وضع داكن
06-07-2026
Logo
الخطبة : 1189 - القوة لا تصنع حقاً لكن الحق يصنع قوة - حقائق متعلقة بالحوار.
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الخطبة الأولى:

الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحدَ به وكفر، وأشهد أنّ سيدنا محمداً -صلى الله عليه وسلم- رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغُرّ الميامين أمناء دعوته وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.

الإنسان هو المخلوق الأول:


أيها الإخوة الكرام؛ ينبغي أن نعلم علم اليقين أنّ هذا الإنسان هو المخلوق الأول لقوله تعالى: 

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَٰنُ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)﴾

[  سورة الأحزاب ]

لكن هذا الإنسان حينما يؤدي الأمانة التي كُلِّف بها يفوق الملائكة المقربين، رُكِّب الملَك من عقل بلا شهوة، وركِّب الحيوان من شهوة بلا عقل، ورُكِّب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان. 

﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ (7)﴾

[  سورة البينة ]

﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ ۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ (6)﴾

[  سورة البينة ]

فبين أن يكون المؤمن فوق الملائكة، وبين أن يصبح غير المؤمن دون الحيوان! 

﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَٱلْأَنْعَٰمِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)﴾

[  سورة الفرقان ]


أسباب رقي وسمو الإنسان:


أيها الإخوة الكرام؛ متى يرقى الإنسان ويرقى، يسمو ويسمو، يرتفع ويرتفع متى؟ إذا اتبع منهج الله، والدليل: 

﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)﴾

[  سورة الأحزاب ]

ماذا في القرآن الكريم حول هذا الموضوع؟ يقول الله -عزَّ وجلَّ-: 

﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)﴾

[  سورة الأنفال  ]

وأقول لكم بشفافية: علامة إيمانك أنك إذا تلوت آية كهذه الآية -ومثل هذه الآيات تزيد على مئتين وثمانين آية- ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ علامة إيمانك أن تشعر بكل خلية في جسمك، وبكل قطرة في دمك، أنك معنِيٌّ بهذه الآية، علامة إيمانك ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ لأن الله -سبحانه وتعالى- خاطب الكفار بأصول الدين: 

﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)﴾

[  سورة البقرة ]

هذه أصول، فإذا خاطب المؤمنين وقد آمنوا بالله خالقاً، ومربياً، ومسيراً، آمنوا بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، إذا خاطب الله المؤمنين يخاطبهم بفروع الشريعة، لذلك: 

﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍۢ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)﴾

[  سورة النساء ]


كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب:


أين هو أمر الله -عزَّ وجلَّ-؟ في القرآن الكريم، وكل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، وعلة أيّ أمرٍ أنه أمرٌ، هناك فئة مثقفة لا يُقبِلون على طاعة الله إلا إذا كُشِف لهم حقيقة هذا الأمر، الإيمان أرقى من ذلك، علة أي أمر في القرآن الكريم أنه أمر فقط، أي أنت حينما تذهب إلى طبيب قلب يحمل أعلى شهادة في العالم، وله خبرات متراكمة لعشرات السنين، وقال لك: إياك والصعود على الدرج، لا تفكر لثانية واحدة أن تناقشه في هذا التوجيه، إنسان مثلك مثله لكنه في اختصاصه متفوق، قال لك: البيت المرتفع لا يناسب قلبك، فكيف بخالق الأكوان؟! فكيف بالذات الكاملة؟! لذلك الله -عزَّ وجل- قال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ﴾ أطيعوا الله من خلال قرآنه، وفي القرآن أمر ونهي، الأمر تقتضي أن تأتمر، والنهي يقتضي أن تنتهي، فأنت إذا خضعت لأمر الله في القرآن، وابتعدت عن نهيه فقد أطعت الله في قرآنه. 
﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ﴾ النبي معصوم؛ معصوم من أن يخطئ في أقواله، وفي أفعاله، وفي إقراره، ولأنه معصوم أمرنا أن نطيعه، ولا يُعقَل أن يأتي أمر إلهي بطاعة رسول الله ورسول الله ليس معصوماً، معصوم باتفاق العلماء من أن يُخطِئ في أقواله، وفي أفعاله، وفي إقراره: ﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ﴾ .  

