المُحاوِر:
هل القاعدة أن يعيش المؤمن سعيداً في الدنيا، أم أنه الاستثناء أن يكون سعيداً في الدنيا؟
الفرق بين اللذة والسعادة:
الدكتور محمد راتب النابلسي:
لا، يجب أن نُفرِّق بين اللذة والسعادة، الغني عنده لذائذٌ كثيرةٌ جداً لا تنتهي، السعادة اتصالٌ بالله، أنت بالسعادة تتصل بأصل الجمال وأصل الكمال والنوال، الإنسان يُحب الجمال والكمال والنوال، المؤمن اتصل بأصل الجمال والكمال والنوال، غير المؤمن اتصل بأشياء جميلةٍ محدودة، لكن هناك نقطةٌ دقيقةٌ جداً، ولحكمةٍ بالغةٍ بالغةٍ بالغة، ما سمح الله للدنيا أن تُمٍدَّ الإنسان بسعادةٍ مُستمرة، أو بلذةٍ مُستمرة، بل مُتناقصة، لحكمةٍ بالغة، الذي كان يتمنّى أن يركب سيارةً ثم اشتراها، لمدة أسبوعٍ واحدٍ أو أسبوعين يُكثِر من ركوبها، بعد ذلك تصبح شيئاً عادياً، الزواج عادي، المركبة عادية، البيت الفخم عادي، المَنصِب الرفيع عادي.
أذكُر مرةً كان هناك والي عثماني عندنا، وله قصرٌ في مركز المدينة دمشق، فدخل أحد كبار الموظفين، فرآه ينظُر من النافذة إلى أسفل البناء ودمعته على خدِّه، رأى فقيراً قد جلس في مكانٍ وقد فتح رغيف خُبزٍ مع بصلةٍ وأكله بنَهمٍ، قال له: أتمنّى أن أكون مكان هذا الذي يأكل بهذه الصحة الطيِّبة، فالله أحياناً يُعطي كل شيءٍ ويسلُب قُربك منه، لم تأخُذ شيئاً، أحياناً يسلُب كل شيءٍ ويُعطيك القُرب منه.
﴿ وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)﴾
هذا النبي الكريم أين نادى؟ في الظُلمات، ظُلمات جمع، نادى في بطن الحوت، حيت ظُلمة بطن الحوت، وظُلمة البحر، وظُلمة الليل.
﴿ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
دقق: القصة انتهت قُلِبَت إلى قانون: (وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ) .
أنا أُخاطِب الإخوة المُشاهدين: شاب، شابة، كبير، صغير، غني، فقير، مريض، صحيح، الله موجود، بيده كل شيء، إن عرفته عرفت كل شيء، إن فاتتك هذه المعرفة فاتك كل شيء.
(( قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ : إنِّي والجنَّ والإنسَ في نبأ عَظيمٍ أخلُقُ ويُعبَدُ غَيري، وأرزقُ ويُشكَرُ غيري ))
[ أخرجه الطبراني والبيهقي وابن عساكر وهو ضعيف ]
(( خيري إلى العباد نازل، وشرّهم إليّ صاعد، أتودد إليهم بالنِعَم وأنا الغني عنهم! ويتبغّضون إليّ بالمعاصي وهُم أفقر ما يكونون إليّ ))
[ الألباني السلسلة الضعيفة ]
إن أردت كل شيءٍ تَعرَّف إلى الله:
أخي الكريم: إن أردت كل شيءٍ تَعرَّف إلى الله، إن أردت الصحة، والسعادة، والرفعة، والتوفيق، فإن لم يقُل المؤمن: ليس على وجه الأرض من هو أسعد منّي ففي إيمانه مُشكلة، أنت مع القوي.
﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)﴾
(الْأَمْرُ) هذه ال الجنس، (كُلُّهُ) توكيد، (فَاعْبُدْهُ) متى أمرك أن تعبُده؟ بعد أن طمأنك: (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) والقصص كثيرةٌ جداً.
عبدٌ من عبيد المَلِك، سيدنا يوسُف أصبح عزيز مصر، قالت إحداهُن وهي تعرفه عبداً: سبحان من جعل العبيد ملوكاً بطاعته، ومن جعل الملوك عبيداً بمعصيته.
المُحاوِر:
أُستاذي الكريم نفهم من كلامكم أنَّ للسعادة قوانين وضعها الله تعالى، ممكن بعض من هذه القوانين؟
الدكتور محمد راتب النابلسي:
والله القوانين باجتهادٍ شخصيٍ منّي، لا بُدَّ من أن تعرف الله، لأنَّ أصل الدين معرفة الله، والله لا يُعرَف إلا بآياته: الكونية والتكوينية والقرآنية.
آياته الكونية خلقه: شمس، قمر، نجوم، مجرات، ليل، نهار، جبال، سهول، هضاب، بحار، أنهار، فواكه، خضراوات، شيءٌ لا يُصدَّق! مليار مليار مليار شيء يدل على الله، بل إنَّ كل ما في الكون يدل على واحد: وجوده، وحدانيته، كماله.
لا بُدَّ من أن نقتطِع من وقتنا وقتاً لمعرفة الله:
لا بُدَّ من أن نقتطِع من وقتنا وقتاً لمعرفة الله، هل يستطيع إنسانٌ أن يكتُب بجانب اسمه حرف دال أي دكتور وهو أُمّي؟! عنده دراسةٌ ابتدائية، ثم متوسطة، ثم ثانوية، وإن كان بالآداب ليسانس، وإن كان بالعلوم بكالوريوس، دبلوم عامة، دبلوم خاصة، ماجستير، دكتوراه، ثلاث وعشرون سنةً من الدراسة من أجل حرف دال، وكلمة مؤمنٍ أن يستحقّ جنَّة الله بلا تعبٍ، بلا طلب علمٍ، بلا بحثٍ، بلا قراءة قرآنٍ، بلا فهم كلام النبي العدنان، هذا مستحيل! لذلك أنا أقول: أغبى الأغبياء في الأرض، الذي ينتظر نتائج بدون أسباب، يقول لك: نحن مسلمون، وإن كنت مسلماً:
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)﴾
وزوال الكون أهوَن عند الله من ألّا يُحقِّق وعوده للمؤمنين، نحن لسنا مُستخلفين بالحقيقة المُرَّة، (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ) ولسنا مُمكَّنين أيضاً، (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) لسنا آمنين، لسنا مُستخلفين هذه الحقيقة المُرَّة التي أراها أفضل ألف مرةٍ من الوهم المريح، ولا مُمكَّنين، ولا آمنين، لكن الحل في كلمةٍ واحدة: (يَعْبُدُونَنِي) فإذا قصَّرنا في عبادته، فقدنا استخلافنا وتمكيننا وخيريتنا، فالكُرة في ملعبنا.
عظمة هذا الدين أنه دينٌ جماعيٌ وفردي بآنٍ واحد:
ولكن أنا اُحب أن أُطمئن المُشاهدين، عظمة هذا الدين أنه دينٌ جماعيٌ وفردي بآنٍ واحد، لو طبَّقته أنت أيُّها المُشاهد وحدك، في نفسِكَ وبيتك وعملك فقط، في نفسِك أن صلّيت وصُمت وغضَضت البصر، وتزوجت.
وأقمت في بيتك أباً صالحاً، أو ابناً صالحاً، أو أخاً صالحاً، فأنت حينما تُطبِّق منهج الله تقطِف ثماره الفردية، فيستطيع الإنسان أن يكون أسعد إنسانٍ لكن ماذا أخذ من الدين؟ ثماره الفردية، الدليل:
﴿ مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)﴾
قرآن، كلام خالق الأكوان (مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ) لماذا؟ هذا الكون مُسخَّرٌ لنا تسخيرين: تسخير تعريف وتسخير تكريم.
الكون مُسخَّرٌ لنا تسخير تعريف وتسخير تكريم:
تسخير التعريف يقتضي أن تؤمن، وتسخير التكريم يقتضي أن تشكُر، فإذا آمنت وشكرت أنت وحدك وحدك وحدك، حقَّقت الهدف من وجودك، وعندئذٍ حياةٌ طيِّبة.
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾
إنسانٌ غَفَل عن الله عنده متاعبٌ كثيرةٌ جداً، عنده متاعبٌ صحية، متاعبٌ مالية، اجتماعية، أُسرية، فالحقيقة السعادة شيءٌ مُخيفٌ جداً، مُخيف أي عظيم، قمة سعادة الإنسان أن يعرف الله، وقد ذكر ابن القيِّم في طريق الهجرتين هذا الأثر: "ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فُتُّك فاتك كل شيء، والله أحب إليك من كل شيء" .
لكن لا بُدَّ من طلب العِلم، كل الدنيا منوطةٌ بالعِلم الآن، يقول لك: خبرات، خُبراء، فالإله العظيم ألا ينبغي أن نقتطِع من وقتنا وقتاً لمعرفته؟ وقتاً للاستقامة على أمره، وقتاً لعملٍ صالحٍ نتقرَّب به إليه، وقتاً لإحكام الصِلة به.
المُحاوِر:
أستاذي الكريم كسؤالٍ أخير، مادام أنَّ مركزية السعادة ومِحوَر السعادة هو معرفة الله تبارك وتعالى، كيف نعرف الله؟
الدكتور محمد راتب النابلسي:
سأقول كلمةً دقيقة: ما العمل الصالح؟ ما تعريفه؟ العمل الصالح تعريفه أنه يصلُح للعرض على الله، ومتى يصلُح للعرض على الله؟ إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتُغيَ به وجه الله، وصواباً ما وافق السُنَّة.
فأنا أقول لا بُدَّ للإنسان من أن يقتطِع من وقته وقتاً لمعرفة الله، الناس يتابعون نشرات الأخبار، والأفلام، والمُسلسلات، ولكن الإنسان غافلٌ عن سِرّ وجوده وغاية وجوده، متى يرى الحقيقة المُرَّة؟ عند الموت.
﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24)﴾
والله الذي لا إله إلا هو، يأتي على الإنسان الغافل ساعةٌ لا توصَف من شدّة الألم.
(( إن العارَ لَيَلْزَمُ المَرْءَ يومَ القيامةِ حتى يقولَ: يا رَبِّ لَإِرْسالُكَ بي إلى النارِ أَيْسَرُ عَلَيَّ مما أَلْقَى وإنه لَيَعْلَمُ ما فيها من شدةِ العذابِ ))
[ الألباني السلسلة الضعيفة ]
الخطأ مع الله كبيرٌ جداً، أن نغفل عن الله شيءٌ كبيرٌ جداً، أن ننسى سِرَّ وجودنا شيءٌ خطيرٌ جداً، أن ننسى غاية وجودنا، أن نُهمِل الجنَّة وما فيها من نعيمٍ مُقيم، وألّا نسمح أن نصل إلى النار.
هناك شيءٌ يلفِت نظري في القرآن:
﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (71)﴾
هذه لغةٌ عربية، (إِن) أي ما منكم واحدٌ إلا ويَرِد النار، لكن يَرِدُ وليس يدخُل، الدخول لا خروج، أمّا يَرِد يعني زيارة.
مثال: وزير داخلية عنده سجنٌ حضاري، زاره وزير خارجية بريطاني، فسيُريه السجن الحضاري، هذا الوزير البريطاني ليس سجيناً، هذا يَرِد ليرى الحضارة في هذا السجن، هذا السجن فيه غرفٌ صحّية، فيه الطعام معقول، فيه شيءٌ من العِلم يُعطى للسجناء، فالورود غير الدخول.
أسماء الله الحُسنى كلها مُحقَّقةٌ في الدنيا إلا اسم العدل مُحقَّقٌ جزئياً:
شيءٌ آخر: دائماً وأبداً الله أسمائه كلها حُسنى، مُحقَّقة في الدنيا كلها، إلا اسم العدل مُحقَّق جزئياً في الدنيا، هناك طُغاةٌ ماتوا أحلى موتةٍ، فورود النار للمؤمن (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) ليرى عدل الله المُطلَق، لأنَّ كل أسمائه الحُسنى مُحقَّقة إلا اسم العدل مُحقَّقٌ جزئياً، لذلك المؤمن يَرِد النار ليرى عدل الله المُطلَق، فيستسلم لعظمته وكماله.
المُحاوِر:
أُستاذي الكريم حقيقةً مُجالستكم مُمتعةٌ جداً، استفدنا منكم كثيراً، حلَّقتُم بنا في أجواءٍ روحانيةٍ جميلةٍ جداً، بارك الله بكم، في عمركم، في صحتكم، زادكم الله مدداً وسنداً وعوناً، ونفَع بكم إن شاء الله.
كنتم معنا فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي في هذه الحلقة من برنامج حوار السادسة، نشكركم من صميم الفؤاد على تلبية الدعوة، شكراً لكم وبارك الله بكم.
الدكتور محمد راتب النابلسي:
أنا والله أُحب هذه البلاد.
المُحاوِر:
حفظكم الله وبارك بكم وبارك في بلادكم، وأدام الله تعالى أمنه واستقراره لجميع أقطار المُسلمين إن شاء الله.
أيُّها الكرام: فضيلة الشيخ يتكلم وأنا في بالي كلمةٌ قالها إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: "نحن في سعادةٍ لو علِمها الملوك وأبناء الملوك، لجالدونا عليها بالسيوف" يقصِد القُرب من الله، ومعرفة الله تبارك وتعالى.
شكراً على وفائكم، على حُبكم، على إخلاصكم لقناة محمدٍ السادس للقرآن الكريم.
النص مدقق