وضع داكن
07-03-2026
Logo
الخطبة : 1067 - أسباب زيادة الرزق 5 ، التقوى - التوحيد - الصدق - الأقتصاد - الاقتصاد في المعيشة .
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الخــطــبـة الأولــى :

الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يَهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلن تجد له وليّاً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ، أو سمعت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين. 
اللهم لا عِلم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علماً، وأرِنا الحقَّ حقَّاً وارزقنا اتَّباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.

مقدمة لأسباب زيادة الرزق: 


أيُّها الإخوة الكرام: لازلنا في سلسلة خُطبٍ تتمحور حول الرزق، ولأنَّ حرص الإنسان على حياته وعلى رزقه حِرصٌ لا حدود له، لذلك أردت ـ والله الموفِّق ـ أن أربط بين طاعة الله وبين اتِّباع سُنَّة نبيِّه، وبين تطبيق منهجه، وبين تحقيق حاجات الإنسان الأساسية، فحينما يتوجَّه الدين إلى معالجة مشكلات الإنسان، الإنسان بحسب حِرصِه على وجوده، وعلى سلامة وجوده، وعلى كمال وجوده، وعلى استمرار وجوده عندئذٍ يُصغي.

أسباب زيادة الرزق: 


1 ـ الاستقامة والتقوى:

أيُّها الإخوة: تقوى الله عزَّ وجل أحد أكبر الأسباب التي تزيد في الرزق.

﴿ وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا (16) ﴾

[ سورة الجن ]

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)﴾

[ سورة المائدة ]

ويُقاس على هذه الآية ولو أنهم أقاموا القرآن: (لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم)
وفي خُطبةٍ سابقة تحدَّثت عن موانع الرزق وهي عشرة أسباب.

2 ـ صدق التوكل على الله وحسن التسليم له:

واليوم سببٌ آخر يُضاف إلى تقوى الله عزَّ وجل، وهو صدق التوكُّل عليه وحُسن التسليم له.

علاقة التوحيد بالرزق: 


الحقيقة الأولى في هذا الموضوع: علاقة التوحيد بالرزق، كلكم يعلم أنَّ الله جلَّ جلاله لحكمةٍ بالغةٍ بالغة، جعل نظام الكون وفق مبدأ السببية، فجعل لكل نتيجةٍ سبباً، ولكل سببٍ نتيجةً، إلا أنَّ الناس أحياناً بدافعٍ من ضَعف توحيدهم، يتوهمون أنَّ السبب وحده هو الذي يخلُق النتيجة، هذا نوعٌ من أنواع الشِرك، لذلك هناك من يأخذ بالأسباب ويعتمد عليها، وينسى مُسبِّب الأسباب، بل يؤلِّه الأسباب كحال أهل الغرب، وهناك من لا يأخذ بها أصلاً كحال أهل الشرق، الغرب حينما أخذ بالأسباب واعتمد عليها، واكتفى بها، وألَّهها، ونسيَ الله عزَّ وجل وقع في الشِرك الأكبر، والشرق حينما لم يأخذ بالأسباب وقع في المعصية.
دائماً وأبداً التطرُف سهل، كإنسانٍ وقع ابنه في ذنب، أن يضربه ضرباً مُبرِّحاً يتشفَّى منه قضية سهلة جداً، أيُّ أبٍ بعيدٍ عن الدين، بعيدٍ عن الحكمة، وعن الفهم يفعل هذا، أو يتساهل فلا يُحاسبه أبداً، لكن البطولة أن يُحبك ابنك بقدر ما يخاف منك، هذا الوضع الوسطي الحكيم يحتاج إلى جُهدٍ كبير، فأن نأخذ بالأسباب، وأن نؤلِّهها، وأن ننسى الله قضيةٌ سهلةٌ جداً، كالعالم الغربي، وألّا نأخُذ بها، ونتواكل على الله بسذاجةٍ ما بعدها سذاجة، أيضاً قضيةٌ سهلة، لكن الموقف الكامل أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذا الموقف الكامل في طلب الرزق، في النجاح بالعمل، في العناية بالصحة، في تربية الأولاد، أن تأخُذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.

