودية التي تُحيِّر العلماء، وأنها مسؤولةٌ عن إنتاج وحفظ مجموعةٍ متنوعةٍ من البكتيريا والجراثيم، التي تلعب دوراً مفيداً للمعدة، ولفت هذا الفريق التابع لجامعةٍ كبيرة، إلى أنَّ هذا الاكتشاف قد يحسِم الجدل حيال الدور المفترض للزائدة الدودية، بعد أن اعتبرت مدارس الطب الرسمية لعقودٍ طويلة، أنها عضوٌ فقَدَ دوره مع تطور الإنسان، وبات من الممكن إزالته دون ارتداداتٍ سلبية، وفقاً لهذه الدارسة التي أجراها هذا الفريق، ونشرها في مجلةٍ مرموقةٍ علمية، أنَّ عدد الجراثيم والبكتيريات التي يحويها جسم الإنسان تفوق عدد خلاياه، لكن السواد الأعظم من هذه الكائنات الدقيقة، يُمارِس دوراً إيجابياً داخل الجسم، ويساعد على هضم الأطعمة، وتُشير هذه الدراسة إلى أنَّ أمراضاً مُعيَّنة، كالكوليرا والإسهال الشديد، قد تؤدّي إلى إفراغ الأمعاء من هذه البكتيريا والجراثيم المُفيدة، وهُنا يبدأ دور الزائدة، التي يتوجب عليها في هذه الحالة، العمل على إعداد إنتاج وحفظ تلك الجراثيم، وللتأكُّد من صحة ما ذهب الفريق إليه، أنَّ موقع الزائدة الدودية في الطرف الأسفل من الأمعاء الغليظة، التي تُعتبَر ممراً أُحادياً لاتجاه الطعام، تُشكِّل دليلاً على ذلك، ورأت الدراسة أنَّ هذا الدور الذي حدَّدته للزائدة، كان دوراً مصيرياً خلال الفترة البدائية، التي كان خلالها البشر يعيشون في عزلةٍ وفي مجموعاتٍ محدودة.
أيُّها الإخوة: هذه حقيقةٌ جاء بها الفريق الطبي، بعد أنني والله في هذا المسجد، وفي أي درسٍ أقول: لا يُعقَل ولا يُقبَل أن يكون في جسم الإنسان شيءٌ زائد، هذا يتناقض مع كمال الله.

غدة التيموس:


1 – أهمية عمل غدة التيموس:

قبل حينٍ لخمس سنواتٍ ماضية أو لعشر سنواتٍ ماضية، كان هناك غدةٌ إلى جانب القلب اسمُها التيموس، أكَّد الأطباء لعقودٍ طويلة أنه لا وظيفة لها إطلاقاً، السبب أنها تضمُر ضموراً كاملاً بعد سنتين، ثم اكتُشف أنَّ هذه الغدة التيموس، هي أخطر غدة في جسم الإنسان، هي بمثابة مدرسةٍ حربية، تدخلها الكريات البيضاء أول ما يولَد الإنسان، تبقى فيها سنتين، تتعلم هذه الكريات البيضاء المُحارِبة المقاتِلة، مَن هو العدو ومَن هو الصديق، وبعد سنتين هذه الكريات البيضاء، تتخرَّج من هذه الكُليّة بمخرجين امتحانيين.
الأول: تُعطى الكُريَّة البيضاء عدو، فإن لم تقتله رسبَت وقُتِلت، وإن قتلته نجحت وتخرَّجت.
وفي المخرَج الثاني: تُعطى رمز صديق، فإن قتلته رسبَت وتُقتَل، وإن لم تقتله نجحت وتخرَّجت.
الآن هذا الجيل الأول من الكُريات المُقاتلة، هذه تتولى تعليم الأجيال الصاعدة حتى نهاية العمر، وتنتهي مهمة هذه الغدة التيموس، وتُغلِق أبوابها، وتضمُر وتتلاشى كُليِّاً، لخمسين سنةٍ ماضية، كل أطباء الأرض، وكل الجامعات تؤكِّد أنَّ هذه الغدة لا وظيفة لها إطلاقاً، ثم اكتُشف أنها أخطر غدة في الإنسان. 

2 –غدة التيموس وحالة الخرف المناعي:

الآن بعد سن الخمسين أو الستين يضعُف التعليم، فتنشأ حالةٌ اسمُها الخرَف المناعي، عنصُر مُقاتل قوي لكنه لم يتعلَّم، والذين علَّموه ملّوا، فأحد الأمراض الكُبرى التهاب المفاصل، التهاب المفاصل الرثوي، هذا نتيجةٌ لحربٍ أهليةٍ داخل الجسم، العنصر القوي بدلاً من أن يقتُل العدو يقتُل الصديق، وهناك سبعة أمراض الآن يُعاني منها البشر، سببها ضعف التعليم، الخرَف المناعي، أي يُصبِح هناك حربٌ أهلية ضمن الجسم، هذه الغدة التي قال عنها الأطباء لأربعين سنةٍ ماضية، لا وظيفة لها إطلاقاً، وهذا الشاهد الثاني قالوا: هذه الزائدة الدودية، ليس هناك أي آثارٍ سلبية من استئصالها، لذلك عند أول التهاب تُستأصَل، وانتهى الأمر، اكتُشف الآن أنها تولِّد البكتيريات النافعة، موقعها استراتيجي.
لذلك أيُّها الإخوة:

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)﴾

[ سورة الإسراء ]

فَقُل لِمَن يَدَّعي في العِلمِ فَلسَفَةً       حَفِظتَ شَيئاً وَغابَت عَنكَ أَشياءُ

[ أبو نواس ]

الله عزَّ وجل: 

﴿ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)﴾

[ سورة البقرة ]


الدعاء:


اللهم اهدنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحقِّ ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
اللهم هَب لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك.
اللهم اعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا ولا تؤثِر علينا، ارضِنا وارضَ عنّا، أعلِ كلمة الحقِّ والدين، وانصُر الإسلام وأعز المسلمين، وخُذ بيد ولاتهم إلى ما تُحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

الملف مدقق

والحمد لله ربِّ العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور