الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سَمعت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أُمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنّا وعنهم يا ربَّ العالمين.
اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا عِلماً، وأرِنا الحقَّ حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.
أيُّها الإخوة الكرام: بادئ ذي بدء، نقرأ كلام الله فإذا هو طافحٌ بالوعود للمؤمنين.
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)﴾
أول وعد.
2 ـ تمكين الدين في الأرض:
(وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ) الوعد الثاني.
(وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) الوعد الثالث.
(يَعْبُدُونَنِي) بشرط أن يعبدوني.
4 ـ نصر الأنبياء والمؤمنين:
وعدٌ آخر:
﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)﴾
وعدٌ آخر:
﴿ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)﴾
وعدٌ آخر:
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾
هذه الوعود أيُّها الإخوة، دققوا فيما سأقول: زوال الكون أهوَن على الله من ألّا يُحقِّق وعوده للمؤمنين، المُفارقة الحادة بين واقع المسلمين المؤلم وبين وعود ربِّ العالمين الرائعة، كيف نوفق بينهما؟
الحقيقة ينبغي أن أنطلق في هذا الموضوع الدقيق، والذي يمسُّ كل مؤمنٍ وكل مسلمٍ وكل عربي، ينبغي أن أنطلق في هذا الموضوع من حقيقتين:
الحقيقة الأولى: أنَّ الحقيقة المُرة أفضل ألف مَرَّة من الوهم المُريح.
وأنَّ الحقيقة الثانية مستحيلٌ وألف ألف ألف مستحيل أن يتخلى الله عنّا.
﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139)﴾
ولأبدأ بالتفاؤل:
(( كانَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يُعجبُهُ الفَألُ الحسَنُ، ويَكْرَهُ الطِّيرةَ ))
معالم مهمة من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام:
أولاً: نحن قريبو عهدٍ من ذكرى الهجرة، فإذا كان للدعوة الإسلامية خطٌ بياني، فقد وصل هذا الخط في الطائف إلى النهاية الدُنيا، سَخِرَ الناس منه، وكذَّبوه، وناله الصغار بالأذى حتى أُدميَت قدماه، وقال دعاءه الشهير الذي يحتاجه كل مسلمٍ اليوم:
(( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلةَ حيلتي وهواني على الناسِ يا أرحمُ الرحمين إلى من تكلني إلى عدوٍّ يتَجهَّمُني أو إلى قريبٍ ملكتَه أمري، إن لم تكن ساخطًا عليَّ فلا أبالي غيرَ أن عافيتَك أوسعُ لي، أعوذُ بنورِ وجهِك الكريمِ الذي أضاءت له السماواتُ والأرضُ وأشرقت له الظلماتُ وصَلَحَ عليه أمرُ الدنيا والآخرةِ، أن تُحِلَّ عليَّ غضبَك أو تُنزِلَ عليَّ سخطَك ولك العُتْبى حتى ترضى ولا حولَ ولا قوةَ إلا بك ))
أيُّها الإخوة: ومع أنَّ الخط البياني للدعوة الإسلامية وصل في الطائف إلى الحضيض، لكن في أثناء العودة إلى مكَّة، سأله سيدنا زيد: يا رسول الله كيف تعود إلى مكة وقد أخرجتك؟! فقال كلمةً شُحِنَت بالثقة بالله: "إنَّ الله ناصر نبيّه"
وليس بعيداً عنكم حينما تَبِعه سُراقة، إنسانٌ مُلاحَق، هُدِر دمه، وضِعت مئة ناقةٍ لمن يأتي به حيّاً أو ميتاً، يلحقه سُراقة من أجل المئة ناقة، يقول له النبي الكريم والقصة معروفة عندكم: "كيف بك يا سُراقة إذا لبست سِواري كسرى"، كلامٌ كالخيال! شِرذمة مُلاحقة مُضطهدة، نُكِّل بها وقُتلت، نبيُّها رأس هذه القِلّة مهدورٌ دمه، مُلاحَقٌ، مئة ناقةٍ لمن يأتي به حيّاً أو ميتاً يقول له: يا سُراقة، كيف بك إذا لبست سِواري كسرى، أي إنني سأصل، وسأؤسِّس دولةً حُرةً كريمةً، وسأُحارب أقوى دولتين في العالَم، وسأنتصر عليهما، وسوف تأتيني كنوزهما، ولك يا سُراقة سِواري كسرى، كان عُمر يعتلي المنبر، وقد جاءت كنوز كسرى، فقال: أين سُراقة؟
تصوَّر دولة من العالم الثالث ضعيفة جداً، الدنيا كلها تُحاربها، شعبها يُعاني ما يُعاني، مواطن من هؤلاء وُعِد أن يأخذ شيئاً ثميناً من البيت الأبيض، نفس المسافة، فكان سُراقة في المسجد، سيدنا عُمر جاء بسِواري كسرى وألبَسه وقال: "بَخٍ بَخٍ: أُعيرابيٌ من بني مُدلِج يلبس سِواري كسرى" .
أيُّها الإخوة: أخطر شيءٍ في حياتنا أن نُهزَم من الداخل، قد نُعاني ما نُعاني، لكن قد يسأل سائل: ما الحكمة؟
الحكمة أيُّها الإخوة: أنَّ الدنيا محدودة، وهي أحقر من أن تكون عطاءً لمخلوقٍ كائناً من كان، بل هي أحقر من أن تكون عقاباً.
لو تصورنا رقم واحد في الأرض وأصفاراً إلى الشمس، وكل ميليمتر صفر، كم هذا الرقم؟ ثلاثة أصفار ألف، ثلاثةٌ أُخَر مليون، ثلاثةٌ ثالثة ألف مليون، ثلاثةٌ رابعة مليون مليون، إلى الشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، وكل ميليمتر صفر، هذا الرقم ضعه صورةً لكسر وضع المخرَج لا نهاية، القيمة صفر، فالدنيا أمام ما وعد الله به المؤمنين لا شيء، بل إنَّ أكبر خسارةٍ أن نخسر الآخرة.
لذلك قالوا: هناك انتصارٌ مبدئي، يكفي أن تكون مؤمناً ذا عقيدةٍ سليمة، أن تكون موحِّداً، أن تكون مستقيماً، ولو مات الإنسان منتصرٌ انتصاراً مبدئيّاً.
أصحاب الأخدود ألم يُحرقوا؟ أثنى الله عليهم.
ماشطة بنت فرعون، التي قالت بسم الله حينما وقع المشط من يدها:
(( أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلةَ أُسري به مرَّ بريحٍ طيِّبةٍ فقال: يا جبريلُ ما هذه الرِّيحُ؟ قال: هذه ريحُ ماشطةِ بنتِ فرعونَ وأولادِها، بينما هي تمشِّطُ بنتَ فرعونَ إذ سقَط المِدْرى مِن يدِها فقالت: بسمِ اللهِ فقالت بنتُ فرعونَ: أبي؟ قالت: بل ربِّي وربُّكِ اللهُ قالت: وإنَّ لك ربًّا غيرَ أبي؟ قالت: نَعم، اللهُ، قالت: فأُخبِرُ بذلك أبي؟ قالت: نَعم، فأخبَرَتْه فأرسل إليها فقال: ألكِ ربٌّ غيري؟ قالت: نَعم ربِّي وربُّكَ اللهُ، فأمَر بنُقرةٍ مِن نُحاسٍ فأُحميت فقالت له: إنَّ لي إليك حاجةً قال: نَعم قال: فجعَل يُلقي ولدَها واحدًا واحدًا حتَّى انتهَوْا إلى ولدٍ لها رضيعٍ فقال: يا أمَّتاه اثبُتي فإنَّكِ على الحقِّ ))
هذا هو النصر المبدئي، ولو أنه قُتِل، ولو أنه حُرِّق، ولو أنه هُدِم بيته، والذي هدَم سبعين ألف بيت في غزَّة لم يزَل حيّاً، وهذه السنة الثالثة، وأمدَّ الله بعمره، لم يزَل حيّاً يُعاني ما يُعاني.
أيُّها الإخوة الكرام: هذا انتصارٌ مبدئي، وهناك انتصارٌ استحقاقي، كانتصار الصحابة يوم بدر.
﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)﴾
الآن نسأل الله إن لم نستحق النصر الاستحقاقي، أن نُنصَر تفضُّلاً كما انتصر الروم على الفرس، قال تعالى:
﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)﴾
أمّا إذا كان الفريقان المُتصارعان بعيدين عن الدين بُعد الأرض عن السماء، فالذي ينتصر هو الأقوى، الذي يملِك السلاح الأكثر جدوى، الذي يملِك سلاحاً مداه المُجدي عشرة كيلو، والمُدرَّعة في الطرف الآخر مداها المُجدي ثلاثة كيلو، إذاً هذه الطائرة يمكن أن تُدمِّر مئتي دبابة، إذا ابتعد الفريقان كُليّاً عن منهج الله فالمنتصر هو الأقوى، فعندنا انتصار مبدئي، وانتصار استحقاقي، وانتصار تفضُّلي، وانتصار كوني، والمعركة بين حقّين لا تكون، لأنَّ الحقَّ لا يتعدَّد، وبين حقٍّ وباطلٍ لا تطول، لأنَّ الله مع الحقّ، وبين باطلين لا تنتهي.
لا أحد يستطيع إفساد هداية الله لخلقه:
أيُّها الإخوة الكرام: أول فكرة لو أنَّ قوى الأرض اجتمعت بكل إمكاناتها، بكل بأسها، بكل قوّتها، بكل إعلامها، بكل أموالها، بكل حُلفائها، لو أنَّ أهل الأرض اجتمعوا على أن يُلغوا هداية الله لخلقه لا يستطيعون، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)﴾
الله موجود.
﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ (45) قَالَ لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ (46)﴾
لا تخف، نحن في أمسّ الحاجة إلى أن نثق بالله عزَّ وجل، ولن يتخلى عنا.
﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُونَ (18)﴾
﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)﴾
﴿ أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾
أيُّها الإخوة الكرام: هذه آيات القرآن الكريم.
وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ:
شيءٌ آخر:
﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)﴾
هذا الطفل الذي وضِع في البئر ليموت، سيدنا يوسُف، ماذا كانت النتيجة؟ أنه أصبح عزيز مصر (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) من كان يتوقَّع أنَّ الجهة الشرقية القوية التي رفعت شعار "لا إله"، وتملِك من القنابل الذريّة والنوويّة ما لا يُصدَق، أن تتهاوى كبيت العنكبوت، من كان يظن ذلك؟!
﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81)﴾
زهوق صيغة مُبالغة، وصيَغ المُبالغة تعني كمّاً أو نوعاً، يعني أكبر باطل في الأرض كان زهوقاً، ومليون باطل كان زهوقاً.
أيُّها الإخوة الكرام: إنَّ جهةً قويةً جداً تملِك نواصي الأمور، السلاح بيَدِها، المال بيَدِها، الإعلام بيَدِها، الأقمار بيَدِها، الدول كلها معها، مع الباطل تملُّقاً لها، وخوفاً من انتقامها، وطمعاً بما عندها، هذه القوة العُظمى إذا خطَّطت لتبني مجدها على أنقاض الشعوب، أو تبني حياتها على إبادتهم، أو تبني عِزَّها على إذلالهم، أو تبني ثقافتها على محو ثقافتهم، أو تبني أمنها على إخافتهم، أو تبني حياتها على موتهم، الآن دققوا: والله الذي لا إله إلا هو، ما سأقوله بعد قليل يختلط بدمي في كل قطرة دمٍ، وفي كل خليةٍ في الجسم، أؤمن بذلك، أن تنجح خططها على المدى البعيد، هذا لا يتناقض مع عدل الله فحسب، بل مع وجوده، بل مع وجود الله (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) .
مرة ثانية: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) .
معركة الحقّ والباطل من سُنَن الله الجارية:
أيُّها الإخوة: ولكن قد يسأل سائل: لِمَ جمعنا الله مع بعضنا في هذه الأرض؟ مؤمن وكافر، مُلحِد ومستقيم؟ الجواب الدقيق: أنَّ هذا قرارٌ إلهي، والمؤمن يحترم قرار الله عزَّ وجل، لأنَّ الله واجب الوجود، وما سواه ممكن الوجود، أي: ممكن أن يكون، أو لا يكون، ممكن أن يكون على ما هو كائن، أو على خلاف ما هو كائن.
أليس من الممكن أن يكون الكفار في كوكبٍ آخر؟ فلا معركة، ولا غزوة بدر، ولا أُحُد، ولا الخندق، ولا اليرموك، ولا القادسية، ولا هذا الذي يجري في العالم الآن، أليس من الممكن أن يكون الكفار في قارةٍ أُخرى؟ ممكن، أليس من الممكن أن يكونوا في حِقبةٍ أُخرى؟ ممكن، ولكن شاءت إرادة الله وحكمته المُطلقة، أن نكون معاً على وجه الأرض.
إذاً: معركة الحقِّ والباطل معركةٌ أزليةٌ أبدية، هذا قدَرُنا، ولأنَّ الحق ـ دققوا ـ لا ينمو إلا بالتحدي، ولأنَّ الحقّ لا يقوى إلا بالتحدي، ولأنَّ أهل الحقّ لا يستحقون الجنَّة إلا بالبذل والتضحية، هذه مَشيئة الله وهذه إرادته، وهناك مقولةٌ رائعةٌ جداً، تُدخِل على قلب كل مؤمنٍ الراحة والطمأنينة: "كل شيءٍ وقع أراده الله، وكل شيءٍ أراده الله وقع" ، أي لا ينبغي أن يقع في مُلكه ما لا يريد أبداً، كل شيءٍ وقع أراده الله، وكل شيءٍ أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقةٌ بالحكمة المُطلقة، وحكمته المُطلقة متعلقةٌ بالخير المُطلق، هذه الكلمات على قِلّتها تحلُّ مئات المشكلات للمؤمنين، هناك حكمةٌ بالغة، عرفها مَن عرفها، وجهلها مَن جهلها، أحياناً خِطة الله تستوعب خِطة أعداء الله، وتوظَّف للخير.
حقيقة الغرب وحشٌ في صورة آدميٍّ:
بربِّكم قبل خمسين عاماً تقريباً، إن صحَّ أن هناك سطحاً عليه المبادئ والقيَم الكُبرى في العالَم، طبعاً دعونا من المبادئ الصُغرى، هذه فقاعات، المبادئ الكُبرى، كان هناك شرقٌ يؤمن بالمجموع، وقد سُحِق الفرد فيه، وغربٌ يؤمن بالفرد، وقد سُحِق المجموع فيه، وكان الإسلام، الذي حصل أن الكتلة الشرقية التي رفعت شعار "لا إله" تداعت من الداخل وانتهت.
﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25)﴾
بقيَت كتلة الغرب وكتلة الإسلام، الغرب قوي، نحن لمئتي عام نائمون، وهُم يعملون ومستقرون، الغرب قوي جداً، وذكي جداً، وغني جداً، وبشكلٍ موضوعي طَرَح قيَماً رائعةً جداً سابقاً، الحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، تكافؤ الفُرَص، وحقّ المُقاضاة، شيءٌ رائعٌ جداً، بهذا الغِنى، وتلك القوة، وهذا الذكاء، وتلك القيَم، خَطف أبصار أهل الأرض، أصبح الذي يحمل "غرين كارت" كأنه دخل الجنَّة.
مرةً كنت راكباً سيارة، سمعت السائق يقول لزميله: الله يطعمها لكل مشتهٍ أمريكا، وكأنها الكعبة! أمريكا خَطفت أبصار أهل الأرض، وكأنها نافست هذا الدين، وكأن المسلمين نسوا دينهم، وتعلَّقوا بها، أكبر إنجازٍ على الإطلاق، أنَّ الغرب بعد الحادي عشر من أيلول، وبعد المواقف المُنحازة لأعدائنا انحيازاً غير معقول، الغرب سقط كحضارةٍ وبقي كقوة، والله قبل خمسين عاماً، قِلّةٌ قليلةٌ جداً جداً من المُثقَّفين يعرفون حقيقة الغرب، أمّا الآن والله أطفالنا وصغارنا كشفوه على حقيقته، أكبر إنجاز ديني أنَّ الغرب سقط، وقد يغيب عن أذهانكم أنه ما لم نكفُر بالكُفر لن نؤمن بالله، الدليل:
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)﴾
مرةً قلت على هذا المنبر: شكراً لك يا أمريكا، لقد أعنتِنا على أن نكفُر بكِ، أصبح الهدف هو الإسلام، والله الذي لا إله إلا هو، أشتهي بيتاً من اللّبِن لكن فيه رحمة، وهؤلاء لا يرحمون أحداً.
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)﴾
وكأنَّ لكل عصرٍ فرعون، لخمسين عاماً سابقة، ما سمعت خبراً عندهم، أنه قام بهذا العمل شخصٌ كاثوليكي، أو بروتستانتي، مواطن فقط، أمّا إذا أتوا إلى بلادنا: سنّي، وشيعي، وعربي، وكردي، وآشوري (وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا) فورقة الفِتن الطائفية، ورقةٌ رابحةٌ جداً بيد أعدائنا، ونحن ببطولتنا ووعينا يمكن أن نُسقِط هذه الورقة من يديه.
لم يبقَ إلاّ مبادئ الإسلام:
أيُّها الإخوة الكرام: الذي حصل أنه لم يبقَ في ساحة المبادئ والقيَم إلا الإسلام، سأُخبركم بهذه المقولة التي قلتها والله آلاف المرَّات: هذا العالِم الأمريكي الذي هداه الله إلى الإسلام، حينما التقى بالجالية الإسلامية في بريطانية قال: << أنا لا أُصدِّق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب على الأقل في المدى المنظور، لاتساع الهوة بينهما، ولكنني مؤمنٌ أشدَّ الإيمان، أنَّ العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين، لا لأنهم أقوياء، ولكن لأنَّ خلاص العالم في الإسلام>> .
أيُّها الإخوة الكرام: الدين الأول في العالم والأسرع نموُّاً هو الإسلام، والعالَم بحاجةٍ إليه، والذين يدخلون في هذا الدين بالألوف وبالمئات كل يوم، وهذا الذي يُقلِق الغرب (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) .
أقول لكم كلمة مختصرة: أنت قوي، هذا سرُّ ضَعفك، وأنا ضعيف، هذا سرُّ قوتي.
لا بُدَّ من العمل وترك النوم والكسل:
أيُّها الإخوة الكرام: لعلَّ هذه الأحداث دفعتّنا إلى أن نصحو، دفعتّنا إلى أن يُحب بعضنا بعضاً، لعلَّ هذه الأحداث دفعتّنا إلى أن نعمل لا أن نبقى نائمين.
كنت أقول دائماً: المسلمون نائمون في ضوء الشمس، ضوء الشمس هو الوحي، والطرف الآخر يعملون في الظلام، والذي يعمل في الظلام قد يسبق النائم في ضوء الشمس.
أيُّها الإخوة الكرام: العِبرة أن نعمل، وعود الله ثابتة، زوال الكون أهوَن على الله من ألّا يُحقِّق وعوده للمؤمنين .
لا بُدَّ من الصلح مع الله:
أروي لكم قصةً صغيرةً في عهد الحسن البصري، هذا الرجُل من التابعين الأجِلّاء، جاءه وفدٌ من عِلية القوم يشكو أميراً ظالماً بالَغَ في البطش برعاياه، فقال: "إنَّ ظُلم الأقوياء نِقمة الله عزَّ وجل، ونِقمة الله عزَّ وجل لا تُردُّ بالسيوف وحدها، تُردُّ بالسيوف أولاً، وبالصلح مع الله ثانياً".
هُنا المشكلة، يجب أن نصطلح مع الله، يجب أن نُرتِّب أوراقنا مع الله، يجب أن نعود إلى الله، يجب أن نعود إلى منهج الله، ظُلم الأقوياء لا يُردُّ بالسيوف فقط، يُردُّ بالصلح مع الله وبالسيوف معاً، لا بُدَّ من أن نجمع مع المقاومة الإيمان، ومع المقاومة الاستقامة، ومع المقاومة الإخلاص، لا بُدَّ من أن نُقدِّم لله عزَّ وجل ثمن النصر، والنصر موجود، والكُرة في ملعبنا، والله ينتظرنا.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)﴾
كنت أدعو وأقول: اللهم انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك، حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا.
أيُّها الإخوة دققوا: هناك جهادٌ نفسيّ عندي هو الأصل، الصحابة الكرام رجعوا من غزوةٍ فقالوا: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، جهاد النفس والهوى، هذا الجهاد النفسيّ دليله في القرآن الكريم:
﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾
هناك جهادٌ آخر هو الجهاد الدعوي:
﴿ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52)﴾
هناك جهادٌ ثالث هو الجهاد البنائي:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)﴾
ما طالبنا ربُّنا بالقوة المُكافِئة، وهذه رحمة الله، طالبنا بالقوة المُتاحة.
الجهاد الرابع الجهاد القتالي، إذا نجحنا - وأسأل الله أن ننجح - في الجهاد النفسيّ، والجهاد الدعوي، والجهاد البنائي، يُنتظَر أن ننجح أيضاً في الجهاد القتالي، هذا هو الطريق، لذلك نحن الآن بحاجةٍ إلى العمل، بحاجةٍ إلى أن نسكُت ونعمل، لا أن نتكلم بلا عمل، أن نسكُت وأن نعمل، والله سبحانه وتعالى معنا (وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) ، (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) .
﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141)﴾
هذه وعود الله عزَّ وجل، وزوال الكون أهوَن على الله من ألّا يُحقِّق وعوده للمؤمنين.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لِمِا بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله ربِّ العالمين.
الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيُّها الإخوة الكرام: حقيقة الدين هو التوحيد، لذلك ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، أنت حينما تؤمن يقيناً كما قال الله عزَّ وجل:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10)﴾
تتعلق بالله.
أنت حينما تؤمن أن سيدنا هود حينما قال:
﴿ مِن دُونِهِ ۖ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (56)﴾
هذه آيةٌ دقيقةٌ جداً، ليس هناك قوي مع الله عزَّ وجل، القوي بيد الله.
﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾
﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)﴾
﴿ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ۖ لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26)﴾
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84)﴾
ما دام التعلُّق بالله، والتوكل عليه، والطلب منه، والثقة به، فالله يقول:
(( أنا عندَ ظنِّ عبدي بي فلْيظُنَّ بي ما شاء ))
وحُسن الظنِّ بالله ثمن الجنَّة.
التوحيد أن لا ترى مع الله أحداً:
والله أيُّها الإخوة: نحن في محنةٍ كبيرة، الله عزَّ وجل مِن سُنَنِه أنه يمتحِن عباده امتحانين صعبين: أحدهما أنَّ الله يُقوي أعداءه إلى أن يتوهَّم ضِعاف المؤمنين أنهم آلهة يفعلون ما يقولون، لذلك من ضَعف إيمان المؤمنين، أنَّ عدداً ليس بالقليل أيقَن أنه لا نجاح إلا بالانبطاح أمامهم، رأوا أنَّ الأمر بيَدِهم، وأنَّ النصر بيَدِهم، والسلاح بيَدِهم، والإعلام بيَدِهم، والحلفاء معهم، فلا بُدَّ من أن ننبطح لهم، هذه رؤيةٌ شركيةٌ، أمّا حينما تؤمن أنَّ الله بيده كل شيء، وأنه لا إله إلا الله، وأنه: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) .
﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)﴾
أيُعقَل أن يقول الله لك: اعبدني، ويُسلِّمك إلى غيره؟!! مستحيل وألف الفِ مستحيل.
مرةً أحد الطُغاة من الولاة قال لسعيد بن الجُبير: << سأقتلك، قال له: والله لو علمت أنَّ حياتي بيدك لعبدتك من دون الله>> .
هذا التوحيد ألّا ترى مع الله أحداً، أن ترى أنَّ يد الله تعمل وحدها، أن ترى أنَّ كل مَن في الأرض دُمى يتحركون، أحياناً تستوعب خطة الله خطة أعدائه، لحكمةٍ بالغةٍ بالغةٍ بالغة، عرفها مَن عرفها، وجهلها مَن جهلها.
أربعة أمور لا بُدَّ أن تعلمها حتى يستقيم إيمانُك:
مرةً كنت في مؤتمر، وألقينا محاضراتٌ طويلة، لكن في النهاية لكل ضيفٍ دقيقةٌ واحدة في حفل الختام، كان إلى جانبي مندوب دولةٍ الآن تُعاني ما تُعاني، العراق، قال: والله لقد أصاب الشعب العراقي من البؤس ما لم يُصَب به المسلمون في مئة عام، وبكى، ثم قال: والله لقد ارتقينا في سُلَّم الإيمان ما لا نرتقي به في ثلاثمئة عام، ثم جاء دوري، قلت له: إذاً خطة الله استوعبت خطة أعدائه، وحِّد.
1 ـ يجب أن تعلم أن الله يعلم:
يعني بشكلٍ أو بآخر، بلا مواربة، هل يستقيم إيمانك إذا توهمت أنَّ الله لا يعلم ما يجري في فلسطين وفي العراق وفي أفغانستان؟ هل يستقيم إيمانك؟!
﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (59)﴾
هذه ورقة، فما بالُك بصاروخٍ يقتل المئات، كذلك بعلمه، ولحكمةٍ بالغةٍ بالغةٍ بالغة، عرفها مَن عرفها، وجهلها مَن جهلها.
2 ـ يجب أن تعلم أن الله يقدِر:
هل يستقيم إيمانك إذا توهمت أنَّ الله لا يقدِر؟!
في تسونامي الله جمَّع أكبر أثرياء العالم، خمسة وعشرين ألفاً في أجمل مكانٍ في العالَم، وجاء زلزال قوته مليون قنبلة ذريّة.
أحياناً هناك رافعات في معامل الحديد تعمل على أساس الوشيعة الكهربائية، تحمل خمسين طن، ما مِن قوةٍ تنزع قطعة منها، أمّا عامل الرافعة فيضغط الزر ربع مليمتر فيسقط كله، هذا إيماني، عند الله كبسة زر، فإذا انتهى القوي عنده ينتهي على أتفه الأسباب، وقد تنتصر الدعوة بخيوط العنكبوت، من عَظَمة الله عزَّ وجل، يُدمِّر على أتفه سبب، ويحمي بأقلّ سبب.
3 ـ يجب أن تعلم أن الله يَعنيه ما يجري في الأرض:
هل يستقيم إيمانك إذا توهمت أن الله لا يعنيه ما يجري في الأرض؟! أين قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ) .
هل يستقيم إيمانك إذا توهمت أن الذي يفعله هؤلاء الأعداء فعلوه من دون إرادة الله؟
﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59)﴾
أي فعلوا شيئاً ما أردناه.
(وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ) المعنى الآخر أنهم سوف يتفلَّتون من قبضتنا.
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾
4 ـ يجب أن تعلم أن ما يجري في الأرض هو لحكمةٍ:
أيُّها الإخوة الكرام: الشيء الرابع والأخير، هل يستقيم إيمانك إذا توهمت أنَّ الذي يجري بلا حكمةٍ؟ والله لحكمةٍ بالغةٍ بالغةٍ بالغة، عرفها مَن عرفها، وجهلها مَن جهلها، وأسال الله سبحانه وتعالى، أن يُبدِّل هذه الأحوال، وأن نرى حكمة ربِّنا من هذه الشدَّة التي ساقها للمسلمين.
آخر شيء أقوله لكم: فرقٌ كبير بين مريضين: مريضٌ أُصيب بالتهاب معدةٍ حاد، وله طبيبٌ متفوُّق وقريب وحبيب، أعطاه حميةً شديدةً جداً، وأقام عليه النكير إذا أكل قطعة طعامٍ خِلاف هذا المنهج، لأنَّ المرض قابل للشفاء، لأنَّ شفاء التهاب المعدة الحاد سهل، يحتاج إلى حميةٍ فقط.
أمّا المريض الثاني فعنده سرطان مُنتشر في كل أحشائه، سأل المريض نفس الطبيب: ماذا آكُل؟ قال له: كُلْ ما شئت، هذا معنى قوله تعالى:
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (44)﴾
اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحقِّ ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلُّ من واليت ولا يَعزُّ من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
اللهم هبّ لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك.
اللهم اعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا ولا تؤثِر علينا، ارضِنا وارضَ عنّا.
أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلِح لنا دُنيانا التي فيها معاشنا، و أصلِح لنا آخرتنا التي إليها مَردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا ربَّ العالمين.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك.
اللهم لا تؤمِنّا مكرك، ولا تهتِك عنّا سترك، ولا تُنسنا ذِكرك يا ربَّ العالمين.
اللهم اسقِنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تُهلكنا بالسنين، ولا تؤاخذنا بفعل المُسيئين يا ربَّ العالمين.
اللهم انصُر إخوتنا المؤمنين في كل مكان، في شرق الأرض وغربها، في شمالها وجنوبها، في فلسطين والعراق، وفي سائر بلاد المسلمين، إنك على ما تشاء قدير.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحقِّ والدين، وانصُر الإسلام وأعز المسلمين، وخُذ بيد ولاتهم إلى ما تُحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.
الملف مدقق