أولي الأمر هم العلماء والأمراء:


أما الإشكال ففي الثالثة، قال تعالى: ﴿وَأُوْلِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ ، من هم أولو الأمر؟ أولاً: ﴿مِنكُمْ﴾ (مِن) للتبعيض، ثانياً: أولو الأمر عند الإمام الشافعي هم العلماء والأمراء، العلماء يعلمون الأمر، والأمراء ينفذون هذا الأمر، فينبغي للأمير أن يأخذ من العالم، العالم يعلم الأمر، والأمير معه قوة تنفيذية، مهمته أن يأخذ الأمر من العالم وأن ينفذه في الرعية: ﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ ، قد يحدث تنازع وهنا الشاهد، فما الحل؟ قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ﴾ مع مَن؟ التنازع ليس مع صاحب الأمر، وليس مع صاحب السُّنة، قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ﴾ فيما جاءكم عن أولي الأمر، عن العلماء والأمراء، قال تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ ، هل يُعقَل وهل تصدقون أن يردّك الله إلى مرجعَين كبيرين، والمرجعان ليس فيهما حلّ لمشكلة في الأرض؟! من خلال هذه الآية يجب أن تعلم علم اليقين أن كل مشكلة في الأرض إلى يوم القيامة لها في الكتاب والسنة حل رائع، لكن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، لا نفكر نحن هذا التفكير؛ أنّ أي مشكلة، أي مشكلة سكانية، اقتصادية، اجتماعية، أي مشكلة لها حل في الكتاب والسنة والدليل الآية، هل يعقل أن يُحيلَكم الله إلى مرجعَين ناقصَين؟ مستحيل: ﴿فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍۢ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ أي ردوه إلى الكتاب والسنة، في الكتاب بيانٌ لأصول الدين، وفي السنة بيان للتفاصيل، الكتاب والسنة، أي الكتاب والحديث الصحيح، الكتاب وما صحّ عن رسول الله، ﴿فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍۢ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْآخِرِ﴾ هذا إذا كان هناك إيمان باليوم الآخر، أقسم لكم بالله؛ لو آمنا بالله وباليوم الآخر حق الإيمان تنقلب مقاييسنا رأساً على عقب، بمقياس الدنيا الأخذ ذكاء، وشطارة أن تأخذ، بمقياس الآخرة أن تعطي لا أن تأخذ، إن لم تنقلب الموازين مئة وثمانين درجة لا يكون إيماننا بالكتاب والسنة صحيحاً، أنت في الدنيا من أجل العمل الصالح، حجمك عند الله بحجم عطائك، الآن بأعماق الإنسان بالتعبير المعاصر، بالعقل الباطن ذكاؤك، نجاحك، تفوقك، فيما تأخذ لا فيما تعطي، لكن المؤمن ذكاؤه، نجاحه، توفيقه فيما يعطي، فينبغي بعد الإيمان بالله واليوم الآخر الإيمان الصحيح أن تنعكس الموازين.

قانون الالتفاف والولاء:


لذلك قال تعالى: 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ(159)﴾

[  سورة آل عمران ]

يا محمد، أي بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد، من خلال اتصالك بنا كنت ليناً لهم، فلما كنت ليناً لهم التفوا حولك وأحبوك، هذه الآية قانون، أنا سميته سابقاً قانون الالتفاف والولاء، متى يواليك الناس؟ إذا اتصلت بالله أولاً فاكتسبت منه الرحمة، هذه الرحمة جعلتك ليناً، هناك رحمة، وهناك قسوة، هذا اللين جذب الناس إليك، الأب يحتاج هذه الآية، المعلم في الصف، الموظف، أي منصب قيادي في الأرض من آدم إلى يوم القيامة يحتاج لهذه الآية: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ هناك رحمة بالقلب، وهناك خوف من الله -عزَّ وجلَّ-، هذا الإنسان أخوك بالإنسانية كيف تقتله؟ له أولاد، له زوجة، له أم، وكم مِن إنسان قُتِل فأُصِيب أبوه بالفالج أو أمه كذلك، هذا أخوك في الإنسانية ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ ، ولو لم تكن كذلك، ولو كنت منقطعاً عنا يمتلئ القلب قسوة، وإذا امتلأ القلب قسوة كنت فظاً غليظاً، فإذا كنت فظاً غليظاً ينفضّ الناس من حولك، هذه الآية يحتاجها الأب، يحتاجها المعلم، يحتاجها رئيس الدائرة، يحتاجها مدير الشركة، يحتاجها مدير المصنع، يحتاجها الضابط في الجيش ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ﴾ .

أبرز صفات المجتمع الديني:


إخواننا الكرام؛ شيء لا يُصدَّق! مَن هذا الذي أُمِر أن يشاور من حوله؟ النبي الكريم، المعصوم الذي يُوحى إليه، قال له الله -عزَّ وجلَّ-: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ﴾ ، ما أبرز صفة للمجتمع الديني؟ أمرهم شورى بينهم. 
أيها الإخوة الكرام؛ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ﴾ هناك حديث رائع جداً: 

(( الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ. احْرِصْ علَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، وإنْ أَصَابَكَ شَيءٌ، فلا تَقُلْ: لو أَنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَما شَاءَ فَعَلَ؛ فإنَّ (لو) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ. ))

[  صحيح مسلم عَن أبي هُرَيْرَة ]

لا يوجد إلا الله، بيده كل شيء: (وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ) .
أيها الإخوة؛ آية تطمئن: 

﴿ فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٍۢ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ (195)﴾

[ سورة آل عمران ]

مهما دقّ، تمشي في الطريق رأيت نملة تتحاشى أن تدوس عليها، هذا العمل ماذا كلفك؟ أن تبتعد عنها، بدءاً من هذا العمل وانتهاءً بهداية الناس، ﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٍۢ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ﴾ بالإسلام لا يوجد تفرقة: 

﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)﴾

[  سورة الحجرات ]

أعظم شيء في الإسلام أنه لا يوجد طبقية، المسلمون سواسية كأسنان المشط، سيدنا الصّديق اشترى بلالاً من سيده وأعتقه، سيدنا الصّديق رأس قريش، من أَرومة قريش العليا، وبلال عبد بمقياس المجتمع الجاهلي، وضع يده تحت إبطه وقال: "هذا أخي حقاً"، لذلك الصحابة الكرام إذا ذكروا الصّديق قالوا: "هو سيدُنا وأعتقَ سيدَنا" ، ونحن الآن نقول: سيدنا بلال، هذا الدين، لا يوجد فيه تفرقة، ولا طبقية، ولا إقليمية، لا يوجد إلا مقياس واحد ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾ فقط، الأمة التي يُميَّز أفرادها بأعمالهم، أو بمقياس موضوعي، ترقى إلى أعلى عليين، وأية أمة يُقيَّم أفرادها بانتماءاتهم تهوي إلى أسفل سافلين، كيف يُقيَّم أفراد الأمة بانتماءاتهم أم بأعمالهم؟ من أجل أن نرقى ينبغي أن نُقيَّم بأعمالنا فقط، والانتماءات لا تقدم ولا تؤخر، وكلكم لآدم وآدم من تراب، ﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٍۢ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ﴾ فالإنسان أحياناً يغتر بإنسان غني معه ملايين مملينة، أو بإنسان قوي بجرة قلم يفعل كل شيء، قال تعالى: 

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى ٱلْبِلَٰدِ(196) مَتَٰعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ(197) لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ(198)﴾

[  سورة آل عمران ]

لكن المؤمن إذا صار قوياً يستخدم قوته لخير الناس، والنبي قال: (الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ) الإيمان قَيد، الإيمان قيد رائع (الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ) .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كل مؤمن معني بهذا الخطاب:


﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُوٓاْ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍۢ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29)﴾

[  سورة النساء ]

كل مؤمن معنيّ بهذا الخطاب، ﴿لَا تَأْكُلُوٓاْ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ﴾ هذه الآية تُفسَّر بمليون حالة موجودة في حياة المسلمين، الغش؛ أكلت مالاً حراماً، أوهمت الشاري أن البضاعة مستوردة وهي محلية، أوهمت الشاري أن المادة الأولية بهذه البضاعة من نوع معين فإذا هي من نوع أدنى بكثير، فالذي يغش أكل أموال الناس بالباطل، الذي يكذب أكل أموال الناس بالباطل، الذي يحتال أكل أموال الناس بالباطل، والله هناك ألف طريقة وطريقة لأكل أموال الناس بالباطل ﴿إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍۢ مِّنكُمْ﴾ ، التاجر يشتري بسعر ويبيع بسعر، الهامش بينهما سبب بقائه بالتجارة، هذا ربح مشروع، ﴿إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍۢ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمْ﴾ هنا الشاهد، إنسان يقتل إنساناً، هو مَن قتل؟ قتل أخاه في الإنسانية، يظل المسلم بخير ما لم يسفك دماً، هذا الكلام موجه لكل الفُرَقاء معاً، يظل المسلم بخير ما لم يسفك دماً، مرة ثانية: هذا الكلام موجه للفرقاء جميعاً.

القوة لا تصنع حقاً لكن الحق يصنع قوة:


أيها الإخوة: ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾

﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَٰنُ ضَعِيفًا (28)﴾

[  سورة النساء ]

﴿ مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلْبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)﴾

[  سورة المائدة ]

كيف؟ أحياناً أب عالِم ومربٍّ يربي أحد أولاده تربية عالية جداً، هذا الابن يتفوق في الحياة، يجري الله على يديه الخير، بعد أجيال ثلاثة هذا الابن صار أمةً، والدليل: 

﴿ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (120)﴾

[  سورة النحل ]

أحياناً إنسان مصلح يغير مجرى التاريخ، صلاح الدين الأيوبي واجه سبعاً وعشرين دولة أوربية وغيّر مجرى التاريخ، بعدما كانت سوريا محتلة تسعين عاماً حررها ودخل بيت المقدس، لذلك الإنسان حينما يتصل بالله يصبح عنده قدرات مذهلة، أي المسلمون الأوائل قلة قليلة لكن خلال ربع قرن فتحوا العالم، لذلك -أيها الإخوة- الحقيقة الدقيقة القوة لا تصنع حقاً، لكن الحق يصنع قوة، أخطر ما في الخطاب القوة وحدها لا تصنع الحق، إنما الحق يصنع قوة، أو الحق يحتاج إلى قوة، والقوة من دون حكمة تدمر صاحبها.

علاج أي أزمة نزع فتيل الظلم:


أيها الإخوة؛ نتائج الظلم الذي تحدثت عنه في الأسبوع الماضي، نتائج الظلم لا يمكن ضبط حساباتها، ولا تقدير ردود أفعالها؛ ذلك أن ردود المقهورين والمظلومين كشظايا القنابل، تطيش في كل اتجاه، تصيب من غير تصويب، إن ردود أفعال المظلومين لا يمكن التحكم في مداها – بُعدها- ولا في اتجاهاتها، إنها تَطيش متجاوزة حدود المشروع والمعقول، لذلك العلاج الأول والحقيقي لأية أزمة تعاني منها أمة نزع فتيل الظلم الذي يشحن النفوس بالكراهية والمقت، ويعمي البصائر والأبصار عن تدبر العواقب -عواقب الأمور- والنظر في مشروعيتها أو نتائجها، لذلك حينما ينتظر الناس طويلاً قبل أن ينالوا حقوقهم، فمن المرجح أنهم سيتصرفون في فترة الانتظار بطريقة يصعب توقعها، لذلك قال تعالى: 

﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)﴾

[  سورة الحجرات ]


أيّ شيء يكرهه الناس يُوظف عند الله للخير المطلق:


أيها الإخوة الكرام؛ كنت مرة في بلاد بعيدة جداً -في أمريكا- وكنت مدعواً لمؤتمر إسلامي كبير، وفي الحفل الختامي جرت العادة أن يُوضع الضيوف على طاولة طويلة وأن يلقي كل واحد منهم كلمة في دقيقة، كان الذي عن يميني من العراق، وتحدث عن الآلام التي ألمّت بالعراق، قال: لقد أُصيب العراق بالبؤس ما لم يُصَب به المسلمون في مئة عام وبكى، قال: والله لكنهم ارتقوا في سلم الإيمان ما لم يرتقِ به هؤلاء في ثلاثمئة عام، وانتهى كلامه، جاء دوري قلت أنا: إذاً خطة الله استوعبت خطة أمريكا، وظفَتْها للخير، وهكذا يفعل الله -عزَّ وجلَّ-، أي شيء يكرهه الناس يُوظَّف عند الله للخير المطلق، الدليل: 

﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِى ٱلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَٰرِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ (6)﴾

[  سورة القصص ]

أي دائماً وأبداً هذه الآية تملأ صدر المؤمنين رضًا بما يجري في أي بلد إسلامي، لذلك -أيها الإخوة- تصوَّر سفينة، هذه السفينة تتجه إلى الشرق، أنا سأرمز إلى الخير بالشرق، وإلى الشر بالغرب، السفينة تتجه إلى الشرق، والسفينة كبيرة عملاقة، على ظهرها إنسان يُجَرّ إلى الغرب؛ أي يُجَرّ إلى مصيبة، لكن هذه السفينة بكاملها تتجه نحو الخير، هكذا ينبغي أن نفهم الأزمات والمُلِمّات التي تصيب المسلمين، الأزمة مؤلمة لكن مجمل هذه الأزمة لصالح المؤمنين، هذا من فهم المؤمن للمصائب: 

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ (155)﴾

[  سورة البقرة ]

الآيات كثيرة جداً: 

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾

[  سورة السجدة ]

ما لم تفهم حقيقة المصائب، وأنها في النهاية لصالح المؤمنين قطعاً، لكن الدواء مرّ دائماً، المصيبة مؤلمة لكنها في النهاية لصالح المؤمنين، والمؤمن الصادق يؤمن بهذه الحقيقة، لذلك قال تعالى: 

﴿ قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ۖ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ (26)﴾

[  سورة آل عمران  ]

لم يقل: والشر، إيتاء الملك خير ونزعه خير، الإعزاز خير والإذلال خير، ﴿بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ﴾ في كل الأحوال، ﴿إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ﴾ .

كل مِحنة هي في الحقيقة مَنحة من الله -عزَّ وجلَّ-:


إخواننا الكرام؛ بشارة إلى هؤلاء الذين قتلوا، الحديث الشريف: 

((  مَن قُتِلَ دونَ مَظلَمتِه فهو شهيد ))

[ تخريج المسند لشعيب عن عبد الله بن عباس ]

هذا الحديث يواسي أهل الشهداء من كل الأطراف، هذا الحديث يواسي ويخفف المصاب عن أهل الشهداء من كل الأطراف. 
أيها الإخوة؛ هناك قاعدة: كل شِدة وراءها شَدة إلى الله، وكل مِحنة هي في الحقيقة مِنحة من الله، لذلك قال تعالى: 

﴿ أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَٰبٍۢ مُّنِيرٍۢ (20)﴾

[ سورة لقمان ]

قال علماء التفسير: المصائب هي النعم الباطنة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين.

الخطبة الثانية: 

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين. 

حقائق متعلقة بالحوار:


أيها الإخوة الكرام؛ تنطلق اليوم في ظل هذه الظروف العصيبة التي يمر بها بلدنا الحبيب دعوات كثيرة إلى الحوار، أليس كذلك؟ في سبيل الخروج من هذه الأزمة، وإعادة الأمن والاستقرار إلى ربوع هذا الوطن الحبيب، ولا بد أن أضع بين أيديكم بعض الحقائق المتعلقة بالحوار:
1-الحوار ضرورة لنا جميعاً بدءاً من الأب مع أولاده، وانتهاءً بالدولة مع المواطنين، الحوار الأسلوب الراقي، الأسلوب الحضاري، بالتعبير المعاصر (الديمقراطي)، والذي يرفض الحوار يرفض الآخر، والذي يرفض الآخر يرفض نفسه، بل يتستر على عيوبها، ويحملها إلى التمادي بالباطل؛ لأن الإنسان بطبعه مخلوق اجتماعي، فإذا ألغى الحوار مع معارضيه يكون قد ألغى إنسانيته.
2- الحوار حتى يؤتي أُكُلَه لا بد أن تتحقق له بيئة سليمة، وشروط منطقية ، وإلا فقدَ هدفه، ومن شروطه: أن يحتكم المتحاوران إلى ميزان واحد، إلى منطق العقل والفطرة السليمة، منطق المصلحة العامة لا الخاصة، أما أن يحتكم أحد أطراف الحوار إلى القوة التي يمتلكها فهذا لا يسمى حواراً إطلاقاً، إنما هو إملاء من طرف قوي على طرف ضعيف.
3-ليس هناك طرف مقدس في الحوار، ليس هناك شيء مقدس، كل شيء قابل للتطوير والتعديل، والإلغاء، إلا الوحيان؛ الكتاب، إذ أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والسنة الصحيحة؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- قد عصمه الله -جلّ جلاله- من أن يخطئ في أقواله وأفعاله وإقراره، لذلك الله -عزَّ وجلَّ- أمرنا أن نأخذ عن النبي ما آتانا، وأن ننتهي عما عنه نهانا، فقال تعالى: 

﴿ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ كَىْ لَا يَكُونَ دُولَةًۢ بَيْنَ ٱلْأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ ۚ وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ (7)﴾

[  سورة الحشر ]

أي موضوع في الحوار قابل للبحث، والدرس، والمناقشة، والقبول، والرفض، إلا الكتاب والسنة، ولا شيء مقدس في قوانين الأرض ولا دساتيرها، مثلاً: مَن قال أنّ دولة من الدول العظمى الخمس إذا قالت: "لا" يُلغى القرار، الحق من أعطاها إياه؟ هم أعطوه لأنفسهم، فلذلك مبدأ الفيتو مبدأ باطل، فيه عنصرية، قانون أو قرار يحل مشكلة في الإنسانية، دولة من هذه الدول الخمس تقول: لا، انتهى القرار، مثلاً: أكثر من ظلامة وقعت على وجه الأرض والعالم كله مع المعتدي، دولة عظمى لها مصلحة مع جهة معينة تستخدم الفيتو يُلغى القرار.
4-أيها الإخوة؛ بيئة الحوار هي العنصر المهم فيه، لذلك وجب قبل البدء أن نهيئ الأجواء الملائمة لنجاحه، ونحن بأمس الحاجة إلى الحوار، وإلى تهيئة الظروف المناسبة له، والظروف معلومة عندكم جميعاً، وتُذكَر في الأخبار كثيراً، إذا هُيِّئت هذه الظروف فعندئذ نرجو الله -سبحانه وتعالى- أن يكون حل هذه الأزمة عن طريق الحوار.

الدعاء:


اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخيّاً، وسائر بلاد المسلمين، اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد تُعزّ فيه أولياءك وتذل فيه أعداءك وتنصر فيه دينك يا رب العالمين، اللهم من أراد بالإسلام ودياره وأهله خيراً فوفقه لكل خير، ومن أراد بهم غير ذلك فتوله بما شئت وكيف شئت، اللهم ارحم شهداءنا، وداوِ جرحانا، وأفرغ على ذويهم الصبر والسلوان، احقن دماء المسلمين ودماء الأبرياء في كل مكان يا رب العالمين، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في كل مكان على أعدائك أعداء الدين، وصلِّ الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين. 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

اللغات المتوافرة

إخفاء الصور