وضع داكن
11-04-2026
Logo
الخطبة : 1061 - أسباب زيادة الرزق1 ، أنواع الرزق - توزيع الحظوظ في الدنيا .
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الخــطــبـة الأولــى : 

الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلن تجد له وليّاً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ، أو سَمعت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغُرِّ الميامين، أُمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنّا وعنهم يا ربَّ العالمين.
اللهم لا عِلم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا عِلماً، وأرِنا الحقَّ حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبِعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرِجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.

الرزق أوسع بكثير من أن يُقيَّد بالمال:


أيُّها الإخوة الكرام: القضية الاقتصادية يهتَّمُ لها كل الناس في هذه الأيام، فالإنسان حريصٌ على شيئين اثنين، حريصٌ على حياته وصحته، وحريصٌ على رزقه، لو أخذنا الجانب الآخر، الحرص على الرزق. 
يتوهَّم معظم الناس أن كلمة رزق تعني المال، والحقيقة خلاف ذلك، لأنَّ الله سبحانه وتعالى حينما قال في مطلع سورة البقرة:

﴿ الم (1) ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3)﴾

[ سورة البقرة ]

الرزق أوسع بكثير من أن يُقيَّد بالمال، إن آتاك الله وجاهةً، إن آتاك الله طلاقةً، إن آتاك الله حكمةً، إن آتاك الله مالاً، إن آتاك الله منصباً، إن آتاك الله علماً (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) .

﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)﴾

[ سورة الذاريات ]


الرزق والكسب:


لذلك قال بعض العلماء: الرزق هو ما يُقدِّره الله تعالى لخلقه من مقوِّمات حياتهم، من مأكلٍ، ومَشربٍ، ومَلبسٍ، ومأوى، ومن دابةٍ، ونحو ذلك من الحاجات الأصلية للمخلوقات، كما يدخُل في الرزق النِعَم المعنوية مثل: الأمن، والاستقرار، والحرية، والعقل، كلها أرزاق.
والله سبحانه وتعالى خصَّ نفسه بمُلك أرزاق العباد، وكل ما على الأرض، حتى أنَّ من أسمائه الحُسنى الرزَّاق قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)﴾

[ سورة الذاريات ]

لكن العلماء فرَّقوا بين الكسب وبين الرزق، الرزق: هو ما انتفعت به، كالطعام الذي تأكله، والكِساء الذي ترتديه، والبيت الذي تسكنه، والزوجة التي تسكُن إليها، والأولاد الذين حولك، أي شيءٍ انتفعت به هو من الرزق، وأي شيءٍ كَسبته ولم تنتفع منه هو الكسب، وشتَّان بين الرزق وبين الكسب.

الرزق نوعان ظاهر وباطن:


أيُّها الإخوة: الرزق نوعان ظاهرٌ وباطن.
الرزق الظاهر: هو الأقوات والأطعمة وكل ما ينتفع به الجسم، كالمأوى والمركبة.
أمّا الرزق الباطن: هو أن تعرف الله، هو أن تتصل به، هو أن تتقرَّب إليه، هو أن تُقبِل عليه، هو أن يُلقي في قلبك نوراً، لو أنَّ أحدكم قال لي ما الدليل؟ هو قوله تعالى:

﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82)﴾

[ سورة الواقعة ]

معرفة الله رزق، طاعته رزق، التوكل عليه رزق، الثقة به رزق، الإقبال عليه رزق.
أيُّها الإخوة الكرام: الرزق الأول مُتعلِّقٌ بالجسد وموَقَّتٌ بالدنيا، فإذا مات الإنسان انتهت الأرزاق الظاهرة، أمّا الأرزاق الباطنة ينتفع بها في حياته، وفي البرزخ، وفي جنَّةٍ عرضها السماوات والأرض.

أحبّ الأشياء إلى الله أن تكون سبباً في رزق القلوب ورزق الأبدان: 


أيُّها الإخوة الكرام: أن يُرزق الإنسان عِلماً هادياً، ولساناً مُرشداً مُعلِّماً، ويداً مُنفِقةً مُتصدِّقةً، ويكون سبباً لوصول الأرزاق الشريفة إلى القلوب بالأقوال والأعمال، ووصول الأرزاق إلى الأبدان بأفعاله وأعماله، هذا من أحبِّ الأشياء إلى الله، أن تكون سبباً في رزق القلوب، وأن تكون سبباً في رزق الأبدان، هو في مجموعِه العمل الصالح، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: 

(( الخازِنُ المُسلمُ الأمينُ الذي يُعطِي ما أُمِرَ به كامِلًا مُوفَّرًا طَيِّبةً به نفسُه فيدفَعُهُ إلى الذي أُمِرَ له به أحَدُ المُتَصَدِّقَيْنِ ))

[ أخرجه  البخاري ومسلم ]


اختلاف مفهوم الرزق بين المؤمن وغير المؤمن:


أيُّها الإخوة: يقول الله عزَّ وجل:

﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (6)﴾

[ سورة هود ]

هذه "مِن" تُفيد استغراق أفراد النوع، أي شيءٍ يدِبُّ على وجه الأرض، حتى النملة السمراء التي تدِبُّ على الصخرة الصمَّاء في الليلة الظلماء رزقها على الله، أحياناً في قِمَم الجبال تجد ينابيع المياه، وليس لها تفسيرٌ دقيق، إلا أن يكون مستودع هذه الينابيع في جبلٍ أعلى، من أجل بضعة وعولٍ تعيش في قِمَم الجبال.
أيُّها الإخوة: مفهوم الرزق فيه اختلافٌ بين مؤمنٍ وبين غير مؤمن، فالمؤمن يعلُم علماً يقيناً بحسب درجة إيمانه أنَّ الرزق من الله، وأنَّ عليه أن يأخذ بالأسباب ثم يتوكل على الله، بينما غير المؤمن يعتمد في يقينه أنَّ الرزق من عمله.

﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)﴾

[ سورة القصص ]

قارون (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي) هذا هو الفرق: المؤمن يعلَم عِلم اليقين أنَّ رزقه من الله وعليه أن يأخذ بالأسباب، بينما غير المؤمن يعتقد أنه صانع رزقه.
أيُّها الإخوة: أهل الإيمان يفهمون الرزق أن يكون مالاً، أو قُوتاً، أو مَلبساً، أو مَسكناً، وفي درجاتهم العُليا يرونه العافية في الدين والدنيا، والعافية في النفس والأهل والولد، ويرون الرزق في سعادة الدارَين، أمّا أهل اليقين يرون أنَّ الرزق أن يَصرفِك الله عن كل ما سواه، وأن تكون قريباً من الله، وأهلاً لجنَّة الله في ملكوت الله.

المال قوام الحياة:


أيُّها الإخوة الكرام: لا شكّ أن الرزق يزيد ويقلّ، هذه الزيادة إن شاء الله في خُطبةٍ أتحدَّث عن بضعة عشراتٍ، بل قريب من خمسين بنداً من الكتاب والسُنَّة تُسهِم في زيادة الرزق، ألا يتمنّى كل واحدٍ منّا أن يكون رزقه وفيراً؟ لأنَّ المال قِوام الحياة، ولأنَّ الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف له مقولةٌ رائعة، قال: "حبَّذا المال أصون به عرضي وأتقرَّب به إلى ربي" .
 من الموضوعات الحسّاسة، الوسائل القرآنية والنبوية في زيادة الرزق، هذا لخُطبةٍ بعد القادمة إن شاء الله تعالى.
أيُّها الإخوة: من هذه الأسباب مثلاً بشكلٍ سريع، صِلة الرحم تكون سبباً في زيادة الرزق، هذه بعض الأسباب وهناك أسبابٌ كثيرة سوف آتي إليها إن شاء الله تعالى.

المال رزق ولكنه ليس كل الرزق بل أحد أنواعه:


أيُّها الإخوة الكرام: أنواع الرزق أولاً المال أحد أنواع الرزق، فالصحة رزقٌ، والعلم رزقٌ، وطاعة الله رزقٌ، والحكمة رزقٌ، والزوجة الصالحة رزقٌ، والزوجة العفيفة رزقٌ، والأولاد الأبرار رزقٌ، والمأوى رزقٌ، والسُمعة العَطِرة رزقٌ، فإذا توهمنا أنَّ الرزق هو المال الذي يأتينا، فهذا وهمٌ خطير، فالمال رزقٌ ولكنه ليس كل الرزق، بل هو أحد أنواعه وهو وسيلةٌ وليس بغاية، هناك آلاف النِعَم نتمتع بها وقد نغفُل عنها، ونتوهم أن الرزق هو المال.
الحقيقة الثانية: أنَّ الرزق هو ما انتفعت به، أمّا الذي لم تنتفع به ليس رزقاً إنما هو كَسبٌ، والكَسبُ تُحاسَبُ عنه أشدَّ الحساب، كيف كَسِبته؟ من طريقٍ مشروع أو من طريقٍ غير مشروع؟ كَسِبته بالصدق أم بالكذب؟ بالأمانة أم بالخيانة؟ بالحقيقة أم بالوهم؟ كَسِبته بقوتك وضغوطك واحتيالك، أم كَسِبته بعرقك وكدِّك؟ هذا هو مناط الموضوع.
أيُّها الإخوة الكرام: الرزق ما انتفعت به، الآن حلالاً أو حراماً، طيِّباً أو خبيثاً، مشروعاً أو غير مشروع.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172)﴾

[ سورة البقرة ]


ألصق شيء بحياة الإنسان عمله وحرفته فعليه أن يتحرَّى الحلال فيها:


الحقيقة أنَّ بعض الرزق الذي انتفعت به ليس مشروعاً، أضرب مثلاً أضربه كثيراً: تفاحةٌ رابعةٌ على غصنٍ خامسٍ من فرعٍ ثالث، من شجرة تفاحٍ في بستانٍ، في مكانٍ، في بلدةٍ، هذه التفاحة لك، قُسِمت لك، أنت باختيارك تأخذها شراءً مشروع، تأكلها ضيافةً مشروع، تأكلها هديةً مشروع، تأكلها سرقةً غير مشروع، تأكلها احتيالاً غير مشروع، هي لك ولكن طريقة وصولها إليك باختيارك.

(( إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفثَ في رُوعِي، أنَّ نفسًا لَن تموتَ حتَّى تستكمِلَ أجلَها، وتستوعِبَ رزقَها، فاتَّقوا اللهَ، وأجمِلُوا في الطَّلَبِ، ولا يَحمِلَنَّ أحدَكم استبطاءُ الرِّزقِ أن يطلُبَه بمَعصيةِ اللهِ، فإنَّ اللهَ تعالى لا يُنالُ ما عندَه إلَّا بِطاعَتِهِ.))

[ أخرجه  الطبراني ]

وفي زيادةٍ لهذا الحديث: "واستجملوا مِهنكم" لأنَّ ألصَق شيءٍ في حياة الإنسان عمله وحرفته، فإن كانت مشروعة عاش مرتاحاً، وعاش ناعماً، وعاش طيِّب النفس، أمّا إذا كان كسبُ المال من طريقٍ غير مشروع، من حرفةٍ لا تُرضي الله، من بضاعةٍ مُحرَّمةٍ، أو إذا كان طريق كسب الرزق من ابتزاز الناس، أو إيهامهم، أو إلقاء الرُعب في قلوبهم، فهذا رزقٌ خبيث ابتعد عنه (إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفثَ في رُوعِي، أنَّ نفسًا لَن تموتَ حتَّى تستكمِلَ أجلَها، وتستوعِبَ رزقَها، فاتَّقوا اللهَ، وأجمِلُوا في الطَّلَبِ) واستجملوا مِهنكم.

الحكمة من جعل الكسب الحلال صعباً و الكسب الحرام سهلاً: 


أيُّها الإخوة: ليس كل رزقٍ حلالاً، هناك شُبُهات، سيدنا عمر بن الخطاب يقول: "مَن دخل السوق من دون فقهٍ أكل الرِبا شاء أم أبى"

(( يا سعدُ :أَطِبْ مَطْعَمَكَ، تَكُنْ مستجابَ الدعوةِ، والذي نفسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ، إن العبدَ لَيَقْذِفُ اللُّقْمَةَ الحرامَ في جَوْفِهِ ما يُتَقَبَّلُ منه عَمَلَ أربعين يومًا ))

[ أخرجه  الطبراني ]

معنى (أَطِبْ مَطْعَمَكَ) أي اشترِ طعاماً بمالٍ كسبته حلالاً، لا فيه كذب، ولا تدليس، ولا إيهام، ولا احتكار، ولا ابتزاز ، ولا من أي طريقٍ لا يُرضي الله عزَّ وجل.
أيُّها الإخوة: لحكمةٍ بالغةٍ بالغةٍ بالغة، جُعِل الكسب الحلال أقلَّ من الكسب الحرام، لذلك قيل: قليلٌ تؤدّي شُكره خيرٌ من كثيرٍ لا تؤدّي شُكره، وقليلٌ يكفيك خيرٌ من كثيرٍ يُطغيك.

(( بادِروا بالأعمالِ سبعًا ما ينظُرونَ إلا مرضًا مُفسِدًا أو هرَمًا مُفَنِّدًا أو غِنًى مُطغِيًا أو فَقرًا مُنسِيًا أو موتًا مُجهِزًا أو الدجالَ فإنه شرُّ منتَظَرٍ أو الساعةَ والساعةُ أَدهى وأمَرُّ ))

[  أخرجه الترمذي والطبراني ]

لو أنَّ الرزق الحلال سهلٌ جداً وكثيرٌ جداً، لأقبَل الناس على الحلال لا طاعةً لله، ولا حُبّاً به، ولا طمعاً بجنَّته، إنما أقبلوا عليه لأنه سهلٌ يسير وكثيرٌ وفير، لكن لحكمةٍ بالغةٍ بالغة جُعِل الكسب الحلال صعباً، وأحياناً الكسب الحرام سهلٌ جداً، يعني أن تغضَّ البصر عن مستودعٍ قد تأخذ منه الملايين المُملينة، أمّا حينما تكسب هذا المال من تجارةٍ مشروعة، هناك جهدٌ لا يعلمه إلا الله، كي تكسب المال من التجارة، فالكسب الحلال يبدو للمتوهِّم أنه صعب، لكن الذي يؤمن بالله واليوم الآخر، لا يقبَل إلا رزقاً حلالاً ولو كان قليلاً.

﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7)﴾

[ سورة الكهف ]


من لوازم الإيمان أن تختار عملاً يرضي الله: 


إخوتنا الكرام: من لوازم الإيمان أن تختار عملاً يُرضي الله، اختيار الحرفة شيءٌ مهمٌ جداً، بل كنت أقول دائماً: إن اختيار الزوجة والحِرفة أخطر شيئين في حياة الإنسان، لأنهما ألصَق شيئين بنفسك، البيت يُبدَّل والمركبة تُبدَّل، لكن الحِرفة بعد أن تستقر بها سنواتٍ وسنوات، وتُشكِّل فيها خبراتٍ وخبرات، يصعب تركها، وكذلك الزواج، لك منها أولاد، فلذلك أنا أُخاطِب الشباب، بطولة الشاب أن يُحسِن شيئين مصيريين: أن يُحسِن اختيار زوجته وأن يُحسِن اختيار حِرفته.

الرزق الأعظم الذي يناله الإنسان هو رزق القيَم: 


مرةً ثانية أيُّها الإخوة: هناك رزقٌ مادي هو الطعام، والشراب، والمسكَن، والمركبة، والمأوى، هو ماء الأمطار، الصحة، صحة الأجهزة، الأعضاء، الحواس، المأوى، الثياب، هذا كله رزقٌ مادي، ولكن الرزق الأعظم هو رزق القيَم دقق:

﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)﴾

[ سورة النساء ]

فضل الله عليك عظيماً، هؤلاء الذين أعطاهم الله المُلك، منهم من لا يُحبُّهم الله عزَّ وجل، أعطى المُلك لفرعون وهو لا يُحبُّه، أعطاه لسليمان وهو يُحبُّه، هؤلاء الذين أعطاهم الله المال منهم من لا يُحبُّهم الله عزَّ وجل، أعطاه لقارون وهو لا يُحبُّه، أعطاه لسيدنا عبد الرحمن بن عوف وسيدنا عثمان بن عفان وهو يُحبُّهما، لكن الذي يُحبُّه الله ماذا يعطيه؟ حصراً:

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)﴾

[ سورة القصص ]

 دققوا في هذه الآية: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) أي أعظم فضلٍ تناله منه أن تعرفه، إنك إذا عرفته عرفت كل شيء، وإنك إذا لم تجده لم تجد شيئاً، يا ربّ ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟ وإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟
أمّا رزق القيَم هذا بين يديك، هذا متاحٌ لكل الناس، هذا يحتاج إلى مُحاكمةٍ صحيحة، وتوبةٍ نصوحة، وإقبالٍ على الله وصُلحٍ معه.

الرزق الروحي رزقٌ تبدأ ثماره في الدنيا وتستمر إلى الآخرة:


الرزق الروحي، رزق المعرفة، رزق الطاعة، رزق الاتصال، رزق التألُّق الروحي، رزق الدعوة إلى الله، هذه أرزاقٌ لا يعلمها إلا الله، وهذه تبدأ ثمارها في الدنيا وتستمر إلى أبد الآبدين، يقول الإنسان مالي مالي: 

(( انتهَيْتُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يقرَأُ: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} [التكاثر: 1] قال: يقولُ ابنُ آدَمَ: مالي وإنَّما لكَ مِن مالِك ما أكَلْتَ فأفنَيْتَ أو لبِسْتَ فأبلَيْتَ أو تصدَّقْتَ فأمضَيْتَ ))

[ أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وأحمد ]

الدنيا لها سقف، لو معك مئة مليار كم تأكل صباحاً؟ كم تأكل ظهراً؟ كم تأكل مساءً؟ على كم سرير تنام؟ كم ثياب ترتدي؟ كم مركبة تركب؟ لو معك ألف مليار فالدنيا لها سقف، ومحدودة، وتنتهي بالموت، لكن الآخرة ليس لها سقف.

﴿ هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163)﴾

[ سورة آل عمران ]

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132)﴾

[ سورة الأنعام ]

(( قال اللهُ : أعدَدتُ لعِبادي الصَّالِحينَ ما لا عَينٌ رَأت، ولا أُذُنٌ سَمِعَت، ولا خَطَرَ على قَلبِ بَشَرٍ ))

[ صحيح البخاري ]


الرزق هو العمل الصالح: 


صَدَقتُك من رزقك، حضور هذه الخُطبة من الرزق، أن تنطِق بالحقّ هذا من الرزق، أن تحفظ بعض آيات القرآن الكريم هذا من الرزق، أن تطلِع على سيرة النبي الكريم هذا من الرزق.
ماذا قال سيدنا موسى حينما سقى للفتاتين؟ 

﴿ فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)﴾

[ سورة القصص ]

استنبَط علماء التفسير أنَّ الرزق هو العمل الصالح، وأنَّ الغنى هو غِنى العمل الصالح، وأنَّ الفقر هو فقر العمل الصالح، يقول سيدنا علي بن أبي طالب: "الغنى والفقر بعد العرض على الله" .

﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)﴾

[ سورة المؤمنون ]

فالغنى والفقر بعد العرض على الله.

المال قوة حيادية: 


أيُّها الإخوة الكرام: المال قِوام الحياة، المال ليس نعمةً وليس نقمةً، شيءٌ موقوفٌ على طريقة استخدامه، المال ربما كان درجاتٍ ترقى بها إلى أعلى عليين، وربما كان دركاتٍ يهوي بها الإنسان إلى أسفل سافلين، هو قوةٌ ولكنها قوةٌ حيادية قال تعالى:

﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)﴾

[ سورة الفجر ]

هو يقول:

﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)﴾

[ سورة الفجر ]

جاء الجواب الإلهي جواب ردعٍ:

﴿ كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17)﴾

[ سورة الفجر ]

ليس عطائي إكراماً ولا مَنعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء، المال مادة امتحانك، قد تنجح في امتحان المال وقد لا تنجح، والفقر مادة امتحانك، وقد تنجح في هذا الامتحان الصعب وقد لا تنجح، فالمال ليس خيراً مُطلقاً ولا شرّاً مطلقاً، موقوفٌ على طريقة كَسبه وإنفاقه.
وقد يكون المال فتنةً:

﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)﴾

[ سورة الأنفال ]


تقنين الله على العبد تقنين تأديب وليس تقنين عجز: 


أيُّها الإخوة الكرام: إذا قَنَّن الله على العبد رزقه فليعلم عِلم اليقين أن التقنين ليس تقنين عجزٍ ولكنه تقنين تأديب والدليل:

﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)﴾

[ سورة الشورى ]

﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ (21)﴾

[ سورة الحجر ]

(( يا عبادي إنِّي حرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي وجعلتُهُ بينَكم محرَّمًا فلا تَظالموا يا عبادي إنَّكم تخطئونَ باللَّيلِ والنَّهارِ وأنا أغفرُ الذُّنوبَ جميعًا ولا أبالي فاستغفروني أغفرْ لَكم يا عبادي كلُّكم ضالٌّ إلَّا من هديتُهُ فاستَهدوني أَهدِكم يا عبادي كلُّكم جائعٌ إلَّا من أطعمتُهُ فاستطعموني أطعِمْكم يا عبادي إنَّكم لن تبلُغوا ضرِّي فتضرُّوني ولن تبلغوا نفعي فتنفَعوني يا عبادي لو أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وإنسَكم وجنَّكم كانوا على أتقى قلبِ رجلٍ واحدٍ منْكم ما زادَ ذلِكَ في مُلْكي شيئًا يا عبادي لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنسَكم وجنَّكم كانوا على أفجرِ قلبِ رجلٍ منكُم ما نقصَ ذلِكَ من مُلْكي شيئًا يا عبادي لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنسَكم وجنَّكم اجتمَعوا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيتُ كلَّ إنسانٍ منهم مسألتَهُ ما نقصَ ذلِكَ في مُلكي شيئًا إلَّا كما يَنقصُ البحرُ إن يُغمَسْ فيهِ المِخيَطُ غمسةً واحدَةً يا عبادي إنَّما هيَ أعمالُكم أُحصيها لَكم ثمَّ أوفِّيكم إيَّاها فمن وجدَ خيرًا فليحمدِ اللَّهَ ومن وجدَ غيرَ ذلِكَ فلا يلومنَّ إلَّا نفسَهُ ))

[ أخرجه مسلم ]

وبعد الحديث إن شاء الله في خُطبةٍ بعد القادمة، سيكون الحديث عن أسباب زيادة الرزق، وكلها مُدللة بالكتاب والسُنَّة.