الصدقة بمنطق الحساب الرياضي والحقيقة الشرعية: 


أيُّها الإخوة: إنَّ على الإنسان أن يسعى في طلب الرزق، لكن بالتأكيد لو توهَّم أن هناك أسباباً تجلب له الرزق، ولو أنها تتناقض مع منهج الله وقع في الشِرك الأكبر، وقع في خطأٍ لا يُتصوَّر، لذلك: من ابتغى أمراً بمعصيةٍ، كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى، وأوضح مثل: أنك إذا أقرضت قرضاً رِبوياً، بالحسابات وبالآلة الحاسبة وبمنطق الرياضيات يزداد مالك، أقرضت مئة ألف، عادت هذه المئة ألف مئة ألف وزيادة، بالفائدة، لكن الله عزَّ وجل يقول:

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)﴾

[ سورة البقرة ]

وأنك إذا تصدَّقت قلَّ مالك، بالحساب والآلة الحاسبة ومنطق الرياضيات، الصدقة تُنقِص المال والرِبا يزيده، أمّا الواقع فعكس ذلك، الله عزَّ وجل يُنمّي المال الذي تُصدِّق منه، بل إنَّ الزكاة سُمّيَت زكاةً من معنى النمو، فالمال ينمو بالزكاة.

(( ما نقصَ مالٌ من صدقةٍ ولا زاد اللهُ عبدًا يعفو إلَّا عزًّا ومَن تواضعَ للهِ رفعَهُ اللهُ ))

[  أخرجه مسلم  ]

(( قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: يا ابْنَ آدَمَ أنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ وقالَ يَمِينُ اللهِ مَلأَى، وقالَ ابنُ نُمَيْرٍ مَلآنُ، سَحّاءُ لا يَغِيضُها شيءٌ اللَّيْلَ والنَّهارَ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم  ]

(( أن النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم - دخل على بلالٍ وعنده صُبْرَةٌ من تَمْرٍ، فقال: ما هذا يا بلالُ؟!، قال: شيءٌ ادَّخَرْتُهُ لِغَدٍ، فقال: أَمَا تَخْشَى أن تَرَى له غَدًا بُخَارًا في نارِ جهنمَ يومَ القيامةِ ؟! أَنْفِقْ بلالُ ولا تَخْشَ من ذِي العرشِ إِقْلالًا ))

[ أخرجه  البيهقي والطبراني  ]

(( إِذَا أسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ، يُكَفِّرُ اللَّهُ عنْه كُلَّ سَيِّئَةٍ كانَ زَلَفَهَا، وكانَ بَعْدَ ذلكَ القِصَاصُ  الحَسَنَةُ بعَشْرِ أمْثَالِهَا إلى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، والسَّيِّئَةُ بمِثْلِهَا إلَّا أنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا. ))

[ صحيح البخاري  ]

واللهِ في هذا المسجد، مرة حدَّثني أخٌ كريمٌ ميسور، توفي ابن عمه أستاذٌ جامعي، فلمّا زار أولاده  قال لهم: لا تقلقوا ديون أبيكم عليّ، لكنه لا يعلم كم الدين، تصوَّر الديون عشرة آلاف إلى عشرين ألفاً، فوجئ أنها ثلاثمئة وثمانون ألفاً، فدفعها لأنَّ وعد الحُر دين، يُقسِم بالله العظيم في صحن المسجد قال: أنَّ هناك بضاعةٌ كاسدة من سنواتٍ طويلة، جاء من يشتريها وكنت آيساً من بيعها، وكان نصيبي من أرباح هذه الصفقة ثلاثمئة وثمانون ألفاً، والله معي آلاف القصص، هذه واحدة.
بمنطق الإيمان إن دفعت صدقةً يزداد مالك، بعكس منطق الآلة الحاسبة والرياضيات، بمنطق الإيمان إن أكلت الرِبا يُمحَق مالك، بعكس الحساب والرياضيات والآلة الحاسبة، فلذلك: من ابتغى أمراً بمعصيةٍ، كان أبعد مما رجا وأقرب مما أتقى.

دَعِ المال الحرام والمشبوه فإن الله يعوِّض عليك خيراً منه: 


شيءٌ آخر، لحكمةٍ بالغةٍ بالغة يُعرَض عليك مبلغٌ كبير تُحَلُّ به كل مشكلاتك، لكن فيه شُبهة، وأخذُه لا يُرضي الله، فالمؤمن الصادق قوي الإيمان، يركل هذا العرض بقدمه ويقول: معاذ الله، إني أخاف الله ربّ العالمين، والله الذي لا إله إلا هو هذا إيماني، أنَّ زوال الكون أهون على الله من ألّا يُعوضك خيراً منه بالحلال.
واللهِ أخٌ كريم حدَّثني عن قصةٍ ورجاني أن أنقلها لكم، وقد نقلتها لكم كثيراً، أنه جاءه عرضٌ أرباحه من هذا العرض حوالي مئتي ألف ليرة، لكن تبيَّن أن هذا العرض من أجل صناعة الخمور فرفضه، الذي طلب منه هذا العرض أغراه بأشياءٍ كثيرة، قال له: أبداً، يُقسِم بالله العظيم بعد اثنين وعشرين يوماً، جاءه عرضٌ آخر، أرباح هذا العرض أكثر من مئة ضعف، احفظوا هذا الحديث: 

(( ما تركَ عبدٌ شيئًا للهِ لا يتركُهُ إلا لهُ إلا عوضَهُ اللهُ مِنهُ ما هوَ خيرٌ لهُ في دينِهِ ودنياهُ ))

[ أخرجه أبو نعيم والديلمي وابن عساكر ]

لذلك الأسباب وحدها لا تكفي، لا بُدَّ من أن يأذن مُسبِّب الأسباب.
الإنسان أحياناً من ضعف توحيده يتوهَّم أنَّ الرزق بيد فُلان، فإذا أرضاه ولو بمعصية الله يزداد رزقه، وإن أغضبه ولو بطاعة الله ينقطع رزقه، الذي يحصل أنك إذا لم تعبأ بغضب زيدٍ ولا برضا عُبيد، وقصدت إرضاء الله عزَّ وجل، عندئذٍ يُخضعك الله عزَّ وجل لقانون العناية الإلهية، فيزداد رزقك، مع أنَّ القواعد المُستنبطة من حركة الحياة، تؤكد أنك ستخسر هذا الرزق، الله عزَّ وجل موجود، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، هو الرزاق ذو القوة المتين.
أول حقيقةٍ في هذا الموضوع، ينبغي أن تكسب رزقك من طريقٍ مشروع، لأنَّ ما عند الله لا يُنال بمعصية الله، وإذا توهمت أنك إذا أقمت منهج الله عزَّ وجل سوف ينقطع رزقك أو يقلّ، فهذا وهمٌ من الشيطان.

﴿ إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (175)﴾

[ سورة آل عمران ]

(ما تركَ عبدٌ شيئًا للهِ لا يتركُهُ إلا لهُ إلا عوضَهُ اللهُ مِنهُ ما هوَ خيرٌ لهُ في دينِهِ ودنياهُ) .

الأخذ بالأسباب والتوكل على الله:


لكن هناك حقيقة، النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

(( إنَّ اللهَ تعالى يَلُومُ على العَجْزِ، ولكن عليكَ بالكَيْسِ، فإذا غَلَبَكَ أمرٌ فقُلْ : حَسْبِيَ اللهُ ونِعْمَ الوكيلُ ))

[ أخرجه أبو داوود ]

ليس هناك عمل، ولا وظيفة، ماذا أفعل؟ أنا محتاج إلى عملٍ، إلى دخلٍ، إلى زواجٍ، إلى بيت، لكنك جالسٌ في البيت لا تتحرك، الله عزَّ وجل أمرنا أن نأخُذ بالأسباب، ثم نتوكل على ربِّ الأرباب، فترك الأخذ بالأسباب معصية، وأن تأخُذ بها وتنسى الله شِرك، لذلك أُعيد وأقول: ينبغي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
الآن اقتربنا من لُبِّ الموضوع، معظم المسلمين يتوهمون التوكُّل ألّا تأخذ بالأسباب، الحقيقة الخطيرة أنه لا تناقض إطلاقاً بين الأخذ بالأسباب وبين التوكُّل على الله أبداً، تأخُذ بالأسباب تعبُّداً.
هناك مثلٌ صارخ، النبي عليه الصلاة والسلام حينما أراد أن يُهاجر ماذا فعل؟ أخذ بالأسباب كلها، اتَّجه في الهجرة ساحلاً ليموِّه المُطاردين عن أن وجهته المدينة، قبع في غار حراء أياماً ثلاثة ليخفَّ عليه الطلب، هيأ من يأتيه بالأخبار، هيأ من يمحو الآثار، هيأ من يأتيه بالزاد، اختار دليلاً رجَّح فيه الخبرة على الولاء، وكان مشركاً، أخذ بالأسباب كلها، ومع ذلك وصلوا إليه، ما حكمة أنهم وصلوا إليه؟ ليُبيِّن الله لأُمته من بعده أنه أخذ بالأسباب تعبُّداً، لكنه في حقيقته متوكِّلٌ على الله، فلمّا وصلوا إليه، واضطرب سيدنا الصدّيق:

(( قلتُ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ونحن في الغارِ لو أنَّ أحدَهم ينظرُ إلى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنا تحتَ قَدَمَيْهِ، فقال: يا أبا بكرٍ ما ظَنُّكَ باثنينِ اللهُ ثالثُهُما ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد ]

انظُر إلى الموقف المتوازن، أخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وصلوا إليه فلم يضطرب، هو متوكِّل.
نحن بتطبيقاتنا العملية حينما تُسافر تُجري مراجعة لمركبتك، مراجعة تامة، العجلات، الزيوت، المكابح، مراجعة تامة، وأنت في أعماق أعماقك موقنٌ أنَّ الله هو المُسلِّم، تقول: يا ربّ أنا راجعت المركبة تنفيذاً لأمرك، لكنني متوكلٌ عليك، مستسلمٌ لك، وأنا موقنٌ أنك أنت الحافظ وأنت المُسلِّم، هذا هو الموقف الصحيح.
إذا مرض الابن، آخذه لأمهر طبيبٍ، أشتري له الدواء الجيد، أُشرِف بنفسي على إعطاءه الدواء، ومن أعماق أعماقي أقول: يا ربّ أنت الشافي، ولا شفاء إلا شفاؤك، أن تجمع بين الأخذ بالأسباب وبين التوكل على ربِّ الأرباب، لذلك الكلمة الشائعة التي أصبحت مثلاً هي من كلام النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، أنَّ أعرابياً دخل عليه وترك ناقته بغير رباط:

(( قالَ رجلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ أعقِلُها وأتوَكَّلُ، أو أطلِقُها وأتوَكَّلُ؟ قالَ :اعقِلها وتوَكَّلْ ))

[ أخرجه الترمذي  ]

خُذ بالأسباب وتوكَّل على الله.
أيُّها الإخوة: هذا الذي يقوله معظم الناس: اعقِل وتوكل، خُذ بالأسباب ثم توكل على ربِّ الأرباب.
هناك حديثٌ يتوهَّمه بعض المسلمين أنه يُريحهم من الأخذ بالأسباب، يقول الحديث الشريف الذي ورد في سُنَن الترمذي:

(( لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكُّله، لرزقكم كما يرزق الطيرَ: تغدوا خماصًا وتروح بطانًا  ))

[ أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد ]

ماذا فعلت الطير؟ الطير لم تقبَع في عُشِّها بل تحركت، توجَّهت إلى السوق إلى أسباب الرزق، فالحديث حُجَّةٌ على مَن فهمه فهماً خاطئاً، يرزق الله الطير ولكنها تحرَّكت وطارت (لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكُّله، لرزقكم كما يرزق الطيرَ: تغدوا خماصًا وتروح بطانًا) .
سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لقيَ أُناساً من أهل اليمن رآهم يتكففون الناس ويتسوّلون، قال: "من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، فقال: كذبتم، المتوكِّل من ألقى حبةً في الأرض، ثم توكل على الله" .
وهذا النموذج موجود في كل زمان، يقول: ماذا أفعل؟ الأمر بيده، ترتيب سيدك، وهو جالسٌ في البيت لا يتحرك ولا يسأل، ولا يبحث عن عمل، ترتيب سيدك، الله لم يأذَن. 
أيُّها الإخوة الكرام: سُئل الإمام أحمد عن رجُلٍ جلس في بيته أو في المسجد، وقال: لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي، فقال: هذا الرجُل جَهِل العِلم، فقد قال عليه الصلاة والسلام: 

((  بُعِثْتُ بين يديِ الساعةِ مع السيفِ، وجُعِلَ رزقي تحتَ ظلِّ رُمْحي، وجُعِلَتِ الذِّلَّةُ والصَّغَارُ على  مَن خالفَ أمري، ومَن تَشَبَّهَ بقومٍ فهو منهم ))

[ أخرجه البخاري وأحمد ]


بين فقر الكسل وفقر القدر وفقر الإنفاق:


وأنا أقول لكم: هناك فقرٌ مذموم هو فقر الكسل، لا يتحرك، لا ينطلق إلى عمله، لا يضبط مواعيده، لا يُسجِّل على دفتره جدول أعماله، هكذا بلا تخطيط، بلا انضباط، بلا نشاط، بلا همّة، هذا فقير، لكن هذا فقرٌ مذموم، لا تقُل لإنسانٍ يُهمِل عمله، ولا يداوم، ويؤثِر الراحة على العمل، ويقبَع في بيته يتواكل، ويرجئ كل شيء، لا تقُل له: أنت فقيرٌ مسكين، هذا فقره عقابٌ له، هذا فقر الكسل، ونعوذ بالله من فقر الكسل، لكن هناك فقر القدَر، إنسانٌ مصابٌ بعاهةٍ، هذا فقر القدَر، صاحبه معذور، أمّا الفقر الذي صاحبه ممدوح فهو فقر سيدنا الصدّيق.

(( أمرَنا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أن نتصدَّقَ فوافقَ ذلِكَ عندي مالًا فقلتُ اليومَ أسبقُ أبا بَكرٍ إن سبقتُهُ يومًا قالَ فَجِئْتُ بنِصفِ مالي، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: ما أبقيتَ لأَهْلِكَ؟ قلتُ: مثلَهُ، وأتَى أبو بَكرٍ بِكُلِّ ما عندَهُ، فقالَ: يا أبا بَكرٍ ما أبقَيتَ لأَهْلِكَ؟ فقالَ: أبقيتُ لَهُمُ اللَّهَ ورسولَهُ، قلتُ: لا أسبقُهُ إلى شيءٍ أبدًا ))

[ أخرجه أبو داوود والترمذي ]

لم يُبقِ لنفسه شيئاً، أصبح فقيراً.
وفي بعض الروايات أن رجُلاً قال لرسول الله: 

(( جاءَ رجُلٌ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال: إنِّي أُحِبُّكَ، فقال: انظُر ماذا تقولُ، قال: واللهِ إنِّي لَأُحِبُّكَ، ثلاثَ مرَّاتٍ، فقال: إن كُنتَ تُحِبُّني، فأعِدَّ للفَقرِ تِجفافًا، لَلفَقرُ أسرَعُ إلى مَن يُحِبُّني مِنَ السيلِ إلى مُنتَهاهُ  ))

[ أخرجه الترمذي وابن حبان ]

أنت إذا كان معك مال، وأخوك المؤمن بحاجةٍ إلى المال، هل من المعقول ألّا تُساعده؟! معقول أن يكون قلبك قاسياً؟! أنت معك مالٌ احتياطي، وعندك أموالٌ طائلة، ومن حولك أُناسٌ يموتون من الجوع، معقول أن تبخل عليهم؟! إذاً أنت لا تُحبّ رسول الله (انظُر ماذا تقولُ؟) إن كنت صادقاً فيما تقول، هنا الفقر يعني أنه لا بُدَّ من أن تُنفِق من مالك، لكن الحقيقة الدقيقة حينما قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)﴾

[ سورة البقرة ]

قال: إن لم تنفقوا ألقيتم بأيديكم إلى التَهلُكة، وقال بعض العلماء: أمّا إذا أنفقتم كل أموالكم، أيضاً باستثناء سيدنا الصدّيق له خصوصية، ألقيتم بأيديكم إلى التهلُكة.
الإنسان الذي لا يعمل، ويدَّعي أنه متوكِّل فهو كاذب، والدليل أنه يخاف أن يعمل فيُفتَن، يخاف أن يعمل فيُحب الدنيا، يخاف أن يعمل فتستهويه الدنيا، إذاً لا يعمل، اقرأ قوله تعالى:

﴿ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)﴾

[ سورة النور ]

يُتاجرون، ويدهم عُليا، ويُنفقون، ويُعطون، وهُم عند الله أبطالٌ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: 

(( التمِسوا الرِّزقَ في خبايا الأرضِ ))

[ أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني ]

(( إنْ قامَتِ السَّاعةُ وبيَدِ أحَدِكُم فَسيلةٌ، فإنِ استَطاعَ ألَّا يقومَ حتى يَغرِسَها فلْيَفْعَلْ ))

[ أخرجه أحمد  ]

والله هذا الحديث يلفِت النظر، إذا قامت الساعة يوم القيامة انتهى كل شيء.
سيدنا عُمر يقول: " إني أرى الرجُل ليس له عمل فيسقُط من عيني"
أُقسِم لكم بالله ولا أُبالغ، الشاب الذي ينطلق إلى عمله باكراً، ويُتقِن عمله، ويُنمّي خبرته، ويأتي بمال، ثم يتزوج، بالتعبير العامّي جبر خاطر فتاة، الفتاة إذا تزوجت نجحت في حياتها، أسَّس عُشَّاً إسلامياً، جاء بأولادٍ فربّاهم تربيةً صالحة نفعوا الناس من بعده، هل تُصدِّقون أن عمله نوعٌ من العبادة؟
أنا أقول دائماً: عملك الذي ترتزق منه، حِرفتك، مهنتك، إذا كانت في الأصل مشروعةً، إصلاح كهرباء، إصلاح مركبات، لا شيء عليه، بيع أخشاب، بيع أقمشة، إذا كانت الحرفة مشروعةً في الأصل، وسلكت بها الطُرق المشروعة، لا فيها كذب، ولا غشّ، ولا تدليس، ولا احتيال، ولا بيع باطل، ولا بيع رِبوي، وابتغيت منها كفاية نفسك وأهلك، وخدمة المسلمين، ولم تشغلك عن فريضةٍ ولا عن واجب، كمن يترك أربع صلوات ويقول: يا سيدي أليس العمل عبادة؟ يعني العمل بدلاً عن الصلاة؟! أعوذ بالله!! ولم تشغلك عن فريضةٍ ولا عن واجب، وابتغيت خدمة المسلمين، وكفاية نفسك وأهلك، وهذه الحرفة مشروعة صدِّق ولا أُبالغ انقلبت إلى عبادة، لذلك قالوا: عبادات المُنافق سيئات، وعادات المؤمن عبادات.

محل التوكُّل ومحلُّ الأخذِ بالأسباب: 


أيُّها الإخوة: الدليل القطعي على أنَّ التوكُّل أحد أسباب زيادة الرزق، التوكُّل الحقيقي، بالمناسبة التوكُّل له محل، فأين محل التوكُّل وأين محل الأخذ بالأسباب؟ محل التوكُّل القلب، محل الأخذ بالأسباب الجوارح، تنطلق لتعمل، المسلمون اليوم عكسوا المحلَّيْن، يتوكَّل بجوارحه، ويتمنّى بقلبه أن يرزقه الله، هو جالسٌ لا يتحرك، لا يعمل، لا يسأل، وبقلبه يتمنّى أن يُرزَق، الله يرزقنا، وكأن القضية قضية معجزة، والآن المسلمون باعتبار أنهم مؤمنون والله وعدهم بالنصر، عندهم حلمٌ ساذج أنَّ الله عزَّ وجل يخلُق معجزة يُدمِّر إسرائيل، عليك بهم يا ربّ إنهم لا يُعجزونك، أنت ماذا أعددت لهم؟! ألم يقُل الله عزَّ وجل:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)﴾

[ سورة الأنفال ]

الخطورة أن تجعل قلبك محل تمنياتك، وأن تجعل جوارحك محل توكلك، هذا ليس توكُّل بل تواكل، التوكُّل محله القلب والأخذ بالأسباب محلها الجوارح.

الدليل على زيادة الرزق بالتوكل: 


الدليل القطعي على أنَّ التوكُّل على الله يزيد في الرزق قوله تعالى:

﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2)﴾

[ سورة الطلاق ]

يا إخوتي الشباب: هذه الآية لكم، أنتم على مُفترَق الطرُق، أنتم مُقبلون على الدنيا، أنا أعلم علم اليقين أنَّ كل شاب يحتاج إلى زواج، هذه سُنَّة الله في خلقه، يحتاج إلى مأوى، يحتاج إلى رزق، هذه أهدافٌ ثلاثة: عملٌ ترتزق منه، وزوجةٌ صالحة تسرُّك إن نظرت إليها، وتحفظك إذا غبت عنها، وتُطيعك إن أمرتها، عملٌ وزوجةٌ ومأوى، الطريق (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ) وزوال الكون أهوَن على الله، من أن تتقي الله ثم لا تجد ما وعدك الله به من رزقٍ وفير، ضع أملك بالله، خُذ بالأسباب وتوكَّل على الله.
فالآية: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) كلمة: (مَخْرَجًا) أنت متى تبحث عن مخرج؟ إن رأيت الأبواب كلها مغلقة، قدَّمت على مسابقة فما نجحت، بعثةٌ دراسية ما سُمِح لك، قدَّمت عرضاً لعمل فلم يوافَق عليك، الأبواب كلها مغلقة، الله يقول: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) بعد أن رأيت الأبواب كلها مغلقة اطرُق باب الله عزَّ وجل: 

﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِغ شَيْءٍ قَدْرًا (3)﴾

[ سورة الطلاق ]

الآن الشاهد: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) لذلك دققوا الآن قبل الفجر:

((  يَنْزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالَى كُلَّ لَيْلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يقولُ: مَن يَدْعُونِي، فأسْتَجِيبَ له؟ مَن يَسْأَلُنِي فأُعْطِيَهُ؟ مَن يَستَغْفِرُني فأغْفِرَ له؟  ))

[ أخرجه البخاري ومسلم  ]

ساعات ما قبل الفجر: 

(( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ ما في النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عليه لَاسْتَهَمُوا، ولو يَعْلَمُونَ ما في التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، ولو يَعْلَمُونَ ما في العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُما ولو حَبْوًا ))

[ أخرجه البخاري ومسلم  ]

(( مَن صلَّى الصُّبحَ في جماعةٍ فَهوَ في ذمَّةِ اللَّهِ فانظرْ يا ابنَ آدمَ لا يطلبنَكَ اللَّهُ بشيءٍ مِن ذمَّتِهِ ))

[ أخرجه أحمد ومسلم والترمذي ]

إذاً: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) لذلك قرأ النبي الكريم هذه الآية على أبي ذر رضي الله عنه وقال له: 

(( يا أبا ذَرٍّ: إني لَأَعْرِفُ آيةً لو أنَّ الناسَ كُلَّهم أَخَذُوا بها لَكَفَتْهُم (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) ))

[ أخرجه ابن ماجه والنسائي وأحمد ]

واللهِ إن العالم الإسلامي يعاني من المشكلات ما يعاني، والله يعاني من المشكلات ما لا سبيل إلى وصفه، ويقع في رأس هذه المشكلات الفقر، هناك بلادٌ إسلامية تُعدُّ من أفقر شعوب الأرض، وعندها ثرواتٌ لا يعلمها إلا الله (يا أبا ذَرٍّ: إني لَأَعْرِفُ آيةً لو أنَّ الناسَ كُلَّهم أَخَذُوا بها لَكَفَتْهُم) .
وقال عليه الصلاة والسلام:

(( من انقطعَ إلى اللهِ كفاهُ اللهُ مؤنةً ورزقهُ من حيثُ لا يحتسبُ، ومن انقطعَ إلى الدنيا وَكَلَهُ اللهُ إليها ))

[ أخرجه الطبراني والبيهقي وابن أبي الدنيا  ]

أيُّها الإخوة الكرام: أحد أكبر أسباب زيادة الرزق التوكُّل على الله، والتوكُّل على الله يعني الحركة، مرَّ سيدنا عُمر برجُلٍ معه جملٌ أجرب، قال له: "يا أخا العرب: ما تفعل به؟ قال: أدعو الله أن يشفيه، قال له: هلّا جعلت مع الدعاء قطراناً؟" اسأل الطبيب، تحرَّك.
تصوَّر إنساناً يركب مركبة فتوقفت، خرج من المركبة وهو يقول: يا ربّ أنقذنا، لو دعا مليون مرة، تقول له: افتح غطاء المُحرك وانظُر أين الخلل، واطلُب من الله أن يُلهمك أين الخلل، واطلُب من الله أن يُعينك على إصلاح الخلل، هذا موقفٌ علميٌ عملي، أمّا لا تفعل شيئاً وتكتفي بالدعاء! فالدعاء من دون سعيٍ لا يُقبَل، بل هو استهزاءٌ بالدعاء.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطّى غيرنا إلينا، فلنتخذ حِذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله ربِّ العالمين.

* * *

الخــطــبـة الثانية :

الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلُق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .

الاقتصاد في المعيشة أفضل من بعض التجارة: 


أيُّها الإخوة: أنا لا أُنكِر أنَّ النفس إذا أحرزت قُوتَها اطمأنَّت، فيها اضطراب وهذا الاضطراب يُسكِّنه أن يكون لك رزقٌ يكفيك، وكأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: 

(( جاء رجلٌ من الأنصارِ، فقال: يا رسولَ اللهِ  مالي أرَى لونَك منكفِئًا؟ قال:  الخَمْصُ ، فانطلق الأنصاريُّ إلى رَحلِه فلم يجِدْ فيه شيئًا، فخرج يطلُبُ فإذا هو بيهوديٍّ يَسْقي نخلًا له، فقال الأنصاريُّ لليهوديِّ: أَسْقي لك؟ قال: نعم، كلُّ دلوٍ بتمرةٍ، واشترط عليه الأنصاريُّ ألَّا يأخذَ فيه خدِرَةً، ولا تارِزَةً، ولا حَشَفةً، ولا يأخذُ إلَّا جيدةً، فاستقَى له نحوًا من صاعَيْن تمرًا، فجاء به إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال : من أين لك هذا ؟ فأخبره الأنصاريُّ، وكان يسألُ عن الشيءِ إذا أُتِي به فأرسل إلى نسائِه بصاعٍ، وأكل هو وأصحابُه صاعًا، وقال للأنصاريِّ: أتُحِبُّني؟ قال: نعم، والَّذي بعثك بالحقِّ لأحبُّك، قال: إن كنت تحِبُّني فأعِدَّ للبلاءِ تَجفافًا، فو الَّذي نفسي بيدِه لَلبلاءُ أسرعُ إلى من يُحِبُّني من الماءِ الجاري من قُلَّةِ الجبلِ إلى حضيضِ الأرضِ، ثمَّ قال: اللَّهمَّ فمن أحبَّني فارزُقْه العفافَ والكفافَ، ومن أبغضني فأكثِرْ مالَه وولدَه ))

[ أخرجه ابن ماجه والبيهقي  ]

هناك رزقٌ لا يكفي صاحبه فقير، وهناك رزقٌ فوق ما يكفي صاحبه مفتون، قليلٌ يكفيك خيرٌ من كثيرٍ يُطغيك، والاقتصاد في المعيشة أفضل من بعض التجارة، تجارةٌ فيها مُهرَّبات، بضربةٍ واحدة تخسر كل شيء، تجارةٌ فيها مواد مُحرَّمة، فالاقتصاد في المعيشة خيرٌ من بعض التجارة، فلذلك لا تبحث عن رزقٍ يُطغيك، النبي عليه الصلاة والسلام دعا لمن أحبَّه بالكفاف، أي رزقٌ يكفيك.

(( مَنْ أصبَحَ منكمْ آمنًا في سِرْبِهِ، معافًى فِي جَسَدِهِ، عندَهُ، قوتُ يومِهِ، فكأنَّما حِيزَتْ لَهُ الدنيا بحذافِيرِهَا ))

[ أخرجه الترمذي وابن ماجه  ]

الصحة طيبة، وتعرف الله، ومستقيمٌ على أمره، وعندك زوجةٌ صالحة، وأولادٌ أبرار، ودخلٌ معقول، فقد حِيزت لك الدنيا بحذافيرها، وليس فوق هذه الشروط من شرطٍ مُسعِد.

لا بُدَّ من الجمع بين العلاقة الحسنة مع الله ومع عباد الله: 


لذلك أيُّها الإخوة: لا بُدَّ من أن نجمع بين حُسن العلاقة مع الله، وحُسن العلاقة مع الأهل والأولاد، والنجاح في العمل والنجاح في الصحة، أربع محطاتٍ كُبرى، أيُّ خلل في إحداها ينعكس على بقية المحطات.
الدعاء : 
اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحقِّ ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلُّ من واليت ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هبّ لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك.
اللهم يا واصل المُنقطعين صِلنا برحمتك إليك، ودُلّنا بك عليك، ألهمنا الصواب في القول والعمل، ألزمنا سبيل الاستقامة لا نحيد عنها أبداً، واهدِنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت.
أعنّا على دوام ذِكرك وشُكرك وحُسن عبادتك، وارزقنا الشوق إلى لقاءك ولذّة النظر إلى وجهك الكريم.
أرِنا الحقَّ حقَّاً وارزقنا اتَّباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيُها الإخوة الكرام: ادعوا الله من أعماق أعماقكم أن ينصُر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، في البلاد التي احتُلَّت، أن يُدمِّر أعداء المسلمين وفق الأخذ بالأسباب ثم التوكُّل على ربِّ الأرباب.
وفِّق ولاة المسلمين لما تُحبه وترضى، واجمع بينهم على خير، ألهمهم الصواب.
اللهم يا ربَّ العالمين ارزقنا الحكمة في كل تصرفاتنا، والعفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. 

الملف مدقق

والحمد لله ربِّ العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور