الشيخ المُقدِّم:
والآن نصل إلى فقرتنا الأساسية بهذا اللقاء المُبارَك، مع الوصايا الإيمانية التي ننهَل فيها من عِلمٍ نافعٍ، وكلمةٍ صادقة، من فمِ شيخنا وأستاذنا فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، فليتفضَّل مشكوراً، مأجوراً، محفوفاً برعاية الله.
الدكتور محمد راتب النابلسي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين.
أشكر لكم دعوتكم هذه، فإن دلَّت على شيءٍ فعلى حُسن الظنّ بي، وأرجو الله أن أكون عند حُسن ظنِّكم.
أيُّها الإخوة الكرام:
إذا أردت الدنيا فعليك بالعِلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعِلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعِلم، إلا أنَّ العِلم لا يُعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كُلَّك، فإذا أعطيته بعضك لم يُعطِكَ شيئاً، ويظلُّ المرءُ عالِماً ما طلب العِلم، فإذا ظنَّ أنه قد عَلِم فقد جَهِل، وطالب العِلم يؤثِر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثِر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً.
الإنسان هو المخلوق الأول عند الله:
مثلاً: هذه الطاولة لها وزنٌ وحجمٌ وطولٌ وعرضٌ وارتفاع، النبات يزيد عليها بالنمو، والكائنات المُتحركة تزيد عليها بالحركة، أمّا الإنسان هو المخلوق الأول عند الله، والمخلوق المُكلَّف والمُعاتَب والمُحاسَب.
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)﴾
فلمّا قَبِل الإنسان حمل الأمانة في عالَم الأزل، كان المخلوق الأول عند الله، والمُكلَّف، والمُحاسَب والمُعاقَب، لكن المَثَل أحياناً يوضِّح:
إنسانٌ موسوع المال عنده أولادٌ كثُر، قال لأولاده: أي واحدٍ منكم له منّي بيتٌ وسيارة، وكل شهرٍ ألف دولار، وزواج، لكن إذا أتى بشهادةٍ عُليا من بلادٍ بعيدة، أُعطيه نصف ثروتي، فإن لم يأتِ بهذه الشهادة أجعله يتسوَّل، ليس هناك حلٌّ وسط.
رُكِّبَ المَلَك من عقلٍ بلا شهوة، ورُكِّبَ الحيوان من شهوةٍ بلا عقل، ورُكِّبَ الإنسانُ من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سَمَت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان.
إذا أردت الدنيا فعليك بالعِلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعِلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعِلم، إلا أنَّ العِلم لا يُعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كُلَّك، فإذا أعطيته بعضك لم يُعطِكَ شيئاً.
الاستقامة أصلُ هذا الدين:
ولكن لم ترِد كلمة الإيمان بالله في تسعين آيةً إلا مع اليوم الآخِر، فالبطولة، والذكاء، والنجاح، والتألُّق، والتفوُّق، أن تُدخِل الآخرة في حسابك، إن أدخلتها في حسابك لا تستطيع أن تدهس نملةً.
الاستقامة أصلُ هذا الدين، الاستقامة حدّية لا يوجد نصف استقامة، إذا قلت هذا الوعاء مُغلَق، لو غِبتَ عنه سنواتٍ يبقى هوَ هُوَ، الاستقامة حدّية لا يوجد نصف استقامة، سأتكلم بكلمةٍ لكنها مؤلمةٌ قليلاً: نحن بلاد المسلمين اختَر بلداً مُعيَّناً، بالأعمّ الأغلب لا يوجد قتل ولا يوجد شُرب خمر، لكن هناك صغائرٌ، والصغيرة مُشكلتها أنها تُبعدُك عن الله عزَّ وجل، كلامي دقيق جداً، للتقريب: أنت في مركبةٍ على طريق، عن اليمين وادي سحيق وعن الشمال وادي سحيق، فكل معصيةٍ صغيرة تنتقل ميلّي واحد، مجموع المعاصي ينتهي إلى الوادي، لا يوجد كبائر، في بلدٍ إسلامي لا يوجد قتل، ولا يوجد شُرب خمر، بالأعمّ الأغلب، لكن ما الذي حَجَبَنا عن الله؟ الصغائر، فالبطولة، والنجاح، والفلاح، والتألُّق، أن تُطبِّق منهج الله، هذا المنهج من عند الخالق، من عند أصل الجمال والكمال والنوال.
فلو شاهدت عيـناك من حســننـا الـذي رأوه لما ولَّـيت عنـّا لغـيرنــا
ولو سَمِـعَتْ أُذناك حُسن خطابنا خلـعت عنك ثيـاب العُجب و جئتـنا
ولـو ذُقت مـن طعم المحـبَّة ذرةً عــذرت الـذي أضـحى قتيلاً بحـبنا
ولـو نسمـت مـن قربنا لك نسمةٌ لـمـُتَّ غـريـبـاً واشــتياقـاً لـقربـنــا
ولـو لاح مـن أنـوارنـا لـك لائـحٌ تـركــت جـميـع الكـائنـات لأجـلـنا
فـما حُبـنا سـهلٌ وكـل مـن ادّعى ســُهـولتـه قـلـنـا لـه قـد جهـلـتـنـــا
وأيسر ما في الحـُب للصبِّ قتله وأصـعب من قـتل الفتى يوم هجرنا
دُعيتُ مرةً إلى بلدٍ بعيد، بعد إلقاء المُحاضرة، أحد الحاضرين له منصبٌ رفيعٌ في شركة سياراتٍ الأولى هناك، فدعاني إلى زيارة هذا المعمل، قال لي: هذه السيارة فيها ثلاثون ألف قطعةٍ، هذا الكلام من فمهِ إلى أُذُني، أمّا أنا كراكبٍ للسيارة أرى فيها، غلاف، ومُحرِّك، ومِكبَح، وبنزين، والعجلات، سبعةُ قطعٍ فأين الثلاثون ألفاً؟! تعلَّمت من هذا المَثَل أنَّ في هذا الدين كم عالِمٍ؟ مئات الألوف، كم داعيةٍ؟ كم حافظٍ للكتاب بالخمس قارات؟ بالملايين، هل يمكن أن أضع كُليَّاتٍ لهذا الدين؟ العقيدة إن صحَّت صحَّ العمل وإن فسدت فسد العمل، من أجل أن تضع قبل اسمك حرف دال أي دكتور، تحتاج إلى خمسةٍ وثلاثين سنةً من الدراسة، ومن أجل جنَّةٍ عرضها السماوات والأرض فيها:
(( في الجنةِ مالَا عينٌ رأَتْ، ولا أُذُنٌ سمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلْبِ بَشَرٍ ))
ألا يجب أن تُصغي لدرس عِلمٍ، الشيء الدقيق عندنا حالاتٌ دقيقةٌ جداً، أنت بحاجةٍ إليها، لكن أن تعرف الله، وقد ذكر ابن القيِّم في طريق الهجرتين هذا الأثر: "ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فُتُّك فاتك كل شيء، والله أحب إليك من كل شيء" .
كُليَّات الدين العقيدة، إن صحَّت صحَّ العمل وإن فسدت فسد العمل، لذلك:
(( طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ، وإِنَّ طالبَ العلمِ يستغفِرُ له كلُّ شيءٍ، حتى الحيتانِ في البحرِ ))
[ أخرجه ابن ماجه والبزار وابن عبد البر ]
لذلك إذا أردت السعادة وعندنا لذة، اللذة تحتاج إلى وقتٍ وإلى مالٍ وإلى صحةٍ، ولحكمةٍ بالغةٍ بالغةٍ بالغة، دائماً ينقصك واحدة من هذه الأمور الثلاثة، ففي البداية لا يوجد مال، وبالوسط لا يوجد وقت، وبالآخِر لا يوجد صحة، هذه العبادة الشكلية، أمّا أن تصل إلى الله:
فلو شاهدت عيـناك من حســننـا الـذي رأوه لما ولَّـيت عنـّا لغـيرنــا
ولو سَمِـعَتْ أُذناك حُسن خطابنا خلـعت عنك ثيـاب العُجب و جئتـنا
ولـو ذُقت مـن طعم المحـبَّة ذرةً عــذرت الـذي أضـحى قتيلاً بحـبنا
ولـو نسمـت مـن قربنا لك نسمةٌ لـمـُتَّ غـريـبـاً واشــتياقـاً لـقربـنــا
فـما حُبـنا سـهلٌ وكـل مـن ادّعى ســُهـولتـه قـلـنـا لـه قـد جهـلـتـنـــا
الكُليَّة الأولى في الدين العقيدة:
لذلك إخوانّا الكرام: الكُليَّة الأولى العقيدة، العقيدة فَهم، العقيدة تصوُّر، العقيدة إيديولوجية، مُسمّياتٌ لشيءٍ واحد، الجانب العقدي الفَهم، أنت تحتاج إلى طلب العِلم، حتى تستطيع أن تضع حرف دال قبل اسمك أي دكتور، تحتاج إلى ثلاث وعشرين سنة دراسة، من أجل جنَّةٍ عرضها السماوات والأرض فيها: (مالَا عينٌ رأَتْ، ولا أُذُنٌ سمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلْبِ بَشَرٍ) .
فينبغي أن تطلُب العِلم، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعِلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعِلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعِلم، إلا أنَّ العِلم لا يُعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كُلَّك، فإذا أعطيته بعضك لم يُعطِكَ شيئاً، ويظلُّ المرءُ عالِماً ما طلب العِلم، فإذا ظنَّ أنه قد عَلِم فقد جَهِل، طالب العِلم يؤثِر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثِر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً.
الكُليَّة الثانية الحركة:
الكُليَّة الثانية الحركة: الحركة نوعان سلبيةٌ وإيجابية.
الحركة السلبية: ما أكلتَ مالاً حراماً، ما كذبت، ما غششت، السلبية كلها فيها ما، والاستقامة حديّة، هذا الوعاء مُحكَم امتلأ ماءً وغِبتَ شهراً بقي الماء هو هُوَ، الاستقامة حدّية لا تُقسَّم.
الحقيقة المُرَّة أحياناً أفضل ألف مرة من الوهم المريح، مثال: بيتٌ من أرقى أنواع البيوت، فيه أجهزةٌ كهربائيةٌ من الطراز الأول، إذا قُطِعَ التيار الكهربائي عنه ميلي واحد، جميع هذه الأجهزة توقفت، ليس هناك ثلاجة، ولم يعُد هناك شيءٌ في البيت، الأجهزة غالية جداً من أعلى مستوى، لمّا قُطِع التيار، هذا التيار هو الصِلة بالله، "ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فُتُّك فاتك كل شيء، والله أحب إليك من كل شيء" .
فكُليّات هذا الدين العقيدة، لا بُدَّ من طلب العِلم: فإذا أردت الدنيا فعليك بالعِلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعِلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعِلم، إلا أنَّ العِلم لا يُعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كُلَّك، فإذا أعطيته بعضك لم يُعطِكَ شيئاً، ويظلُّ المرءُ عالِماً ما طلب العِلم، فإذا ظنَّ أنه قد عَلِم فقد جَهِل، طالب العِلم يؤثِر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثِر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً.
الكُليَّة الثالثة العمل الصالح:
الكُليَّة الثالثة العمل الصالح: حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، والدليل، لا تقبل في الدين شيئاً إلا بالدليل، ولا ترفُض شيئاً إلا بالدليل:
﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)﴾
وسُمّيَ العمل صالحاً لأنه يصلُح للعرض على الله، ومتى يصلُح؟ إذا كان خالصاً وصواباً.
إذاً أول بندٍ العقيدة إن صحَّت صحَّ العمل، وإن فسدت فسد العمل.
ثانياً الحركة: سلبية الاستقامة، إيجابية العمل الصالح، سيدنا علي رضي الله عنه يقول: "الغنى والفقر بعد العرض على الله" ، العمل الصالح هو القسم المُتحرِّك، هناك العقيدة كل أركان البيت الكبيرة، أمّا العمل الصالح مُتحرِّك، فحجمك عند الله بحجم عملك الصالح، سُمّيَ العمل صالحاً لأنه يصلُح للعرض على الله، ومتى يصلُح؟ إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتُغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السُنَّة.
الكُليّة الرابعة الثمرة:
﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)﴾
الصلاة عماد الدين، وعصام اليقين، وسيدة القُربات، ومعراج المؤمن إلى ربِّ الأرض والسماوات، النتيجة الدقيقة:
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152)﴾
إنك إن ذكرت الله أدّيت واجب العبودية.
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾
والعبادة بالتعريف الدقيق: طاعةٌ طوعية، ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبية، أساسها معرفةٌ يقينية، تُفضي إلى سعادةٍ أبدية، هذه نتيجة.
الصلاة عماد الدين، وعصام اليقين، وسيدة القُربات، ومعراج المؤمن إلى ربِّ الأرض والسماوات.
والله لا أُبالِغ، إن لم تقُل أيُّها المؤمن، أيُّها الشاب المؤمن: ليس على وجه الأرض إنسانٌ أسعد منّي إلا أن يكون أتقى منّي، يعني أنت اتصلت بأصل الجمال والكمال والنوال.
فلو شاهدت عيـناك من حســننـا الـذي رأوه لما ولَّـيت عنـّا لغـيرنــا
ولو سَمِـعَتْ أُذناك حُسن خطابنا خلـعت عنك ثيـاب العُجب و جئتـنا
ولـو ذُقت مـن طعم المحـبَّة ذرةً عــذرت الـذي أضـحى قتيلاً بحـبنا
ولـو نسمـت مـن قربنا لك نسمةٌ لـمـُتَّ غـريـبـاً واشــتياقـاً لـقربـنــا
البطولة أن تعرف الله قبل فوات الأوان:
فالبطولة، والنجاح، والفلاح، والتألُّق، أن تعرف الله قبل فوات الأوان، أكفر كفَّار الأرض فرعون الذي قال:
﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ (24)﴾
حينما أدركه الغَرَق:
﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)﴾
معنى ذلك أنت معك مليون خيار رفض في الدنيا، هذا البيت لم يُعجبك لا تشتريه، هذه المخطوبة لم تُعجبك لا تتزوجها، هذه الحِرفة دوامها طويل ودخلُها قليل، معك مليون خيار رفض، إلا مع الدين خيار وقت، لأنَّ أكفر كفَّار الأرض فرعون قال: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ) وقال:
﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)﴾
فلما غرق: (قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ) فالبطولة، والنجاح، والفلاح، والتألُّق أن تعرف الله قبل فوات الأوان.
الدكتور معاذ ريحان:
الدكتور بلال ظلُّ شيخنا، نسمع إن شاء الله منه ما يُبهِج.
الدكتور بلال نور الدين:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الحقيقة ونحن في طريقنا إلى حماة، شيخنا يُحب حماة، وقال لي: الشعور مُتبادَل، فمشاعركم الطيِّبة في محبَّة الشيخ يُبادلكم بها حُبّاً بحُب، فنسأل الله تعالى أن يجعل هذه المدينة عامرةً دائماً بالخير، والذِكر، والبِر، والإيمان، وجزى الله شيخنا الشيخ معاذ خير الجزاء على هذا اللقاء الطيِّب، وجزى الله محافظ حماة وكل من أسَّس لهذا اللقاء.
الحقيقة أُريد أن أستخرِج مع شيخنا، منه بعض الدُرر التي أعلمُها، و قد أُذكِّره بها فنستفيد جميعاً منها.
سيدي أول ما أُريد قوله: أنت حدَّثتنا سيدي، أنه عندما أكرمك الله تعالى بالدعوة إلى الله، فإنَّ هناك دعاءً لا يُفارقك، تدعو الله تعالى به، نريد أن نسمع هذا الدعاء منك.
حينما أفتقر إلى الله يأتي الدعم الإلهي:
الدكتور محمد راتب النابلسي:
من البيت إلى المسجد في حياتي كلها أقول: <<أنا أضعف عبادك، شرَّفتني بمعرفتك والدعوة إليك، إن علِمتَ صدق نيَّتي فاحفظنِ لها واحفظها لي، إن علِمتَ خلاف ذلك عالجني قبل أن أموت، لا تُمِتني حتى ترضى عنّي>> ، من البيت إلى المسجد، أنا حينما أفتقر إلى الله يأتي الدعم الإلهي، تأتي الخواطر الرائعة، فإذا أردت الدنيا فعليك بطاعة الله.
﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)﴾
طفلٌ صغير، في العيد أعطاه عمّه مبلغٌ من المال، وعمه الثاني وخاله وخاله الثاني، فقال: معي مبلغٌ عظيم، يمكن أن يكون خمسون ديناراً بالأردن، وهذا مبلغٌ عظيم عندهم، إذا قال: رئيس دولةٍ عُظمى: أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً، ثلاثون ملياراً، فإذا قال الله عزَّ وجل:
﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)﴾
عظيمٌ من الله، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعِلم (طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ) يعني فريضة كمحرِّك السيارة لا تسير، الفريضة لا بُدَّ منها، المُحرِّك والمِكبَح، والبنزين.
الدكتور بلال نور الدين:
سيدي عندنا في المسجد ما شاء الله نساء، والنساء في السُدَّة أيضاً ما شاء الله لهم مكانة.
الدكتور محمد راتب النابلسي:
استمِعنَّ:
(( أنا أوَّلُ مَن يُفْتَحُ له بابُ الجنَّةِ، إلَّا أنِّي أرى امرأةً تُبادِرني، فأقولُ لها: ما لكِ؟ ومَن أنتِ؟ فتقولُ: أنا امرأةٌ قعَدْتُ على أيتامٍ لي ))
(أنا امرأةٌ قعَدْتُ على أيتامٍ لي) أي امرأةٌ ربَّت أولادها، أعلى ربحٌ تجاريٌ في الأرض، ما فيه احتكار خمسَ عشرةَ بالمئة، أعلى ربحٍ صناعيٍ خمسةٌ وعشرين، مع الله الربح مليون بالمئة.
﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21)﴾
لذلك أن تعرف الله قبل فوات الأوان، هذا الذكاء، والنجاح، والتألُّق، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعِلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعِلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعِلم.
المرأة ليست نصف المجتمع بل خمسةٌ وسبعون بالمئة منه:
الدكتور بلال نور الدين:
بارك الله بكم، نحن عندنا في دمشق لشيخنا، في مجمع النابلسي الإسلامي، ثانويةٌ شرعيةٌ للبنين والبنات، فدائماً شيخنا كان يقول:
إنك إن علَّمتَ رجُلاً فقد علَّمتَ فرداً، لكنك إذا علَّمتَ فتاةً علَّمتَ أُمَّةً، فكان دائماً يحثّنا على الاعتناء أكثر بالطالبات، لأنه يُدرِك أنَّ المرأة لها من الأثر العظيم، في تربية الجيل وتنشئته ما ليس للرجُل.
الدكتور محمد راتب النابلسي:
فأنا كنت أظن أنَّ المرأة نصف المجتمع، والآن غيَّرت رأيي، خمسةٌ وسبعون بالمئة من المجتمع.
أنا في التعليم خمسين سنةً، ما رأيت طالباً نظيفاً، مؤدَّباً، مُجتهداً، إلا وراءه أُمٌّ عظيمة، العناية بالأُمهات فرضُ عينٍ على كل مسلمٍ.
الدكتور بلال نور الدين:
إخوانّا الكرام: شيخنا ما شاء الله له هذا الحضور، وله هذه المحبة في القلوب، فعندما يدخُل إلى أي مسجدٍ ما شاء الله يكون هذا التجمُّع، وهذا والله يُثلِج الصدر أن تعتني الأُمة بعلمائها، وأن تحضُر عندهم، وأن لا يذهبوا إلى التافهين والتافهات، ممَّن يُسمَّون المؤثِّرين والمؤثِّرات ممَّن يعيثون في الأرض فساداً، لكن بالتأثير السلبي، فبالتأثير السلبي إبليس أكبر مؤثِّر لأنه قال:
﴿ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62)﴾
أي وسَّع جمهوره، وقال:
﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82)﴾
إذا عَلِم الله منك إخلاصاً فيما تقول وتطبيقاً لما تقول كتب لك القَبول:
فبالتأثير السلبي إبليس يأخُذ المرتبة الأولى، لكن سبحان الله بالتأثير الإيجابي يُقيّده الله على أمثال شيخنا جزاه الله خيراً، فمرَّةً قلت له: أنت عندما ترى هذه الجموع، والله أحياناً الإنسان يدخُل إلى قلبه السرور لكن يخاف على نفسه، فذكر لي قصةً، قال لي: عالِمٌ من علماء دمشق، وهو الشيخ بدر الدين الحسني رحمه الله، قال: دخل المسجد فوجد الناس قد تجمَّعوا فقال كلمتين: "إلهي لا تحجبني عنك بهم ولا تحجبهم عنك بي" وكان يقول لي دائماً: يا بلال، العالِم كبلور الزجاج البلجيكي الصافي مئةً بالمئة، لا يرى نفسه وإنما يشفُّ عن رحمة الله، وحكمة الله، وعدل الله، ولا يرى نفسه، فأنا أقول: والله وليس في حضوره، إنما كتب الله له هذا القَبول العظيم، لأنه نحسبه ولا نزكّيه على الله قد عاش لله، يريد أن يصل الناس بالله تعالى، ودائماً نسأله عن سر القَبول، فكما قال قبل قليل: إذا عَلِم الله منك إخلاصاً فيما تقول، وتطبيقاً لما تقول كتب لك القَبول.
الدكتور محمد راتب النابلسي:
أيُّها الداعية: إذا عَلِم الله تطبيقاً لما تقول، وإخلاصاً فيما تقول كتب لك القَبول.
التدخُّل الإيجابي في السوق:
الدكتور بلال نور الدين:
شيخنا بارك الله بعمره وحياته، خرَج قبل شهرٍ والحمد لله من عمليةٍ جراحيةٍ ناجحة، وآثرَ أن تكون أولى زياراته كان في اللاذقية ثم إلى حماة، فبذلك جزاه الله عنّا خير الجزاء، دائماً نحاول أن نُخفِّف عنه وأن نأنَس به قدر المُستطاع، فالحمد لله ربّنا عافاه وشفاه، وعاد إلى نشاطه، وهذا من فضل الله تعالى ورحمته، وذكرت قبل قليل، لمجموعةٍ من الدُعاة الكرام الذين كنّا بصُحبتهم من دُعاة حماة، بارك الله بحماة ودُعاتها، أيضاً قصةً حدَّثني عنها شيخنا جزاه الله خيراً.
قال لي الشيخ: دخلت مرةً إلى عيادة طبيب الأسنان، وقد بقيَ لموعد الطبيب تقريباً ربع ساعة، فقلت أتصفَّح مجلةً موجودةً أمامي، لم يكن في ذلك الوقت التصفُّح من الجوالات، فأخذ مجلةً فإذا هي في التموين، لا علاقة لها بالدين، قال لي: فتحتها لأستفيد منها لعلّي أجد فيها شيئاً مفيداً، فوجدت فيها كنزاً، قلت: ما هو؟ قال: وجدت مقالاً لوزير التموين، يتحدَّث فيه عن التدخُّل الإيجابي في السوق، قال: إذا كان هناك غشَّاشون في الأسواق، يبيعون البضائع بأسعارٍ مرتفعة، أو وبضائعٍ مغشوشة، فإنَّ الحل الأول أن نُرسِل الشرطة والتموين وأن يُخالفوا الغشَّاشين، والحل الثاني أن تفتح أنت يا وزير التموين، أن تفتح مؤسَّساتٍ استهلاكية، تبيع الناس فيها أجود بضاعةٍ بأفضل سعر، فعندها هؤلاء الغشَّاشون، إمّا أن يُغلِقوا محلاتهم، أو أن يُقلِّدوك فتُحَل المشكلة.
قال لي: فأخذتها منهجاً في الدعوة، وهو التدخُّل الإيجابي في السوق، فلا أعلم أنني هاجمت أحداً، لكنني أتدخل إيجابياً وأضع بضاعتي التي وهبني الله وعلَّمني الله إيّاها، وبالفعل سبحان الله، أكثر من خمسين سنةً في الدعوة إلى الله، والتدخُّل الإيجابي، أنشأتْ هذا الأثر العميق والمستمر، دون أن تجد إلا بعض القلة القليلة، ممَّن لا يُحب الشيخ، من جميع الفئات، ومن جميع المدراس، وكتب الله له بذلك قَبولاً عظيماً ولله تعالى الحمد والمِنَّة، فأسأل الله تعالى أن يُبارِك بحاله وبعلمه وبمقاله.
الدكتور معاذ ريحان:
جندنا هُنا، والأمن هُنا، هذا الشعب والإعلاميين والنساء، هذه كلها كتلةٌ واحدة، شعبٌ واحدٌ في ظل الله عزَّ وجل بعد التحرير يا سيدي، متى كُنّا نرى هؤلاء في المساجد؟
الدكتور محمد راتب النابلسي:
الذي حصل احتمال وقوعه سابقاً بالمليون واحد، تدخُّلٌ إلهي لا تُفهَم إلا كذلك.
﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)﴾
تدخُّل إلهي هذا شيءٌ دقيقٌ جداً.
الدكتور بلال نور الدين:
سيدي رجال الجيش العربي السوري، لكن الجيش الذي نفتخر به، الجيش الذي يُقيم الصلاة، الجيش الذي يحضُر مجالس العِلم، رجال الأمن الداخلي، حُماة الوطن الذين نفخَر بهم.
المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ الضعيفِ:
الدكتور محمد راتب النابلسي:
(( المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ الضعيفِ وفي كلٍ خيرٌ ))
لكن النبي جبَّارٌ للخواطر قال: (وفي كلٍ خيرٌ) لماذا؟ حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، وسُمّيَ العمل صالحاً لأنه يصلُح للعرض على الله، ومتى يصلُح؟ إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتُغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السُنَّة.
طبعاً القوي خيارته واسعة جداً، عندنا خيارٌ مالي، وخيارٌ منصبي، وخيارٌ علمي، المؤمن القوي بماله، أو بعلمه، أو بمنصبه، خيرٌ وأحبُّ إلى الله تعالى من الأخرين.
لذلك: إذا أردت الدنيا فعليك بالعِلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعِلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعِلم، إلا أنَّ العِلم لا يُعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كُلَّك، فإذا أعطيته بعضك لم يُعطِكَ شيئاً، ويظلُّ المرءُ عالِماً ما طلب العِلم، فإذا ظنَّ أنه قد عَلِم فقد جَهِل، وطالب العِلم يؤثِر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً.
الدكتور بلال نور الدين:
بارك الله بكم وحفظكم، نفخر برجال جيشنا، وبرجال أمننا، وندعو الله تعالى أن يحفظهم من كل مكروهٍ ومن كل سوء، ونفخر بالجميع حيَّاكم الله جميعاً وبارك بكم ونفع بكم وحفظكم، كل الشكر شيخنا، لا نريد أن نُثقِل أكثر على شيخنا، أكرمكم الله وبارك بكم، سيدي نريد دعوةً صالحةً للإخوة.
دعوةً صالحةً للإخوة والمُحبين:
الدكتور محمد راتب النابلسي:
(( عن أنسٍ قال: كنتُ جالسًا عند رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذ مرَّ رجلٌ فقال رجلٌ مَنِ القومُ: يا رسولَ اللهِ إني لَأُحبُّ هذا الرجلَ قال: هل أَعْلمتَه ذلك؟ قال: لا فقال قُمْ فأَعلِمْه قال فقام إليه فقال: يا هذا واللهِ إني لَأُحبُّكَ في اللهِ قال: أَحبَّك الذي أحبَبْتني له ))
[ أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي ]
أنا والله أُحبِّكُم، وإذا دُعيت مرةً ثانية سأٌلبّي الدعوة فوراً، أدعو الله تعالى أن يحفظ لكم إيمانكم، وأهلكم، ومَن يلوذ بكم، وصحتكم، ومالكم، واستقرار بلادنا اليوم.
الملف مدقق
والحمد لله ربِّ العالمين.