الحكمة الإلهية من تفضيل بعض الناس على بعض في الرزق: 


هناك حقيقةٌ لا بُدَّ من وضعها بين أيديكم، عن أنسٍ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخبَر عن ربِّه، يقول الله عزَّ وجل: 

(( قال اللهُ تباركَ و تعَالى : مَن أَهانَ لي وليًّا فقد بارزني بالمُحَاربةِ، ما تردَّدتُ في شيءٍ أنا فاعلُه، ما تردَّدتُ في قبضِ المؤمنِ يَكرَهُ الموتَ وأَكرَهُ مساءتَهُ ولا بدَّ لهُ منْهُ، ما تقرَّبَ عبدي بمثلِ أداءِ ما افترضتُهُ عليْهِ، ولا يزالُ عبدي المؤمن يتقرَّبُ إلي بالنَّوافِلِ حتَّى أحبَّهُ ومَن أحببتُهُ كنتُ لهُ سمعًا وبصَرًا، ويدًا ومؤيِّدًا، دعاني فأجبتُهُ وسألني فأعطيتُهُ ونصحَ لي فنصحتُ لهُ، وإنَّ مِن عبادي لمن يريدُ البابَ منَ العبادةِ فأَكفُّهُ عنْهُ لا يدخلُهُ العجبُ فيُفسدُهُ ذلِك، وإنَّ من عبادي المؤمنين لمن لا يُصلِحُ إيمانَهُ إلَّا الفقرُ ولَو أغنيتُهُ لأفسدَهُ ذلِكَ، وإنَّ من عبادي المؤمنينَ لَمَن لا يُصلِحُ إيمانَهُ إلَّا الصِّحَّةُ ولَو أسقمتُهُ لأفسدُهُ ذلِكَ، وإنَّ من عبادي المؤمنينَ لمن لا يُصلِحُ إيمانَهُ إلَّا السَّقمُ ولَو أصححتُهُ لأفسدَهُ ذلِكَ، إنِّي أدبِّرُ عبادي بعلمي بقلوبِهم إنِّي عليمٌ خبيرٌ ))

[  أخرجه الترمذي والطبراني ]

هذا موضوعٌ ثانٍ: (وإنَّ من عبادي المؤمنين لمن لا يُصلِحُ إيمانَهُ إلَّا الفقرُ ولَو أغنيتُهُ لأفسدَهُ ذلِكَ) هناك إنسانٌ مقاومته ضعيفة على المال، يُفكِّر بالعصيان، فعلى دخلٍ محدود يبقى مستقيماً، فرحمة الله به أن يكون ذا دخلٍ محدود، وهناك إنسانٌ على الدخل الوفير يُنفِق يميناً وشمالاً، ينفِق لإطعام الفقراء والمساكين، لذلك: (وإنَّ من عبادي المؤمنينَ لَمَن لا يُصلِحُ إيمانَهُ إلَّا الصِّحَّةُ ولَو أسقمتُهُ لأفسدُهُ ذلِكَ، وإنَّ من عبادي المؤمنينَ لمن لا يُصلِحُ إيمانَهُ إلَّا السَّقمُ ولَو أصححتُهُ لأفسدَهُ ذلِكَ، إنِّي أدبِّرُ عبادي بعلمي بقلوبِهم إنِّي عليمٌ خبيرٌ) .
أحياناً المؤمن الكامل يستسلم لقضاء الله وقدره، يبذِل قُصارى جهده في أن يرفع مستوى معيشته، فإذا بذل قُصارى جهده، وبلغ به التعب والجهد إلى مكانٍ ما، هذا الذي أراده الله، لا يستسلم إلا بعد الأخذ بالأسباب، أمّا قبل أن يأخُذ بها هو مؤاخذٌ عند الله عزَّ وجل.

من حرص على المال ذهب شرفه ودينه وأصبح خادماً لهما:


أيُّها الإخوة الكرام: الناس في كسب المال ثلاثة أطباق: رجُلٌ شغله معاشه عن معاده فهو من الهالكين، ورجُلٌ شغله معاده عن معاشه فهو من الفائزين، ورجُلٌ شغله معاشه لمعاده فهو من المُقتصدين.
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((   لَو كان لي مِثلُ أُحُدٍ ذَهَبًا ما يَسُرُّني أن لا يَمُرَّ عليَّ ثَلاثٌ وعِندي منه شيءٌ إلَّا شيءٌ أُرصِدُه لدَينٍ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

حبَّب إلينا إنفاق المال، وقال أيضاً:

(( ما ذئبان جائعان أُرسِلا في غنمٍ بأفسدَ لها من حِرصِ المرءِ على المالِ والشرفِ لدِينِه ))

[ أخرجه الترمذي وأحمد ]

الحرص على المال قد يذهب بشرفه وبدينه ويُصبِح خادماً له. 

المال قوة إذا استُخدِم وفق ما يرضي الله عزَّ وجل: 


أيُّها الإخوة الكرام: مرةً ثانية: حبَّذا المال أصون به عرضي وأتقرَّب به إلى ربّي، هذان الهدفان الكبيران المشروعان وراء كسب المال، لكن الذي أتمنّى أن أقوله لكم ختاماً لهذا الموضوع، إذا كان طريق كسب المال سالكاً وفق منهج الله، ينبغي أن تكون غنياً، لأنك بهذا المال تستطيع أن تفعل من الأعمال الصالحة الكثير ما لا يستطيع أن يفعلها إنسانٌ آخر.
المال قوة يمكن أن تفتح بهذا المال ميتماً، معهداً شرعياً، أن تُطعِم الجياع، أن تُزوِّج الشباب، المال قوة كبيرة جداً، بل إنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: 

(( لا حسدَ إلا على اثنتينِ رجلٌ آتاه اللهُ مالًا فهو ينفقُ منه آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ ورجلٌ آتاه اللهُ القرآنَ فهو يقومُ به آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

فالمال قوة وأنت بالمال أمام خيارات للعمل الصالح لا يعلمها إلا الله، فإذا كان طريق كسب المال سالكاً وفق منهج الله، ينبغي أن تكون غنياً كي تُنفقه في سبيل الله، أمّا إذا كان طريق كسب المال على حساب دينك واستقامتك ورضوان ربِّك، فاعلم علم اليقين أنَّ الفقر وسام شرفٍ لك، وقُل معاذ الله إني أخاف الله ربَّ العالمين.
يوجد حِرف الآن لها دخلٌ فلكي، لكن أساسها إفساد أخلاق الشباب، أو أساسها بث الرُعب في قلوب الناس، ابحث عن حِرفةٍ تُرضي الله.

المال أحد أدوات التقرُّب إلى الله عزَّ وجل: 


أيُّها الإخوة: بقي موضوعٌ أخير يقول عليه الصلاة والسلام: 

(( إنَّ الأشعَريِّينَ إذا أرمَلوا في الغَزوِ أو قَلَّ طَعامُ عيالِهم بالمَدينةِ، جَمَعوا ما كانَ عِندَهم في ثَوبٍ واحِدٍ، ثُمَّ اقتَسَموه بينَهم في إناءٍ واحِدٍ بالسَّويَّةِ، فهُم مِنِّي وأنا منهم ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

(( ما آمَنَ بي مَن باتَ شَبعانَ وجارُه جائِعٌ إلى جَنبِه وهو يَعلمُ ))

[ أخرجه الطبراني ]

الفكرة الأخيرة: إذا كان معك فضلُ مالٍ، فاعطِ من هذا الفضل على مَن لا مال له، فالمال أحد أدوات التقرُّب إلى الله عزَّ وجل.
أيُّها الإخوة الكرام:

﴿ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)﴾

[ سورة يوسف ]

الأب الصالح الذي كَسِب المال الحلال وأنفقه على أولاده، يجب أن يوقن يقيناً قطعياً أنَّ الله يحفظ أولاده من بعده، أمّا الأب الذي كَسِب المال الحرام من أجل أن يُرفِّه أولاده من بعده، قد تكون المعاصي والآثام التي يقترفونها في صحيفة الأب.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أن مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، وسيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتخذ حِذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لِما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله ربِّ العالمين. 

* * *

الخــطــبـة الثانية :

الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلُق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء وفي الآخرة توزيع جزاء: 


أيُّها الإخوة: من تتمات الموضوع أنَّ الحظوظ: المال حظ، الوسامة حظ، الذكاء حظ، القوة حظ، الصحة حظ، أنَّ الحظوظ موزعةٌ في الدنيا توزيع ابتلاء، الغني مُبتلى بالمال أي مُمتحَن، والفقير مُمتحَن بالفقر، الحظوظ موزعةٌ في الدنيا توزيع ابتلاء، الآن دققوا:  وسوف توزَّع في الآخرة توزيع جزاء، الدنيا محدودة.

﴿ انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21)﴾

[ سورة الإسراء ]

أمّا الآخرة أبدية، فالبطولة أن تنجح في أي امتحانٍ اُمتحِنت به في الدنيا، قد تُمتحَن بالغِنى، وقد تُمتحَن بالفقر، البطولة أن تنجح في امتحان الغِنى، أن تنفقه في سبيل الله، وامتحان الفقر أن ترضى عن الله، وأن تتجمَّل، وأن تكون عفيفاً.

بطولة الإنسان أن ينجح في أي امتحان يمتحنه الله به في الدنيا: 


فالبطولة أن تنجح في مادة المال إيتاءً أو حرماناً، إن نجحت دخلت إلى جنَّة ربِّك إلى أبد الآبدين.
للتوضيح: رجُلان عاشا ستين عاماً بالتمام والكمال، الأول اُمتحِن بامتحان الغنى فلم ينجح، والثاني امتُحِن بامتحان الفقر فنجح، ماتا ويوم القيامة استحقَّ الذي نجح في امتحان الفقر، جنَّةً عرضها السماوات والأرض، والذي لم ينجح في امتحان الغِنى، دخل النار، مَن هو الرابح؟ على الشبكية الغني في الدنيا، أمّا بعد إدراك الحقائق، الذي نجح في الآخرة، هو الذي نجح في امتحانه في الدنيا، فعُدَّ مادة المال أهم مواد الامتحان، قد تُمتحَن بالمال وفرةً، وقد تُمتحَن بالمال تقتيراً، فأنت بطولتك أن تنجح في أي امتحان، النبي عليه الصلاة والسلام أصابه الفقر، لو لم يكن فقيراً لما صدَّقه الفقراء، كان إذا دخل بيته يقول: 

(( أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ أتاها، فقالَ: هل عندَكُم طعامٌ؟ فقُلتُ: لا، فقالَ: إنِّي صائمٌ، ثمَّ جاءَ يومًا آخرَ، فقالت عائشةُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّا قد أُهْديَ لَنا حَيسٌ، فدعا بِهِ، فقالَ: أما إنِّي قد أصبحتُ صائمًا، فأَكَلَ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

 فالبطولة أن تنجح في امتحان المال وفرةً أو تقتيراً، إن نجحت فُزت وربِّ الكعبة.

الفقر ثلاثة أنواع: فقر الإنفاق وفقر الكسل وفقر القدر: 


لكن أن تكون فقيراً فقر كسلٍ، هذا فقرٌ مذموم وليس قضاءً وقدراً، الفقر المذموم فقر الكسل، عملك غير مُتقَن، تُرجئ الأعمال، لا تهتم لا بالمواعيد ولا بالدوام ولا بالإتقان، إذاً تكون متخلفاً في دُنياك، والمتخلف يكون فقيراً بالأعمّ الأغلب، هذا فقر الكسل مرفوض، هذا ليس من أخلاق المؤمن، هناك فقر الكسل صاحبه مذموم، ولا يقول: هكذا الله رتَّب لي، هذا كلامٌ فيه دجل، اسعَ.
روي أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لقيَ ناساً من اليمن فقال:  <<ما أنتم؟ فقالوا: متوكلون، فقال: كذبتم، أنتم متَّكلون، إنما المتوكِّل رجُلٌ ألقى حبةً في الأرض وتوكل على الله عزَّ وجل>> .
اسعَ، هذا فقر الكسل مذموم، أمّا فقر القدَر هذا معذور، إنسان معه عاهة، من لوازم هذه العاهة أنه فقير، هذا فقرٌ معذورٌ صاحبه، أمّا الفقر المحمود فقر الإنفاق.

(( أمرَنا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أن نتصدَّقَ فوافقَ ذلِكَ عندي مالاً، فقلتُ: اليومَ أسبقُ أبا بَكرٍ إن سبقتُهُ يومًا، قال: فَجِئْتُ بنِصفِ مالي، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: ما أبقيتَ لأَهْلِكَ؟ قلتُ مثلَهُ، وأتَى أبو بَكرٍ بِكُلِّ ما عندَهُ، فقالَ: يا أبا بَكرٍ ما أبقَيتَ لأَهْلِكَ؟ فقالَ أبقيتُ لَهُمُ اللَّهَ ورسولَهُ، قلتُ: لا أسبقُهُ إلى شيءٍ أبدًا))

[ أخرجه أبو داوود والترمذي ]

 أنفَق كل ماله!
هناك فقر الإنفاق، وفقر الكسل، وفقر القدَر، القدَر معذور، الإنفاق محمود، الكسل مذموم.

الدعاء: 


اللهم اهدنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلُّ من واليت ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هبّ لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك.
اللهم اعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا ولا تؤثِر علينا، ارضنا وارضَ عنّا.
اقسِم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تُبلِّغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تُهوِّن به علينا مصائب الدنيا، ومتِّعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوَّتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منّا، واجعل ثأرنا على مَن ظلمنا، وانصُرنا على مَن عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ عِلمنا، ولا تُسلِّط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا ربَّ العالمين.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصُر الإسلام وأعزَّ المسلمين، وخُذ بيد ولاتهم إلى ما تُحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير. 

الملف مدقق

والحمد لله ربِّ العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور