بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين.
هذه ومضةٌ في دقائق.
الله عزَّ وجل ما قَبِلَ أن نعبده إكراهاً:
حياتنا بيَد الله والموت بيَدهُ، والصحة بيَدهُ والمرض بيَدهُ، والغِنى بيَدهُ والفقر بيَدهُ، والقوة بيَدهُ والضعف بيَدهُ، ومع كل ذلك ما قَبِلَ أن نعبده إكراهاً فقال:
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)﴾
بل أراد أن يكون الحبُّ أصلاً في العلاقة به.
النصوص:
﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)﴾
الحُب أساس العلاقة بين العبد وربِّه:
الحُب الآن، أمّا الخضوع فالإنسان قد يخضع لقويٍ ولا يُحبه، هذا شيءٌ مألوف في حياتنا كلها، تخضَع ولا تُحب، لكن الله عزَّ وجل ما أراد أن يُعبَد إكراهاً فقال: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) بل (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) أنت مُحسنٌ لأهلك، لأولادك، لجيرانك، لأندادك، لشُركائك، لمَن حولك، يُحب، دخلنا بالحُب الآن:
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)﴾
الله تواب، صيغة مُبالغة، ليس تائب وإنما تواب، مهما كثرت الذنوب، يقبَل توبتك إن كانت صادقةً (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) نظيفٌ لا يوجد روائحٌ كريهة من ثيابهُ أو من أجهزتهُ، يوجد نظافة.
﴿ بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)﴾
يتَّقي أن يعصي الله، يتَّقي أن يبني مجده على أنقاض الآخرين، يبتعِد عن أن يكون ظالماً لمَن حوله، عندك عاملٌ في الشركة، ابنك تُعطيه شيءٌ فلكي، وهذا العامل لأنه يتيم تُعطيه أقل ما يكون! والله عندنا أمراضٌ أيُّها الإخوة مع الأسف الشديد، أمراضٌ لا تُعد ولا تُحصى (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) ، (فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) يتَّقي أن يعصي الله.
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾
والله أيُّها الإخوة، أنا لي دعاءٌ أقوله دائماً: "اللهم أنا أضعف عبادك شرَّفتني بمعرفتك والدعوة إليك، إن علِمت صِدق نيَّتي فاحفظني لها واحفظها لي، إن علِمت خلاف ذلك عالجني قبل أن أموت، لا تُمتنِ حتى ترضى عنّي" .
مثال: إذا طبيب عنده مريضَين، الأول معه التهاب معدة حاد، يُخضِعه لحميةٍ قاسيةٍ جداً جداً جداً، على الحليب فقط لستة أشهر، والثاني معه ورمٌ خبيث، فقال له الثاني: ماذا آكُل؟ قال له: كُل ما شئت.
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (44)﴾
ما قال أبواب شيء، وما قال باب كل شيء، (أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) تذهب لبلاد الغرب تجد، أناقة، بزخ، ميترو، دخلٌ كبير، وهناك أشياءٌ جيدة، لا يُريدون الله، نحن الله فضَّل علينا وبعث لنا أُناسٌ صعبين، نريد الله، بالظاهر كلها سلبيات لكن في الوقع هي إيجابيات، لذلك: (فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) و (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) .
﴿ لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)﴾
مثال: شخصٌ قويٌ ومُخيف، أنت تُطيعه لكنك لا تُحبه، الله عزَّ وجل ما أرادنا أن نعبده إكراهاً، فقال: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) بل أراد أن نتعامل معه محبةً، هؤلاء يُحبهم الله، هذا كله في القرآن الكريم كلام خالق الأكوان.
(( عن أبي سعيد الخدري قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شغله قراءة القرآن عن مسألتي وذكري أعطيته أفضل ثواب السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه ))
﴿ لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148)﴾
شخصٌ أعرفه تماماً بأحد أحياء دمشق، تزوج امرأةً، وفي الشهر الخامس من زواجه منها، كان حملُها في الشهر التاسع، بإمكانه أن يُطلِّقها وأن يفضحها، وأهله معه وأهلها معه، والشرع معه، والقانون معه، فلم يفعل هذا، أخذ هذا المولود ووضعه تحت الجُبَّة، وانتظر حتى نوى الإمام الفرض عند صلاة الفجر، ولم يبقَ أحد، فدخلَ ووضع هذا الطفل عند طرف الباب على أنه لقيطٌ، والتحقَ بالمُصلّين، وفي صلاة الفجر يقرأ الإمام صفحة بصفحة، فأطال قليلاً، وبدأ الطفل بالبكاء وهو بعيدٌ عنه، فعند انتهاء الإمام تحرَّك كل مَن في المسجد وتحلَّقوا حول هذا اللقيط، فاقترب وسأل ما الأمر؟ قالوا له: لقيط، فقال لهم: أعوذ بالله، أنا أكفله، وأخذه أمام الحي كله على أنه لقيطٌ وكفِله، إمام هذا المسجد رأى في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له: قُل لجارك فُلانٌ أنه رفيقي في الجنَّة.
الفضيحة سهلة لكن البطولة بالستر، الله ليس ساتر بل ستّير، صيغة مُبالغة (لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ) .
أنا في التدريس أجد خطأً أمامي من أحدهم، كنت مرةً في المغرب، وأحدهم سألني هذا السؤال وأجبته، وأنا أُريد أن يسمعني من هو جالس أمامي، ممكن أن تبتعد كي لا ينحرِج هو، إن أردت أن تنصحه لا تنصحه أمام أحد، هذه نصيحةٌ لوجه الهم، لا تنصَح أخ أمام أُخته، انصحه على انفرادٍ بينك وبينه، النبي صلى الله عليه وسلم ضغط الدين كله بكلمةٍ واحدة:
(( الدِّينُ النَّصيحةُ، قُلنا: لمَن؟ قال: للَّهِ ولكِتابِه ولرَسولِه، ولأئِمَّةِ المُسلِمينَ وعامَّتِهم ))
[ أخرجه أبو داود والنسائي ]
لكن النصيحة على انفرادٍ (لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ) إذا الظالم ما اشتكى، يريد أن يتكلم بالحقيقة، هذه لا تُسمّى غيبة إطلاقاً، بل هي حقّ.
﴿ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205)﴾
أن تُفسِد العلاقة بين الزوجين، بين الشريكين، بين الأخوين، بين الحارتين، الفساد مُحرَّم، يقابله النصيحة، والنصيحة من دون فضيحة، انضغط الدين بكلمةٍ واحدة: (الدِّينُ النَّصيحةُ) .
النصيحة مثلاً: أختٌ أمام أختها تقول لها: انظري أبوكِ ماذا فعل معكِ؟ لا تنصح أحداً إلا على انفرادٍ، لأن الله ستّير (لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) .
أن تُفسِد علاقةً بين زوجين، تقول إحداهُنّ لأُخرى: ألم يكتُب لك مهراً؟ غير معقول! فكرِهَت بعد أن كانت موافقة على المهر القليل، أو مكتوب غير مدفوع، فتقول لها: انتبهي لا تقبلي، والله هناك كلامٌ عند العوام كالكُفر تماماً، إفساد العلاقات، يقول له أحدهم: كم يُعطيك صاحب العمل؟ يخبره فيقول: معقول! لا تقبَل بهذا، كأنه أداة شرٍّ، لا أقول دون أن يشعُر، هو يشعُر، لكن نحن المؤمنين مظنِّة صلاحٍ، مظنِّة عفوٍ، مظنِّة محبة.
﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)﴾
﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57)﴾
﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)﴾
﴿ لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (23)﴾
كل هذا الكلام في القرآن، (فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه) .
اقتراح: أنا منذ عشر سنواتٍ أقرأ من المصحف، في كل ركعةٍ صفحة، كل ستة أشهر ختمة، كلام خالق الأكوان، كلام الله، أصل الجمال والكمال والنوال، تقرأ سورة العصر في كل ركعة دائماً، لم يعُد هناك طعم للصلاة، أنت تريد أن تُصلّي اقرأ من القرآن لا مانع أبداً، ولا تُصلِّ بغرفة الجلوس والتلفاز مفتوح، وكلامٌ كثير في الغرفة، هذه ليست صلاة، صلِّ بغرفةٍ لوحدك، أو بالمسجد طبعاً، وبالمسجد أَولى، ومن المُصحف لا مانع، بفتوى من معظم العلماء، فتُنهي كل ستة أشهرٍ ختمة، في كل ركعةٍ صفحة، واسأل نفسك هل أنا مُطبِّقُها؟ أين أنا منها؟ أين أنا من كلام الله عزَّ وجل؟ هذا: (فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه) .
فلو شاهدت عيـناك من حســننـا الـذي رأوه لما ولَّـيت عنـّا لغـيرنــا
ولو سَمِـعَتْ أُذناك حُسن خطابنا خلـعت عنك ثيـاب العُجب و جئتـنا
ولـو ذُقت مـن طعم المحـبَّة ذرةً عــذرت الـذي أضـحى قتيلاً بحـبنا
ولـو نسمـت مـن قربنا لك نسمةٌ لـمـُتَّ غـريـبـاً واشــتياقـاً لـقربـنــا
فـما حُبـنا سـهلٌ وكـل مـن ادّعى ســُهـولتـه قـلـنـا لـه قـد جهـلـتـنـــا
لذلك أن تتصل بالله، والله لا أحنث بهذا القَسَم: إن لم تقُل ليس على وجه الأرض من هو أسعد منّي، أنت جعل لك الله عزَّ وجل خطاً ساخناً معه، أنت تأخُذ من الله الحلم، مكارم الأخلاق مخزونةٌ عند الله تعالى، فإذا أحبَّ الله عبداً، منحه خُلقاً حسناً.
وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ:
أقول لكم كلمةً دقيقة: أنا أعتقد يقيناً أنَّ النبي الكريم، لن أقول يتميَّز بل ينفرد بألف بندٍ، لمّا مدحهُ الله عزَّ وجل بأخلاقه:
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾
قال لي أحدهم: لماذا عظيم؟ قلت له: أنت عندك خمس تُفَّاحاتٍ، وخمسة أولادٍ، وجاءك من حمص خمسة أشخاصٍ، فأنت تقول: أولادي أحقّ بهذه التُفَّاحات، لكن هؤلاء جاؤوا من حمص، هل أُقدِّم لهم القهوة فقط؟ غير معقول! عندما ترددت: إنك ذو خُلقٍ عظيم، إذا ما ترددت إطلاقاً: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) .
الدعاء:
حفظ الله لكم إيمانكم، وأهلكم، وأولادكم، وصحتكم، ومالكم، واستقرار هذه البلاد التي استقرت أخيراً.
الملف مدقق
والحمد لله ربِّ العالمين.